الميلودراما البصرية الدقيقة الملاحظة والأبعاد الفكرية والفنية

ضحى عبدالرؤوف المل

تتمحور أعمال الفنان المصري "محسن أبو العزم" على الأنماط الإنسانية التي تعتمد على الميلودراما البصرية الدقيقة الملاحظة والأبعاد الفكرية والفنية، وبعمق نقدي اجتماعي ذي أبعاد تحليلية نفسية تتيح للمعنى بالظهور تلقائيًا أمام المتلقي. إذ يهتم الفنان "محسن أبو العزم" بالمضمون والشكل والإطار الاجتماعي التصويري للمشهد الذي يرسمه بتخيلات واقعية استنبطها من الحدث اللحظي الذي نعايشه اجتماعيًا. إلا أنه يعتمد على مضمون الشخصية التي يرسمها، لنقرأ ملامحها الداخلية من الخارج، بأسلوب فني لا يخلو من سخرية هادفة لا تقلل من قيمة الإنسان، إنما تثير ضحكة مؤلمة مبطنة تنتمي إلى فن ميلودرامي مرتبط بقصص قصيرة تنتمي إلى الحياة الاجتماعية بكل تفاصيلها التي يستمتع بها البصر والفكر معًا. لنكتشف سلبيات متعددة قد لا نراها إلا في العمق الفني التشكيلي الهادف إلى محاكاة الحياة بالواقع الاجتماعي المأخوذ منها، فالتغيرات بالحجم والشكل والمساحات المكتظة والألوان الباردة والحارة تكشف عن كثافة رمزية ذات تعبير بيئي يهتم بقضايا الإنسان.

لغة فنية تصويرية تهتم بالأنماط الشعبية التي تحيا دون خط الفقر لتشكل القالب الأساسي للمشهد، ولشخوص يضعهم ضمن مسافات ذات محاور تخاطبية تضج بالحركة المثيرة للبصر، والتي تستفز بعناصرها الفنية ومفرداتها المتنوعة ما بين المبالغة البناءة المقروءة الملامح، وما بين النقد والوصف السردي بالألوان، والمعاني الحركية المؤدية إلى جمالية في بناء اللوحة ومحاكاتها لأي موضوع يطرحه الفنان "محسن أبو العزم" ضمن فنه المؤدي إلى التفاعل التعبيري المزدوج بين اللوحة والمتأمل لها، وكأن المتلقي أمام مشهد مفتوح مكتمل المعاني على مسرح تشكيلي مؤلف من لون، وخط، وظل، ونور، ومسافات، وتسطيحات، وحركة ذات اختلافات ما بين القريب والبعيد، وما بين الأحجام صغير وكبير ليعتمد على التضاد المفاهيمي الملامس لمواقف حياتية تثيرها شخوصها المضحكة، وألوانه العابقة بالواقع وبفلكلورية شعبية ينقلها إلى لوحة مفتوحة بملودراميتها نحو عدة تأويلات فنية.

سرد تشكيلي واقعي شعبي يهيمن على لغة الفنان "محسن أبو العزم" وعلى رمزية ضحكة كاريكاتورية هي وجع يجسد معايشات لامستها ريشته ضمن الأحياء المصرية المكتظة والكثيفة بشخوصها. لكنها في الوقت نفسه تمثل التنافر والتجاذب، والاختلاط المرتبط بحميمية شعب اعتاد على العيش ضمن مفارقات ذهنية هي قصص متنوعة ضمن مشاهد اختلفت أماكنها وأزمنتها. إلا أنها احتفظت بملامح شخوصها، وكأنهم أبطال يتناقلهم الزمن تباعًا. لنراهم في لوحات تثري الخيال وتؤلف بخطوطها وأشكالها مواضيع مختلفة منها ما هو للمرأة ومنها ما هو للأسرة ومنها ما هو للرجل والطفل وما إلى ذلك. إلا أن من يرى يتفكر، لأنه لم يقصد المباشرة في إيضاح المفهوم، إنما اعتمد على الفكرة في إبراز فنية ريشته وقدرتها على التصوير المغاير بمعنى رسم الملامح الداخلية قبل الخارجية، وبأسلوب ممتع بصريًا وبوعي تقني تخيلي يعيدنا إلى فن القديم الجديد بكل الوجوه التقليدية، والمعاصرة من حيث قوة المحاكاة الشعبية من خلال الفن التشكيلي.

يبحث الفنان "محسن أبو العزم" عن الإبهار في الشكل واللون، كقوتين أساسيتين لجذب الفكر والبصر معًا مبتعدًا بذلك عن جفاف المواضيع الاجتماعية التي يثيرها للمتلقي، ليضعه أمام الحقائق التي يصعب رؤية عمقها بالعين المجردة، فما بين امرأة تضحك لمشهد على تلفاز ومتلقي يضحك لمشهد امرأة تسكب الشاي على صينية ترابط بصري دقيق الملاحظة. إلا أن عمق اللوحة هو في جزئياتها الجانبية أي بالصورة بشكل عام، وما تحتويه من تعبير عن سوء حال يثير الشفقة بل والبكاء على حالنا الاجتماعية التي تزداد يومًا بعد يوم.

شخوص فنية لونها بتضاد حار وبارد، وبتدرجات طبيعية تثير إشكالية تتأرجح بمعناها العام بين ما هو تصويري وكاريكاتوري، وبين ما هو متقن بالشكل واللون والخط من حيث مرونة الصورة المفتوحة على مشاهد مبطنة ومضمون موضوعي متحرك تشكيليًا. إذا تحاكي الصورة زمنية المكان وعبثية الوجود الإنساني بل وعشوائيته في الحياة وبمنولوجات وظفها تشكيليًا لتخدم حيوية الحركة واللون معًا. إذ تبدو الأحداث منطقية مع إبراز الملامح المبالغ فيها من حيث إظهار المعنى، وهيمنة الوصف التصويري المتطابق مع الواقع والسينوغرافيا المتأثرة بجوانب الحياة التفصيلية ومستلزماتها الفنية التي أظهرها "محسن أبو العزم" بأسلوب خيالي خصب ذي إيضاحات حركية تتخذ من الواقع البعد الثقافي والاجتماعي والفني، والجمالي، وضمن مستويات مقروءة بصريًا بسلاسة ذهنية لا صعوبة فيها. إنما تتجلى النسق المضمونية كأننا أمام مسرح شعبي يستند على تكامل الألوان وأضدادها، وعلى الأشكال التصويرية والبعد الأدائي والمرئي والخطاب التشكيلي المنسجم مع الموضوع.

مساحات مفتوحة الفضاءات بكل معانيها وتجلياتها التصويرية حيث تتجاوز مفاهيم الجمال بمعناه العام نحو الجمال بمعناه الخاص، أي اعتماد البعد التكويني للشخصية، وأسسها الجمالية من منظور مسرحي، ورؤية ديناميكية تحررت من قيود الفن التشكيلي، ومنحت اللوحة فنًا إخراجيًا تشكيليًا ينصهر مع العناصر التشكيلية وفضاءاتها الواسعة ذات الأطر الاجتماعية المتلائمة مع بعضها البعض. إذ إن الربط بين ما هو متخيل وما هو واقعي يؤدي إلى خلق انسجامات حسية تتعلق بمصداقية الرؤية الاجتماعية والقدرة على تصويرها بفن جمالي هادف ثقافيًا.

برؤية أخرى تتسم الأعمال الفنية التي تتناول موضوعات إنسانية واجتماعية بإيقاع بصري متنوع، حيث يتحرك الشكل واللون بسلاسة ضمن تداخلات تعكس الحركات اليومية لشخصياتها. يسهم هذا الإيقاع في خلق تجربة بصرية غنية، تجعل المشاهد يشعر وكأنه جزء من المشهد، مما يعزز التأثير النفسي للعمل.

تكشف الأعمال عن أعماق الشخصيات وتفاعلاتها، حيث تعكس تعبيرات الوجوه وحركات الأجساد حالات شعورية متعددة: من الفرح إلى الألم، ومن السخرية إلى التراجيديا. يعكس الفنان الصراعات الداخلية للشخصيات من خلال أسلوب كاريكاتوري، حيث تُبالغ ملامح الوجوه لتعبر عن مشاعر مركبة وتحديات الحياة اليومية.

يتمتع العمل بالتنوع في التقنيات والأساليب، حيث يدمج الفنان بين الأشكال المجردة والتفاصيل الواقعية. تتداخل الألوان الباردة والحارة لتشكل تباينات تعزز الإيقاع البصري، ما يجعل كل جزء من العمل يتحرك بتناغم مع العناصر الأخرى، كأنها تؤدي رقصتها الخاصة.

الجمالية التعبيرية هنا لا تقتصر على الأشكال فقط، بل تمتد إلى استخدام الألوان والخطوط. تمثل الألوان المتضادة تجارب الحياة، حيث تعكس الألوان الحارة المشاعر القوية، بينما تعبر الألوان الباردة عن الفترات الهادئة أو الحزينة. هذا التباين يخلق إحساسًا ديناميكيًا يجذب العين ويدعوها لاستكشاف تفاصيل جديدة.

الكاريكاتورية تلعب دورًا محوريًا في توصيل الرسائل الاجتماعية والنقدية. من خلال المبالغة في تصوير الشخصيات، يقدم الفنان تعبيرًا عن الواقع بشكل غير مباشر، مما يمكّن المتلقي من استيعاب الأفكار بعمق أكبر. هذا الأسلوب يسهم في جعل المشاهد يتفاعل مع العمل على مستويات متعددة، فالعرض المبالغ فيه يحمل الكثير من الدلالات الرمزية التي تتطلب التأمل.

الإيقاع البصري هنا يتجلى في تنقل العين بين عناصر اللوحة. تتميز التكوينات بحركتها المتوازنة، مما يخلق شعورًا بالتدفق والتسلسل. يمكّن هذا الإيقاع المشاهد من التنقل بحرية بين الأشكال، مما يسهم في تعزيز التجربة البصرية. من خلال هذه الحركة، يتحقق تواصل قوي بين العمل والفرد، مما يعزز انغماسه في الرسالة التي يحملها الفنان.

بناءً على ما سبق، يتضح أن العمل الفني يمزج بين الجوانب النفسية والفنية والجمالية، معززة بإيقاع بصري يحفز التفكير والتفاعل. هذا النهج المتكامل يساهم في جعل العمل ليس مجرد قطعة فنية، بل تجربة حية تعكس تعقيدات الحياة الإنسانية وتجاربها المتنوعة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com