فيلم "مع أني أعرف أن النهر قد جف" (Though I Know the River is Dry)
ضحى عبدالرؤوف المل – بيروت - لبنان
يعتمد مخرج الفيلم القصير "عمر روبرت هاميلتون" على المؤثرات السمعية والبصرية المؤدية إلى إثارة الحواس والشغف في تتبع الحركة، لمعرفة ما هو المضمون بالكامل. فللبحر الذي بدأ به الحركة التصويرية عمقٌ، ولصوته دلالة على الصراع النفسي العاصف بالإنسان التائه بين وطنه المحترق بالحروب والاحتلال الذي يقيد الإنسان، ويجعله مكبلاً وهو بين أهله وعلى أرضه فلسطين الموجوعة مع أهلها، والخائفة من المجهول، والمحاربة من أجل المستقبل. فما بين الهجرة والبقاء، طفلٌ سيولد. فهل من سلامٍ يولد على غير أرض الوطن؟
دراما في فيلم قصير مؤثر عاطفياً، ومشاهد مترابطة مع الحركة المفتوحة على معاني الحيرة والندم، والوجع، والأسرة المتماسكة لابن أراد العودة إلى فلسطين بعد هجرة تتجدد بمختلف الأشكال الزمنية حيث الذكريات تلعب دورها، والعاطفة لها تأثيراتها، والسياسة تتسبب في نزوح الكثير من أبناء فلسطين إلى الخارج. ولكن السؤال: هل ينسى ابن فلسطين أرضه؟ لنحصل على الجواب في نهاية الفيلم من خلال استنتاجات بصرية عصفت بحواس المتلقي، وتركته يلمس الضغوطات النفسية التي يتعرض لها كل فرد في فلسطين، فالفلسطيني يتمسك بالعودة مهما طال الغياب أو الانتظار، ومهما زادت لغة القتل والدمار وسلب الحريات وحقوق الإنسان منذ بداية الاحتلال وحتى الآن.
يبحث بطل الفيلم عن الأمان لابنه الذي ما زال جنيناً في بطن أمٍ خائفة على مستقبل من ينمو في أحشائها، وأم تنصح ابنها بالعودة بتكرارٍ لا يمل منه المشاهد ولا سمع المتلقي: "ارجع.. ارجع.." فصوت الأم يهدر كالبحر ما بين الحنان والغضب، لمسة حسية تجمع بين القوة والضعف في صوت فلسطينية تريد من ابنها العودة رغم كل الأخطار المحيطة بها، قائلة: "ارجع لبلدك". ما بين الهوية الفلسطينية وجواز السفر الأمريكي، خطواتٌ مقيدةٌ كموج يلفه الزبد، وحيرة تملأ القلب قهراً، رغم أن خلف الحدود ترتسم حريةٌ ما، ولكن في الحقيقة، ما من حرية يشعر بها الفلسطيني وهو يشعر أن أرضه مغتصبة. لأنه كلما ابتعد، زاد إحساسه بالانتماء لفلسطين. فهل يخاطب المخرج "عمر روبرت هاميلتون" في فيلمه القصير أبناء فلسطين لتحفيزهم على العودة؟ أم أن السفر خارج فلسطين لا يعني عدم العودة؟
فيلم ذو صبغة درامية وطنية يتبح للمشاهد العودة بالذكريات إلى حروب سنة 1948 دون الحاجة إلى مزيد من المشاهد. لأن الذاكرة الفلسطينية يكفي أن تمر أمامها مشاهد الحروب والاقتتال لتشعر بوجوب التحرير والبحث عن الحرية، وهذا ما حاول قوله بطل الفيلم "قيس ناشف" وهو يناشد الحرية مستخدماً الواقع في إبراز المفهوم العام للفيلم من وجع الأم والإصرار للعودة، وبنفس الوقت خوف الأم الشابة للخروج من فلسطين. ولكن للحنين أصالة لا يمكن نكرانها، وللكلمات وقع السيف، فالمعالجة الموضوعية لأشكال الفيلم الفنية ارتبطت ببعضها البعض، وضمن حبكة رؤيوية اكتملت فيها الأفكار والرموز التي تركها في كل مشهد لتؤدي دورها في استكمال الرؤية.
حدث يستحق المعالجة الفنية ليقدم في فيلم قصير مدته لا تتخطى العشرين دقيقة، وضمن عاطفة تحمل عدة نقاشات. إذ لا بد لمن يخرج من فلسطين ويفتقد للحرية من الإحساس بالواجب تجاهها، كالإحساس تجاه الأم تماماً والعودة إلى أحضانها، وبمصداقية يشعر بها كل فلسطيني بشكل خاص. إذ تنقل الصورة إشاراتها الرمزية بمرونة دراماتيكية وظفها "عمر روبرت" في ملامح الحمل والمرحلة الجنينية، وفي القبر الشاهد على الموت بعد ممارسات الظلم والقهر والموت، ومن خلال نبات الصبير والولاعة ذات الذكرى الجميلة التي أهداها له الأخ المتأكد من استرجاع الولاعة من أخيه حين يعود. ليستفز به واجب العودة والتمسك بالأرض والأسرة وبالذات الفلسطينية التي نشأ على أصالتها، والجدار الفاصل والحواجز الحديدية وأصوات القصف وصور الدمار، والأهم من ذلك رواية "مواسم الهجرة إلى الشمال" الرواية التي احتفظ بها ليجد في داخلها صورة قديمة ترمز للعائلة وللوطن.
حمل الصوت تناغمات مؤثرة حسياً وحواراتٍ عميقة المفهومة ما بين الصوت والصورة، والمعنى. فقد استطاع "باسل عباس" فتح العدسة على طبيعة خارجية باتساع نسبي. ليلاحظ من خلالها المشاهد ما أراده المخرج، ليخلق نسبية بين هذا وذاك، ويترك استنتاجاته التصويرية في الفيلم، وضمن المناظر الداخلية مع التعتيم الملازم والجزئي من خلال مشاهد تعذيب الأخ التي بقيت مستترة، واكتفى فقط برمزية الصورة المنسجمة مع المشهد اللحظي.
"رجعتونا للبداية"، كلمات يقولها بطل الفيلم "قيس ناشف" ليمثل صراع الأجيال بين الحرية والعودة وتحرير الأرض حتى انتشار السلام الكامل. ليعم فلسطين وتحيا الأجيال القادمة دون خوف. فالفيلم معالجة درامية وأشبه بالتوثيق الرمزي بمراحل منه تاركاً للمشاهد صياغة الفيلم ذهنياً كما يشاء، وكأنه يترك الأسس الأولية للرؤية الفلسطينية في حق العودة لنسمع بصوت قيس ناشف: "بلدي"، والفكرة الأساسية بتسلسلها الجميل: كيف ضيعتك؟ من يا ترى فلسطين أم زوجته أم الأخ الذي افتقده؟ ليجسد حقيقة اجتماعية يسعى إليها الشباب عند سعيهم للهجرة حيث تباينت المعاني تبايناً تصويرياً من أجل شد أواصر الحبكة بكل مفرداتها الفنية من تصوير وصوت، وحركة درامية في المشاهد. لإضفاء طابع مشكلة الهجرة من فلسطين والحنين للعودة إليها، فالصور ذات الزوايا القريبة تنسجم انسجاماً جمالياً تبوح بتفاصيل وجه "قيس ناشف" أو الأم، بعكس ما هو بعيد عند صورة الأخ الجالس على الكرسي، وكان الممثل يحاكي الكاميرا بحميمية تصل بمصداقية للمشاهد. ليخاطب الجمهور بحبكة سينمائية تتسم بالمشاركة مع المتلقي حيث يفتح المخرج "عمر روبرت هاميلتون" للجمهور مشاركته في صياغة الحبكة التي ينتظرها حتى نهاية الفيلم.
"هون الحرية"، لأن الحرية لا تكون إلا على الأرض التي نحن منها حيث الانتماء الأقوى للوطن، برغم كل القيود المفروضة من الإسرائيليين. فبعض الصور من الأرشيف تؤكد على انتهاكات حقوق الإنسان، ولو بلمحة بسيطة منها، الطفل الذي يصرخ أمام الجندي الإسرائيلي. فماهية الفيلم تتجلى في العناصر مجتمعة، وبالفكرة المؤمن بها المخرج "عمر روبرت هاميلتون" لإيصالها بقالب تحفيزي يتشارك به معه ليبني الرؤية السينمائية بعاطفة يميل معها المتفرج ويتأثر وطنياً. مما يحقق دور الفيلم في استنتاج يحظى بعقلانية تسمح بالتفكر بحق العودة.
"مع أني أعرف أن النهر جف" هو أول فيلم مستقل وجماعي التمويل ينتج في العالم العربي بعد الانتفاضات فيه، لصانع الأفلام والمنتج والمصوّر المقيم في القاهرة "عمر روبرت هاميلتون". عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتِردام السينمائي الدولي عام 2014، وفاز بجائزة UIP، ورشح لجائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان جوائز الفيلم الأوروبي، وفاز بجائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان أبو ظبي السينمائي. وهو مشارك حالياً في مهرجان "عن قرب" للأفلام والوثائقيات: نظرة مقرّبة على قصص من العالم العربي الجديد، الذي سيمتد على مدار أربعة أيام فيها الكثير من العروض والمحاضرات والنقاشات وورشات العمل. سيقام المهرجان على مسرح BBC Radio Theatre في مبنى بي بي سي العريق (Broadcasting House) وسط لندن من 31 تشرين الأول / أكتوبر إلى 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2014.
برؤية أخرى فيلم "مع أني أعرف أن النهر قد جف" يعدّ تجسيدًا فنيًا ووطنيًا للمعاناة الفلسطينية. من خلال توظيف عناصر الدراما البصرية والصوتية، يقدم المخرج "عمر روبرت هاميلتون" تجربة فريدة تنقل الصراع الداخلي والخارجي للشعب الفلسطيني، مما يجعل الفيلم غنيًا بالمعاني الرمزية والعمق الإنساني.
يعكس الفيلم واقع الاحتلال والمعاناة المتجذرة في الذاكرة الفلسطينية. يبدأ بتصوير البحر كرمز للحياة والأمل، لكنه يتحول مع الأحداث ليعبر عن الفقد والحنين. يُظهر الفيلم كيف يظل الفلسطينيون متمسكين بأرضهم وهويتهم، حتى في أصعب الظروف، مما يعكس الروح الوطنية المتأصلة في النفوس.
تتكون القصة من مشاهد مترابطة تبرز التوتر بين الهجرة والبقاء. الشخصية الرئيسية، "قيس ناشف"، يمثل الجيل الجديد الذي يسعى للعودة، بينما تظهر والدته تمسكها بالماضي ورغبتها في حماية ابنها. الدراما تتصاعد من خلال حوارات تحمل عبء العواطف، وتمنح المشاهد فرصة للتفاعل مع صراعات الشخصيات.
استخدم المخرج تقنيات تصويرية مبتكرة، مثل التعتيم الجزئي واللقطات القريبة، ليعكس المشاعر والتوتر. الألوان الداكنة تُعبر عن الكآبة والفقد، بينما تُستخدم الألوان الزاهية عند استحضار الذكريات السعيدة. الموسيقى التصويرية تُعزز من الأثر العاطفي، حيث تخلق أجواءً من الحزن والحنين.
يتناول الفيلم قضايا الهجرة والهوية والحقوق. يُظهر كيف تؤثر الظروف السياسية على الحياة الشخصية للفلسطينيين، ويطرح تساؤلات عن الانتماء والعودة. العلاقة بين الأجيال تُبرز الخلافات والتحديات التي يواجهها الفلسطينيون في السعي لتحقيق أحلامهم. من منظور إخراجي، يتسم الفيلم بالتوازن بين العناصر السمعية والبصرية، حيث تساهم المؤثرات الصوتية في خلق أجواء درامية. تعكس القرارات الإخراجية قدرة المخرج على التواصل مع المشاهد، مما يجعل الرسالة تصل بشكل مؤثر.
يعد فيلم "مع أني أعرف أن النهر قد جف" تجربة فنية عميقة، تجسد النضال الفلسطيني من خلال عدسة إنسانية، مما يجعله وثيقة حية للتاريخ والثقافة الفلسطينية. يجمع الفيلم بين الأبعاد الوطنية والاجتماعية، ليقدم نظرة شاملة على التحديات التي يواجهها الفلسطينيون، مع التأكيد على أهمية العودة والأمل في مستقبل أفضل.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com