استراحة العمر في فيلم "عبدالرحمن" للمخرج إلياس سافاكس

ضحى عبدالرؤوف المل

تمضي ساعات الزمن سريعًا، ولا نشعر بقيمة العمر إلا بعد فوات الأوان، بعد أن تفتح الذاكرة أبوابها على مصاريعها. لكن الفترات الطفولية التي قضيناها مع فترة الشباب الأولى تظل حاضرة. حين نسترجع الذكريات السعيدة، نشعر بجفاف العمر الذي مضى بعد أن أهملنا الصداقات الحميمة، والعلاقات الاجتماعية المترابطة بالمحبة والمشاعر التي كانت تستولي علينا في مراحل العمر الأولى، خصوصًا قبل الغوص في مجالات العمل اليومية وروتينها القاتل، وعدد ساعاته الطويلة التي تقضي على كل ذكرى تكمن في اللاوعي. ربما نعيش كآلة تعمل، تساير الزمن بدون أي مشاعر إنسانية، ونبتعد تدريجيًا عن الجوانب الإنسانية الكامنة في كل منا.

هذا ما يحاكيه فيلم "عبدالرحمن" للمخرج إلياس سافاكي، ولكن بأسلوب سينمائي محبب للنفس، يثير العواطف الوجدانية عند المتلقي، ضمن أسلوبه السينمائي الذي يضيء على جوانب إنسانية ربما عاشها البعض منا في زحمة ساعات العمل وعدد السنين المتراكمة الخالية من التواصل الاجتماعي المؤثر في النفس.

بلغ "عبدالرحمن" من العمر 63 سنة، واقترب من سن التقاعد. وهو مصمم أزياء في حي متواضع، عمل لمدة ستين ساعة في الأسبوع لأكثر من ثلاثين عامًا. لكن عندما ظهر العربي، صديق الطفولة، فجأة، لم تعد كل مخططات "عبدالرحمن" مؤكدة، إذا أخذه الحنين إلى إعادة برمجة الحياة والاستمتاع بها بعيدًا عن ضغوطات العمل اليومية التي أنهكت جسده الآخذ بالتراجع الصحي، أو الإحساس بأنه بات في عمر عجوز.

المشاهد الحيوية في الفيلم تثير العاطفة الوجدانية وتمنح الرائي متعة بصرية يعايشها مع "عبدالرحمن" ضمن عشرين دقيقة تصويرية مبنية على مشاهد حميمة وموسيقى تصويرية للموسيقار إليكسي أسدوريان (Alexis Assadourian) تناسب بساطة الفكرة وجمالياتها وحيويتها. المشاهد زادت من التقارب الوجداني بين الفيلم والمتلقي، والحوارات الداخلية مع تقنيات التصوير وإخراج الصورة عبر نقاط تصويرية ديناميكية تبعث على استنباط المعاني من الإيحاءات التمثيلية التي أبدع المخرج في إظهارها حسياً، مع التركيز على ملامح الوجه التعبيرية والوصف المشهدي المبني على تفاصيل تم التركيز عليها.

كان الفيلم يروي ذكريات "عبدالرحمن" وحياته من خلال الأماكن التي نراها بعفوية وفق كل مشهد تم تصويره بالداخل أو بالخارج، وبمعايير جمالية بسيطة استطاعت خلق العفوية. كأن الفيلم هو تصوير مذكرات لمصمم أزياء استفاق بعد سنين، ليتفقد داخله وهو ممتلئ بحب صديق الطفولة المنسي لفترة ما. ولكن السؤال: هل الفيلم يحاكي إنسانية الإنسان في زمن العولمة، والعصرنة، وشبكات التواصل الاجتماعي؟ أم هي مرحلة عمرية يمر بها البعض خلال الحياة؟

تناول الفيلم المراحل العمرية للإنسان بدءًا من مرحلة الشيخوخة، وبداياتها وما يعشش في الذاكرة، ويتبقى بصورته النقية القادرة على منح الإنسان لذة الذكرى، وإحياء اللحظات التي مضت. كأنه يراها من خلال المشاهد التي احتفظ بها الذهن بصورها البكر. لتولد عند استرجاعها بتفاصيلها التي لم نكن نراها إلا بعد مضي العمر إلى الأمام، ولكننا نعاود بحركة استرجاع للذاكرة نحو ما ضاع منا، لنحاول استرجاعه بعد فوات الأوان. لكن "عبدالرحمن" استطاع إعادتها نوعًا ما، ومعايشتها في الماضي والحاضر.

كان الفيلم القصير هو الفيلم الوثائقي الذي جعل المتلقي يعيش لحظات واقعية التقى فيها "عبدالرحمن" مع صديقه، وتحرر من ساعات العمل التي قيدته سنين طويلة. وتحررنا نحن معه عبر المشاهد الدرامية المفرحة والمحزنة على السواء، والتي تحمل عدة مفاهيم واقعية حياتية وسينمائية مع الأبعاد الاجتماعية المرتبطة بزمن الماضي والحاضر. خلق أماكن تروي بتفاصيلها المشهدية ما يريد المخرج روايته بصريًا وحسيًا، ليصل للمتلقي عبر المشهد المحسوس والمرئي.

تتفاعل المشاعر عند المتلقي عبر المشاهد التي تصور العلاقة العمرية للإنسان المتصلة بالشباب، والتغيرات التي تطرأ على الإنسان حين يركن لذاته أو يستفيق من متاعب الحياة التي تضغط على الوقت. بل وتسلب منه فترة من الزمن، ولكن تم تصويرها كمشاهد حية وكوقائع لم تعتمد على عدد من الممثلين، إنما اكتفت بتسليط الضوء على المعنى المترادف، أي الحسي والمرئي، والقيمة الاجتماعية لمفهوم الصداقة وتأثيرها على الصحة النفسية للإنسان، والفهم الاجتماعي المؤثر في النفس والمتشكل من خلال لقاء الأصدقاء بجمالية عفوية وفطرية. لم نشعر أنها تمثيل مؤدى بتقنية بارعة، إنما هي براعة تجسيد عفوي متقن شهدناه بوجدانية سينمائية ذات معايير تأثيرية لا يستهان بها من ناحية المزج الصوتي أو من ناحية الحنين للأمكنة أو لمفهوم الصداقة بين الشرق والغرب.

جسر الصداقة المبني بين الغرب والشرق هو من خلال "عبدالرحمن" وصديقه الذي أعاد له هويته الإنسانية ذات الطابع الانفتاحي، بغض النظر عن سنين العمل التي انقطع فيها عن التفكير في قيمة الاجتماعيات والتواصل الإنساني، أو بالأحرى مد جسور الماضي مع الحاضر. ليكون المستقبل معافى من كل الشوائب التي يرتكبها الإنسان بحق نفسه قبل الآخرين.

حين تستعيد الذاكرة التفاصيل السعيدة ليعيش صاحبها بمتعة أكبر من الواقع الزمني في الحاضر، تصبح المخيلة كالعالم المتخيل في ذهن الرائي. إذ ازداد عنصر التأثر والتأثير على المشاهد، معتمدًا المخرج على الحركة والحقيقة الملموسة مرئيًا عند لقاء الأصدقاء، وما نتج عنها من خلق العوالم الماضية والحاضرة، ومن خلال ما هو مرئي ومسموع، وبرفقة الموسيقى المناسبة للأحاسيس الاجتماعية الحميمة الناتجة عن تصوير الفكرة سينمائيًا، ومعالجتها عبر المشاهد المحبوكة في رؤيتها الفنية. فهل فعلاً صدق المثل الصيني الذي يعبر عن أن الصورة الواحدة تعادل عشرة آلاف كلمة؟ أم أن "عبدالرحمن" استطاع إبراز أهمية الصداقة بين الغرب والشرق أو بين الإنسان والإنسان من خلال إنسانيته التي هي الأهم في الحياة؟

برؤية أخرى يعد فيلم "عبدالرحمن" للمخرج إلياس سافاكي تجربة سينمائية مميزة تتناول مواضيع إنسانية عميقة من خلال سرد بصري يدمج بين الواقعية والعواطف. الفيلم يسلط الضوء على مرحلة الشيخوخة وتأثير الزمن على العلاقات الإنسانية، مما يجعله يستحق التحليل من عدة زوايا: درامية، فنية، جمالية، وتمثيلية.

تدور أحداث الفيلم حول شخصية "عبدالرحمن"، مصمم الأزياء الذي بلغ سن التقاعد، وهو يتذكر علاقاته القديمة مع صديقه العربي الذي يعيد له ذكريات الطفولة. القصة تمتاز بتطور درامي يلامس قلوب المشاهدين، حيث يتحول الحنين إلى فعل إيجابي يتحدى الروتين اليومي وضغوط الحياة. الصراع الدرامي هنا ليس فقط بين الشخصيات، بل أيضًا داخلي داخل "عبدالرحمن" نفسه، مما يخلق تأثيرًا قويًا على المتلقي.

يتميز الفيلم باستخدامه تقنيات تصويرية بارعة، حيث يتنقل بين مشاهد الماضي والحاضر بأسلوب سلس يعكس العفوية والحنين. الإضاءة، واستخدام الظلال، ومشاهد الطبيعة تمثل الحالة النفسية للشخصيات، وتساهم في خلق جو يتناغم مع الأحداث. الموسيقى التصويرية لإليكسي أسدوريان تعزز من المشاعر، فتأخذنا في رحلة عبر الزمن.

أداء الممثلين، وخاصة من قبل شخصية "عبدالرحمن"، يعكس براعة فنية. تعابير الوجه، وحركات الجسم، وحتى نبرات الصوت، تنقل المشاعر بشكل متقن، مما يجعل المشاهد يشعر بالتعاطف مع الشخصية. تلك اللحظات التي يلتقي فيها مع صديقه تعكس الود والشوق، مما يجعل المشاهد يعيش التجربة معهم.

تعبيرات الشخصيات تلعب دورًا حيويًا في نقل المشاعر. المشاهد العاطفية، سواء كانت حزينة أو مفرحة، تظهر بشكل واضح من خلال تفاصيل دقيقة مثل نظرة العين أو ابتسامة خفيفة. استخدام اللقطات القريبة يعزز من تأثير التعبير الجسدي ويعمق من فهم المشاهد للشخصيات.

إلياس سافاكي يبرع في استخدام الزوايا والكادرات لإيصال الرسائل العميقة. إذ تساهم الزوايا العلوية والسفلية في تعزيز الصراعات الداخلية للشخصيات، بينما المشاهد الواسعة تعطي إحساسًا بالوحدة أو الضياع. أسلوب الإخراج يتسم بالتوازن بين الحركة السلسة والكادرات الثابتة، مما يسمح للمشاهد بالتفاعل مع الأحداث بشكل أعمق.

فيلم "عبدالرحمن" هو تجربة سينمائية غنية من حيث المحتوى والشكل. تساهم العناصر الدرامية والفنية والجمالية والتمثيلية في خلق عمل متكامل ينقل المشاهد إلى عالم مليء بالحنين والتأمل في قيمة الصداقة والعلاقات الإنسانية. من خلال رؤيته الإخراجية المميزة، يتمكن سافاكي من تقديم عمل سينمائي يحمل في طياته رسائل عميقة عن الزمن والإنسانية.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com