لغة فوتوغرافية تؤنسن الإنسان وترفع من قيمته الواقعية.

ضحى عبدالرؤوف المل

تجمع الفنانة الأمريكية "تارين سيمون" (Taryn Simon) بين الرؤية والشكل لتستكشف الغموض الباطني للصورة الفوتوغرافية، وعمقها النفسي التحليلي الذي يعتمد على تفاصيل تضعها أمام مقارنات خاصة لا تنتمي لأزمنة حاضرة، إنما هي من الماضي. وبمثابة تحقيق، تبرز من خلاله أهمية الصورة الفوتوغرافية وتوليفاتها المتحررة من التصاميم المسبقة، والمقيدة فنيًا ضمن أنظمة الضوء، والظل، والمساحة، وما إلى ذلك. إلا أنها حافظت على التوازن والأطر، معتمدة على لغة فوتوغرافية تؤنسن الإنسان وترفع من قيمته الواقعية المؤرشفة لحدث ما، وتترجم كل فعل تلتقطه الصورة، وتحوله إلى لغة بصرية مفتوحة إلى عدة ترجمات نحو نص مرئي يتكون من مجموعة مصطلحات فوتوغرافية.

تنطلق الفنانة "تارين سيمون" في اختيارات مواضيع تصويراتها الفوتوغرافية من معايير إنسانية، وميزة فنية تجمعهما ضمن نص فوتوغرافي يحاكي شخصيات متعددة ذات رؤى تعكس بصدق الواقع والمشاعر المرافقة، لبيئة الصورة ولحظتها الزمنية، دون أن تغفل في بعض الأحيان عن المكان وأهميته من حيث السينوغرافيا أو الخلفية المحاكية لبيئة أرادت تصويرها بشكل غير مباشر، ولكن ضمن نص بصري يحمل معايير موضوعية لا تنتمي للذات الفوتوغرافية، إنما لاختيارات تطرحها بفن تختلط فيه الأجناس الفوتوغرافية من حيث الموضوع، والصورة، والرؤى المتوازنة التي تخدم الموضوع الإنساني بكل تفاصيله الاجتماعية والأطر الفنية المتلائمة مع تنويعاتها التصويرية وانتماءاتها الفكرية ذات الدوافع الإنسانية.

تمنح الفنانة "تارين سيمون" المضمون الفوتوغرافي قوة موضوعية بتصويراتها الواقعية للأشخاص، وانسجامهم مع العدسة. إن من ناحية بث مؤثرات الإقناع بموضوع ما، أو من حيث التأثر والتأثير الذي نقرأه من ملامح الوجوه أو تفاصيل الصورة الواسعة الأبعاد ضوئيًا أو المعتمة، ضمن اختلافات شكلانية انطبعت فوتوغرافيًا بصفة الصورة الواعية إبداعيًا للمضمون والشكل، وأهمية إسقاط الضوء على المعنى البصري المفتوح على تصوير تحليلي يتجلى باستخلاص المعاني، ودورها في الإيضاح البصري الحقيقي لواقع يطغى بأهميته على مصطلحات الفن التشكيلي، لتؤكد على دور الفن الفوتوغرافي في كشف الغموض الذي تجهله العين أحيانًا، أو حتى الذاكرة، لتؤرشف هي بتصويراتها ما تغفل عنه العين ويفهمه العقل من خلال صورة فوتوغرافية تعكس الحقائق وتعزز قيمة الإبداع الفني بحس ضوئي بصري مقروء بلغة إنسانية بحتة.

إن الحس الفني المترابط بصريًا مع الموضوع في صور الفنانة "تارين سيمون" يفتح بعدًا واقعيًا أمام المتلقي، بوعي فني يضيء بمفاهيمه معايير الجمال الموضوعي والذاتي المتعلق بالحس الاجتماعي، والفكر التحليلي الذي تبرز من خلاله تارين مواضيع مختلفة. تتسلح بها عدستها لتواجه بها البصر قبل النظر، لتتغلغل المفاهيم في عمق الإحساس الفني بصورها الفوتوغرافية ولغتها الخاصة المسبوكة ضمن الرؤى الإنسانية، وخدمة المجتمعات مع العوالم الداخلية المتمردة على الخيال والسريالية، لتنتج بواقعها حقيقة نبحث عنها من خلال صورة فوتوغرافية هي جزء من عناصر الرؤى الفنية التي اجتمعت ضمن صورة ذات أسس عقلانية ترتكز بمضمونها على اللاشعور الضوئي الخصب والدوافع الجوهرية التحفيزية المشحونة بأسس محرضة لخلق إبداعات تسمو على الجمال بحس متماسك موضوعيًا ومضمونًا مع الشكل اللامرئي.

شطحات فوتوغرافية تكمن في اللاشعور الفني المتحد شكلًا ومضمونًا، ومعنى يثري النماذج التي تقدمها "تارين سيمون" في تصويراتها المتضمنة بيئة اجتماعية معينة، وأسلوب متفاوت في التحليلات البصرية التي تضعها أحيانًا بغموض مبهم، كنقاط تثير موضوعات غريبة، ومستحدثة وقادرة على إلقاء ضوء واقعي إنساني، وببعد فني فوتوغرافي يؤرق الفكر، ويثير طروحات اجتماعية تكشف منها النقاب على مواضيع تؤيد أو تعارض المجتمعات بشكل عام. إذ تعتمد في الخلق الفني الفوتوغرافي على الإنسان، وما يكتسبه من الواقع المفروض عليه ضمن الرؤية التصويرية التحليلية التي تعتمد على الملامح والخلفيات، وما تجسده المشاعر الداخلية الواعية لكل صورة موضوعية ذات حس فردي أو اجتماعي أو إنساني مصقول بهدف أسقطت عليه الضوء الفنانة "تارين سيمون" بفكر واقعي وإحساس فني فوتوغرافي.

تكرار يوحي بالجمود أحيانًا، وربما بالنساب وتسلسل البشرية، فشخوصها الإنسانية أو الحيوانية كالأرانب وأشياء أخرى، وحتى نقاط تلغرافية توزيعية ضمن جغرافية ضوئية، وتوثيق لمفردات وعناصر إنسانية تهدف إلى إثبات تواجدها ضمن حياة تضعها بين أطرها الاجتماعية الديناميكية ومفاهيمها الموضوعية عن الإنسان والحياة. لتبدو كقصص تصويرية تروي نفسها بنفسها بصريًا، لأنها قادرة على ترك بصمة معاصرة، وبواقع فوتوغرافي يفرض نفسه بصورة تحتفظ بمعالم إنسان أو حيوان أو أي شيء آخر يثير تساؤلات متعددة من خلال ملامحه التي أرادت "تارين سيمون" إظهارها بموضوعية فنية ذات أصول تصويرية وجمالية هادفة لخلق تضاد وتنافر يوازي واقعية الحياة وتناقضها ضمن مختلف وجوهها البشرية والوجودية.

تضيء الفوتوغرافية "تارين سيمون" بتصويراتها على الوجوه باختلاف أجناسها وانتماءاتها، وحتى أشكالها الأخرى المرتبطة بنماذج إنسانية شمولية بمعناها ومواصفاتها الفوتوغرافية التي تعكس الاختلاف التصويري في الكل والجزء، ومن مختلف جوانب الوجه، وانعكاسات ذلك على الموضوع والمضمون والشكل من حيث البعد الإنساني ومشاكل البشرية التي تتسع يومًا بعد يوم.

برؤية أخرى تعتبر تارين سيمون واحدة من أبرز المصورات في عالم الفن المعاصر، حيث تجمع بين الأسلوب الفني الدقيق والرؤية الإنسانية العميقة. يبرز عملها قدرة التصوير الفوتوغرافي على التقاط اللحظات وتحويلها إلى قصص بصرية غنية تحمل دلالات عميقة.

تركز تارين سيمون في أعمالها على مواضيع إنسانية واجتماعية متنوعة، تتراوح بين الشخصيات اليومية والأماكن التي تحمل تاريخًا. من خلال هذا الاختيار، تتمكن من تسليط الضوء على الجوانب غير المرئية من الحياة، مما يدعو المشاهدين للتفكير في تجارب الآخرين.

تتميز صور سيمون بتكوين مدروس للغاية، حيث تستخدم قاعدة الأثلاث والترتيب البصري لتحقيق توازن بصري. تساعد هذه التقنيات في توجيه العين نحو التفاصيل المهمة في الصورة، مما يعزز من الرسالة المراد إيصالها.

تلعب الإضاءة دورًا حيويًا في أعمال تارين. تستخدم الضوء بطرق مبتكرة، سواء كان طبيعيًا أو اصطناعيًا، لتسليط الضوء على التفاصيل الدقيقة في الموضوعات. الإضاءة تساعد على خلق أجواء درامية وتبرز المشاعر، مما يزيد من تأثير الصورة على المشاهد.

الألوان في أعمال سيمون غالبًا ما تكون مختارة بعناية لتعكس الحالة المزاجية للموضوع. استخدام الألوان الحادة أو الباهتة يمكن أن يثير مشاعر مختلفة، مما يعكس تجارب إنسانية معقدة. تنسيق الألوان يعزز من عمق الصورة ويساعد على إبراز التفاصيل

أعمال تارين سيمون ليست مجرد صور؛ بل هي دعوات للتفكير. كل عمل يحمل رسالة واضحة، سواء كانت تتعلق بالذاكرة، الهوية، أو القضايا الاجتماعية. تتحدى صورها المشاهدين للتفاعل مع القضايا المطروحة وفهمها بشكل أعمق.

التفاعل بين أعمال سيمون والمتلقي هو جزء أساسي من نجاحها. تُثير الصور أسئلة وتفكر في تجارب إنسانية مشتركة، مما يجعل المشاهدين يشعرون بالاتصال العميق مع الموضوعات. هذا النوع من التفاعل يعزز من تجربة المشاهدة ويجعلها أكثر عمقًا.

تظل أعمال تارين سيمون نموذجًا مثاليًا لكيفية استخدام التصوير الفوتوغرافي كوسيلة للتعبير الفني والإنساني. من خلال أسلوبها الفريد واختيار مواضيعها بعناية، تتمكن من خلق تأثير قوي يلامس القلوب والعقول، مما يساهم في تعزيز دور الفن الفوتوغرافي كوسيلة فعالة للتواصل والفهم.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com