التكافؤ الفني المعاصر المؤثر سينمائيًا على جماليات النص الدرامي
فيلم الخطوات الساخنة (Step Up Revolution) والمخرج "سكوت سبير" (Scott Speer)
ضحى عبد الرؤوف المل - بيروت - لبنان
"عندما تكبر في مدينة كبيرة مثل "ميامي"، من السهل أن تشعر بمدى صغرك. خلف ناطحات السحاب وأشجار النخيل يوجد الحي الذي أقطن فيه على بعد عدة أميال من الشاطئ الجنوبي، ولكنها بعيدة عالميًا. وعندما تكبر في مكان كهذا، تتعلم بسرعة أنه يجب عليك أن تتكلم بصوت أعلى من الآخرين إذا كنت تريد أن يسمعوك. لأن الحقيقة هي أن كل شخص لديه صوت، وفي بعض الأحيان عليك الصراخ لتقاتل من أجل ما تريد." ولكن لغة القتال هنا هي لغة مجازية، وتعني كافة الطرق الإنسانية الفنية التي تساعدك في تحقيق ما تريد، بل والإصرار على تحقيق ما تريد بمنطق العقل والإنسان المحب للجمال.
يحاول "ريان جوزمان" (Ryan Guzman) أو "شين" ترأس فرقة راقصة كعصابة تهدف إلى لفت الأنظار نحوها. لتكسب فنياً عددًا أكبر من الجمهور من خلال إثارة دهشة المتلقي مع الغموض الذي يلف أعضاء هذه الفرقة المجهولة. إذ تبدأ بالرقص فجأة، ومن ثم تختفي تاركة علامة فنية ذات معنى هادف، تتعلق بالرسم أيضًا وفن الشوارع أو التركيب الفني الإبداعي الذي يلخص الحدث برمز جمالي وفنية احترافية. إلا أن "شين" يتعرف على "إيميلي" أو "كاثرين ماكورميك" (Kathryn McCormick) التي قصدت ميامي لتحترف الرقص وتنجح فيه. لكن معارضة والدها، رجل الأعمال الذي يعمل عنده "شين"، تجعلها تدخل مع عصابة الفن المحترف لترقص معهم وتواجه والدها برقصها واحترافها. وفيما بعد، تمنع مع "شين" خطط والدها التجارية والاستثمارية التي تهدد الحي الذي يسكنه "شين" بالإزالة. لتبدأ المفارقات من خلال خلق ثورة رافضة لخطط التنمية هذه من خلال الرقص كلغة تعبيرية تؤدي دورها إنسانيًا، لتساعد في عدم تهجير أبناء هذا الحي.
استطاع المؤلف "داوني أدلر" (Duane Adler) كتابة نص درامي رومانسي بالتوافق مع "جيني ماير" (Jenny Mayer) و"أماندا برودي" (Amanda Broudi)، لمنح السيناريو والحوار ميزة دينامية بسيطة زادت الفيلم الاستعراضي جمالية رومانسية دافئة مترابطة مع التأليف والإخراج، ومكونات الفيلم الفنية الأخرى، مع الاحتفاظ بقيمة النص كموضوع إنساني يهدف إلى نبذ الرأسمالية، والسلطة الجافة، الخالية من العواطف والانفعالات والحب. فالهدف من ذلك هو الحفاظ على قيمة الإنسان القادر على مجابهة هذه الأمور بالفن بمختلف وجوهه التعبيرية والجمالية، وخلق حركة مغايرة لمجابهة الظلم الناتج عن قوة المال، والاهتمام بالتجارات والصناعات دون التفكير بالإنسان أولاً. ومن ثم بخلق ثورة لتحقيق ما نريد، ولكن ثورة جمالية خلافًا لما نعرفه من أمور سيئة عن الثورات التي تبدأ برفض كل شيء من حولنا. فهذه الثورة الاستعراضية هي لتحقيق ما يريده أعضاء الفريق، وهو تحقيق الذات والارتقاء بها فنياً نحو إثارة الجمهور فنياً، وبقدرات تقنية خارقة تحتاج لمهارات وتدريب متواصل برغم فقر أعضاء الفريق مادياً. إلا أن الترابط بينهم شديد الصلة ببعضهم البعض من حيث التكوين الفني والإنساني.
بدأت الاستعراضات الفنية كأنها غوغائية تنشر الفوضى، وانتهت بجمالية جدلية، حيث كان البعض من مؤيديها والبعض من رافضيها. إلا أن الاستعراض الأول في ميامي، فلوريدا، كان في الشارع، ليتوقف السير فجأة بطريقة غوغائية، وتبين فيما بعد أن السيارات أوقفت محركاتها مما تسبب بقطع الشوارع، ويخرج أعضاء عصابة الفن إلى الرقص على السيارات مع الموسيقى الصاخبة التي تهتم بها (DJ) "بينيلوب" (كليوباترا كولمان) بالتحضير لها موسيقيًا. أما الاستعراض الثاني في المتحف الفني، فقد كان بداية لانطلاقة أخرى هي من أجمل المشاهد في الفيلم على الإطلاق، حيث تدرجت الفرقة بالأداء مع توازن الكوريغرافيا بصريًا، لتجمع بين الفن التشكيلي والفن الأدائي الراقص، حيث تبدأ الرقصة الثانية بالخروج من لوحات الفن التشكيلي والمنحوتات، ليستمتع الحضور بالعرض حتى النهاية، حيث يترك الفريق رمزًا لحضورهم ويمنح المعرض لغة فنية اجتمعت مع المفهوم الفني بشكل عام.
في الاستعراض الثالث، استنكارات للسلطة المالية والشركات التجارية ولرجال الأعمال داخل شركة والد إيميلي، وضمن كوريغرافيا مدروسة جدًا من حيث التعبير والأداء والمعنى، والانسجام السمعي والبصري. ليستنكروا بأسلوب حضاري الاتفاقية التجارية التي يجريها والد إيميلي، حيث تترك الرقصة أثرًا في نفوس المجتمعين من حيث معنى الاستنكار والرفض لهذا العالم الخالي من المشاعر الإنسانية والجمالية. ليحمل الاستعراض الرابع رومانسية من نوع آخر تحاكي من خلالها الفرقة الذات، باعتبارها فرقة راقصة تهتم لنشر الجمال فقط بعيدًا عن أي هدف آخر، ولكن هذا لا يدوم في الفيلم. ليكون الاستعراض الأخير هو الصراع بمعناه الإنساني الباحث عن الوجود بقوة العقل والفن، ليمثل الاستعراض مفهومًا بصريًا يحث المشاهد على الاستمتاع بالمشاهد مع القصة الرومانسية لحبيبين اخترقا الخطوط الدرامية للفيلم، كما الاستعراضات التي صممها كوريغرافيا "جمال سمس" (Jamal Sims) ببناء حركي ميكانيكي سلس بصريًا، تدرج بقيمته الفنية في مراحله الأولى والأخيرة، محاكياً بشعبية رياضية الشباب المعاصر.
الإصرار على متابعة الاستعراضات نشأ من الإصرار على تحقيق الذات، ومن ثم على المواجهة الهادفة والبناءة. حينها يكون الربح والخسارة وجهين لعملة واحدة هي الإنسان والفن والجمال. فهل استطاع فريق فيلم الخطوات الساخنة أو (Step Up Revolution) خلق معادلة فنية زمنية شبيهة بتلك التي أوجدها جان ترافولتا؟ أم أن هذا العصر برؤاه التقنية والفنية والحداثة الرقمية استطاع خلق ثورة فنية تجمع الفنون كلها في بوتقة واحدة تحمل شعلتها جيل شباب يستمتع بموسيقاه الخاصة وأسلوبي الثوري المبني على الإصرار للوصول إلى ما يريد، ولكن بلغة الجمال، لا بلغة القتل والضعف الإنساني غير القادر على المواجهة بمنطق الإنسان واحترام الآخر؟
لم يهدف الفيلم إلى الاستعراض فقط، بل حمل مفهومًا أدبيًا جماليًا بالإضافة إلى تحفيز ذهن المشاهد بالسمع والبصر، والتفكر بالمضمون لخلق مقارنات بدأت بحاسة السمع وموسيقى "أرون زيجمان" (Aaron Zigman) الحافلة حسياً بإيقاعات ونغمات تحاكي طموح الشباب والحدث ومؤثراته والثورة الفنية بتقنياتها العصرية المحملة بقيمة الجمال والحياة، مع المحافظة على الصخب وروح الشباب التي يحتاجها المشاهد لتحاكيه بمقدرتها الموسيقية، لتثير حواسه ويتنشط ذهنه للمتابعة بتذوق يكتمل مع البصر، وضمن تصوير "كارستين جويناث" والشغف في التقاط التعبيرات الجسدية والملامح عن الوجوه بالتقارب والتباعد تبعًا للجملة الموسيقية أو التمثيلية، مع الحفاظ على إشراقة التصوير الخارجي والتوازن الضوئي في التصوير الداخلي ونشوته البصرية المريحة لعين المشاهد.
برؤية أخرى فيلم "الخطوات الساخنة" هو عمل سينمائي يجمع بين الدراما والرومانسية والاستعراضات الراقصة. أخرجه "سكوت سبير" ويُعتبر من الأعمال التي تبرز جماليات الفن الحركي والموسيقي. يتناول الفيلم قضايا إنسانية مهمة، مثل مقاومة التغيير القسري الذي يهدد الأحياء الشعبية، مع التأكيد على دور الفن كوسيلة للتعبير والمقاومة.
تجلى الإخراج في قدرة "سكوت سبير" على خلق أجواء نابضة بالحياة تنقل المشاهد إلى شوارع ميامي. استخدم المخرج تقنيات تصوير ديناميكية، حيث كانت الكاميرا تتحرك بسلاسة مع حركات الراقصين، مما أضفى طابعًا حيويًا على الاستعراضات. الإضاءة كانت مدروسة بعناية، حيث تسلط الضوء على الألوان الزاهية في الرقصات، مما يعكس الطاقة والشغف.
نص الفيلم، الذي كتبه "داوني أدلر" بالتعاون مع "جيني ماير" و"أماندا برودي"، يحمل قيمة إنسانية عميقة. يتطرق الحوار إلى صراعات الشخصيات الداخلية، خاصةً حول قضايا الهوية والتحديات التي تواجهها في سبيل تحقيق أحلامها. المشاهد تجمع بين الرومانسية والتوتر، مما يمنح النص بعدًا دراميًا غنيًا. تُستخدم العبارات بشكل فني يعكس تطور العلاقات بين الشخصيات.
الفيلم يُعتبر لوحة فنية متحركة، حيث تكمن جماليته في الاستعراضات الراقصة التي لا تعبر فقط عن الفرح، بل تحمل أيضًا رسالة اجتماعية. الرقص يُستخدم كلغة تعبيرية قوية، حيث يتمكن الأعضاء من إيصال مشاعرهم وأفكارهم بطريقة بصرية ساحرة. كل استعراض يقدم تجربة فنية متكاملة تجمع بين الحركة، الموسيقى، والفن التشكيلي، مما يخلق تناغمًا بين العناصر المختلفة.
تتناول القصة صراعًا اجتماعيًا بين القيم التقليدية ومتطلبات الحداثة. يُظهر الفيلم كيف يمكن للفن أن يكون وسيلة للتغيير والتمرد على الأنظمة القاسية. من خلال شخصية "شين" و"إيميلي"، نجد دعوة للاستمرار في الكفاح من أجل الأحلام، رغم الصعوبات. النهاية المفتوحة تعكس التفاؤل بإمكانية التغيير، مما يجعل الرسالة أكثر تأثيرًا.
فيلم "الخطوات الساخنة" هو تجربة فنية متكاملة تقدم رؤية مميزة حول قوة الفن في مقاومة الظلم والتعبير عن الهوية. من خلال الإخراج المتميز والنص العميق، يتمكن الفيلم من ترك انطباع قوي لدى المشاهدين، داعيًا إياهم للتفكير في دور الفن في حياتهم.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com