الحرب وعدسة فوتوغرافية

جزء من الثانية في حياة إنسان في فيلم (Film One Hundredth of a Second)

ضحى عبدالرؤوف المل – بيروت - لبنان

هل تختلف النظرة الفوتوغرافية في عين مراسل الحرب عن نظرة الإنسان العادي؟ أم إن المصور الفوتوغرافي في الحروب ينتزع إنسانيته، محافظًا على العدسة وقدرتها في تجسيد الرؤية مهما كان نوع المضمون الذي تلتقطه، ليحصل بذلك على صورة تحاكي العالم كله؟ سؤال يطرحه المشاهد لفيلم (One Hundredth of a Second). أين تكمن الإنسانية، في اللحظة الحاسمة أم في الذاكرة المتوجعة فيما بعد؟

يخاطر المصور الصحفي في الحروب بحياته من أجل الحصول على صورة واقعية تهز العالم بقوة تفاصيلها الحقيقية المأخوذة من أرض المعركة مباشرة، أو تهز بقوتها الرأي العام. وهذا يحتاج أيضًا لخبرة في ملاحقة الحدث ثانية بثانية لالتقاط فوتوغرافي ماهر يؤدي إلى الحصول على الخبر البصري الأكثر مصداقية في الحروب الدامية أو المؤلمة للإنسان. وهذا ما رأيناه في الفيلم، فالمصورة الفوتوغرافية تابعت الفتاة وهي تركض هاربة من الرصاص في شارع امتلأ بالموت. إلا أن القدر يضعها وجهًا لوجه أمام المقاتل الذي أشهر في وجهها بارودته الحربية ليأخذ منها حقيبتها، والخوف قد أرعب الاثنين: القاتل والمقتول. لكنها، بنظرة واحدة، ترى عدسة "كيت"، وبجزء من ثانية تحاور العين العدسة، لكن "كيت" لا تترك عدستها، فهي أولًا وأخيرًا فوتوغرافية تبحث عن هذه اللحظة التي تلتقط بها صورة تهز العالم.

جزء من ثانية نلتقط فيها صورة واحدة تستطيع تغيير حياة إنسان وبوجهين مختلفين، فالطفلة ماتت بعد أن قتلها الرجل برصاصة في جبينها، و"كيت" حملت الندم طيلة حياتها. فما أرشفته ذاكرتها أقوى مما أرشفته صورة فوتوغرافية واقعية استطاعت تغيير حياتها إلى الأبد. فالمراسل الصحفي الفوتوغرافي حين يحمل عدسته تكون هي فقط الجزء المهم لمراسل الحرب. أما هو، فالأداة التي تؤثر وتتأثر وتحمل أوزار رؤية تعشش في ذاكرته بكل تفاصيلها الإجرامية والمؤذية، ولكنه يحمل إنسانيته معه أيضًا.

إما أن تبقى في الصورة الواقعية التي التقطها أو في عدسته التي هي العين الأهم حينها، وكم من مراسل صحفي فوتوغرافي فقد حياته أيضًا من أجل تحقيق نقل صورة بكل مصداقيتها الواقعية. الفكرة الأساسية للفيلم هي الحرب وجرأتها وقوتها وشراستها المتوازية مع العدسة وقوتها وجرأتها وشراستها أيضًا. فحرب الصورة الإعلامية الباردة لا تقل أهمية عن الحرب الحامية بكل نيرانها. فهل يبحثون عن بعضهم البعض في الحياة أم إنهم يقاتلون جنبًا إلى جنب: الحرب وعدسة فوتوغرافية لمراسل صحفي؟

إن أقصى الجرائم التي تحدث في الحرب هي تلك التي لا نراها، وتبقى غامضة، ولا يشهد عليها إلا من مات دون أن تلامسه عين الحقيقة التي يبكي عليها التاريخ ويشهد عليها الزمن فقط. وهي نتاج لانتهاكات حقوق الإنسان عند مجرمي الحرب بمختلف انتماءاتهم العسكرية والقتالية. لكن ما الذي يحاول إثباته مراسل الحرب الصحفي: ذاتيته أم موضوعية الحرب أم شجاعته أمام الإرهاب ولغة القتل من خلال التصوير الفوتوغرافي؟ أم القتال كالجندي فقط، وذلك ببارودته العسكرية وهو بعدسته الفوتوغرافية التي قد تغير وجه الحرب بقوتها؟

شخص بلا روح وعدسة بلا حياة وأرشفة واقعية مؤلمة تضئ على مجرمي الحروب بكل أنواعهم. فاللحظة الحاسمة في الفيلم ذات نقاط مختلفة: النقطة الأولى متابعة الفتاة دون تقديم المساعدة لها، والنقطة الثانية قتل المقاتل للفتاة الصغيرة بدم بارد دون الاكتراث بخوفها وتجردها من السلاح، والنقطة الثالثة اختيار الصورة التي نشاهد فيها الفتاة البريئة مقتولة برصاصة في جبينها، وقد تدحرج أمامها ما كانت تحمله، والنقطة الرابعة تصفيق الجمهور الحار لفوز هذه الصورة بالجائزة الذهبية.

فكم مرة قتلت بطلة الفيلم، التي هي أداة تصويرية وموضوع تدور حوله سردية الفيلم القصير في دقائقه الخمس وثوانيه العشرين، الذي يبدأ مع امرأة شاردة الذهن تقف أمام المرآة لتتزين وتضع المكياج ببرودة نفسية، وحزن يرتسم في الوجه تلامسه ريشة المكياج. لتضع ظلال العيون بمكياج يناسب الوجه الشاحب والعيون التي تكاد تبكي مع موسيقى هادئة تتناسب مع المشهد، ولا تلغي صوت المشط وقوته التي توحي بالغضب الداخلي لمصورة فوتوغرافية لم تنس مشاهد الحرب التي التقطتها عدستها حيث تسترجع ذاكرتها شريط الموت كاملاً.

فالمشاهد هنا هي من أرض المعركة، والموسيقى التعبيرية تمنح بفواصلها المشاهد القوية حيث تسترجع الحادثة المأساوية في ذاكرتها، وهي تستعد لحضور حفل تسليم جائزة أحسن صورة لمراسلي الحرب. فالعين الإنسانية تطغى على عين العدسة، وهذا ما لم تفعله المراسلة إذ اهتمت بالعدسة وبالتقاط الصورة دون الاهتمام بمساعدة الفتاة الصغيرة التي تركت لعينها لغة استرحام لم تشفع لها العدسة بها أو القاتل المأجور. وبهذا تكون قد شاركت في قتلها بطريقة غير مباشرة لأنها لم تقدم لها يد المساعدة، إنما أكملت تصويرها لها وهي تموت أمام العدسة.

أفضل صورة لهذا العام "New Photographer of the Year" هي صورة الموت حيث نشاهد الصورة الفوتوغرافية الناجحة على المسرح وبتصفيق حار لمشهد موت حي تأرشف بجزء من لحظة حياة مضت وأصبحت من التاريخ. فهل هذا يتنافى مع الإنسانية وخصوصية الموتى التي تستبيحها العدسة أم مصداقية الخبر المرئي وقوته التعبيرية؟ هذا ما يثيره الفيلم عبر محاكاته الحدث المباشر من الحرب مع مؤثراته على المجتمع الباحث عن مصداقية الصورة وجمالياتها ومعانيها المضمونية مهما اختلفت بمبادئها عن إنسانية الإنسان أولًا وآخرًا.

صرخة إنسانية موجوعة بموسيقاها المبكية. بل! والنازفة كجرح سمعي أوحي له المخرج عند بداية الفيلم حيث وضع عين الكاميرا التصويرية على أذنها، ومن ثم العين ليؤكد على قيمة السمع والبصر في ترسيخ الحدث في الذاكرة، وهذا يعاكس العدسة الآلية عن الإنسان كقيمة بشرية مما تركها تبكي أمام الصورة التي التقطتها، وهي تعرض على المسرح وأمام الجمهور. فهي امرأة شجاعة لتحمل كاميرتها كمراسلة حرب، لكنها أنانية في تتبع الخبر الصحفي كونها حافظت على مهنتها التصويرية عند التقاطها الصورة للفتاة الصغيرة دون أن تتأثر عاطفياً بهذه المأساة في لحظتها الساخنة، برغم أنها استنجدت بها بصمت كي لا يقتلها الإرهابي. ورغم هذا لم تقدم لها النجدة أو أي مساعدة لتمنع قتلها برصاصة أو بعدسة خالية من أي إنسانية.

برؤية أخرى فيلم "جزء من الثانية" يستعرض التوتر العاطفي والمعنوي الذي يعيشه مصور الحرب، حيث تنحصر القصة حول اللحظات الحاسمة التي تصنع الفارق بين الحياة والموت. يتمحور الفيلم حول علاقة المصور بالواقع المرير الذي يلتقطه، ما يجعل من الفيلم تأملًا في الطبيعة الإنسانية وصراع القيم. الدراما في الفيلم تتجلى في الصراع الداخلي للمصورة "كيت". هي عالقة بين التزامها المهني ورغبتها في إنقاذ حياة إنسان. هذا الصراع يتصاعد حين تواجه الفتاة الصغيرة، مما يبرز التوتر بين الحاجة لتوثيق اللحظة ومخاطر الفشل في إنقاذ الأرواح. تتجلى هذه المشاعر من خلال لقطات قريبة تركز على تعابير وجه "كيت"، مما يعكس عمق معاناتها.

من الناحية الفنية، الفيلم يستخدم التصوير الدقيق لخلق جو من الواقعية. الإضاءة والظل يلعبان دورًا أساسيًا في نقل الشعور بالقلق والخوف. كما أن التلاعب بالموسيقى التصويرية يعزز الأجواء، حيث تستخدم نغمات حزينة لترافق المشاهد المؤلمة، مما يعكس الصراع الدائم بين الإنسانية والمهارة الصحفية. التعبير الفني في الفيلم يتسم بالقوة. تستخدم العدسة لتوثيق اللحظات الحاسمة بأسلوب عميق، حيث يبرز استخدام زوايا الكاميرا المختلفة تأثيرات اللحظة. العدسة تصبح شخصية في حد ذاتها، تعكس مشاعر المراسل وعواطفه، مما يضيف بعدًا إنسانيًا للقصة.

فيلم "جزء من الثانية" يقترب من الأسلوب الوثائقي، حيث يستند إلى أحداث واقعية ويعكس الأبعاد النفسية والاجتماعية للحرب. هذه الوثائقية تدعو المشاهد للتفكير في المعاناة الإنسانية من خلال عدسة مصور الحرب، مما يخلق حوارًا عميقًا حول دور الإعلام في نقل الحقيقة. الإخراج في الفيلم يتسم بالبراعة. استخدام اللقطات الطويلة واللقطات القريبة يُظهر تفاصيل دقيقة للحالة النفسية للشخصيات، مما يعزز من تأثير القصة. كما أن التقطيع بين المشاهد السريعة والبطيئة يخلق ديناميكية تشد انتباه المشاهد، حيث يتنقل بين لحظات الفرح والحزن بطريقة تجذب الانتباه.

فيلم "جزء من الثانية" هو تجربة فنية تعكس تعقيدات الحرب وتأثيرها على الأفراد، من خلال تقديم رؤية جمالية وصادقة لما يحدث خلف عدسة المصور. إنه يسلط الضوء على أهمية الإنسانية في خضم الفوضى، مما يجعله تجربة مؤثرة وملهمة تستحق المشاهدة والتأمل.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com