المعنى الحقيقي للفن التشكيلي والفوتوغرافي وحتى الفني بأكمله في فيلم "فن الحب".

ضحى عبدالرؤوف المل

في الفيلم القصير "The ART of LOVE" للمخرج لويس فارنيلا (Lewis Farinella)، ضحى عبد الرؤوف المل، بيروت - لبنان.

تنوعت الأسباب، والفن واحد، وهو رؤية مترجمة بشتى الوسائل الفنية، حيث تنبع القدرات الإبداعية من الذات، لتُنَمّى وفق اتجاهات مختلفة قد نستغرب بعضها، وقد نرفض بعضها، وقد تجمعنا عين عدسة أو لمسة ريشة جمالية استطاعت التقاط الخطوط أو الألوان. وقد يجمعنا فيلم قصير اجتمعت فيه العناصر الفنية المتشابكة ببعضها لتنتج الصورة والحركة والموسيقى والإخراج وحبكة الفكرة الواضحة من الإخراج أو عدد المشاهد المتوافق مع الموتيفات أو العناصر المكملة لبعضها البعض. إلا أن الطبيعة هي المدرسة الأولى لكل الرؤى الفنية، حيث نتعلم منها قيمة الحركة والسكون، وقيمة الصمت البناء والمثمر، حيث ترتفع فيه قوة الملاحظة المرئية أو البصرية والسمعية إلى حدودها القصوى. لنقرأ الصورة بتؤدة حيث المعنى الحقيقي للفن التشكيلي والفوتوغرافي وحتى الفني بأكمله بشكل عام.

المعنى الحقيقي للحياة هو الحب البنّاء المقترن بالإنسانية وقيمتها الجمالية المبنية على فهم الذات والآخر، واحترام المشاعر الإنسانية لنتخاطب ضمن فن حياتي هو الأساس لبناء المجتمعات أو الحضارات، وهو عنصر بداية الفنون برمتها، وهو المؤثر على النفس الخلاقة القادرة على الإبداع والابتكار، والوصول إلى مبتغاها بشتى الطرق الإيجابية، وتخطي سلبيات لحظات الانتظار بالتعبير الفني بشتى الوسائل. إن بالتصوير أو بالرسم والتمثيل أو الرقص المسرحي التعبيري، وما إلى ذلك من رؤى قادرة على تخطي الواقع والخيال والارتقاء بالنفس نحو الجمال. وهذا ما يطرحه الفيلم من خلال نظرة حب أو نظرة عين التقطت تفاصيل الطبيعة من حولها أو ما أثار بصيرتها، لرجل مرّ يحمل عدسته الضوئية، كما تحمل هي قلمها الرصاص ودفتر الرسم الذي تترك عليه رسوماتها كبصمة فنية تزدان بالجمال. هذا ما يترجمه فيلم "فن الحب" (The ART of LOVE) للمخرج لويس فارنيلا (Lewis Farinella) الذي استطاع نقل الفكرة وتحويلها إلى أحاسيس فنية تسري في الوجدان، وتمنحه المعاني الحياتية لشاب يبحث عن الحب في كل شيء يحيط به من طبيعة وناس وأشياء قد تكون لا معنى لها عند البعض. إلا أنها تحمل معايير فنية جذبت الحواس إليها، ولصبية تترجم كل ما تراه عبر الخطوط لتقول انطباعاتها بصمت فني يمنح العين جمالها والنفس إشراقاتها الخاصة.

يعالج الفيلم قصة حب تبدأ من عين عدسة فوتوغرافية ووجدان فني يترجم أحاسيسه القلم على ورقة رسم في دفتر يختزن لحظات جمالية أدركتها البصيرة الفنية لفنانة أعجبت بمصور فوتوغرافي. إلا أن الفن يكمن في المشهد الذي تجد فيه دفترها حيث الأسلوب الفني المثير في معرفة ما تركه لها بين الأوراق. ليظهر لها وهي ترسم تباعًا، فالإيحاءات الفنية كثيرة في فيلم قصير لا يتخطى الدقائق، ولكنه عميق المعنى ومتقن في الأداء، ويشير إلى جمالية الفنون في الحياة بكل أنواعها. وهي إن اجتمعت فوتوغرافيا وفنيًا في فيلم قصير بعنوان "فن الحب"، حيث يستطيع بداية إبراز اللون الأصفر مع الحفاظ على صوت السوائل وصوت حبيبات الطعام التي تنقر في الصحن. لينتقل المشهد نحو رؤية الحياة اليومية لمصور فوتوغرافي يهوى حمل عدسته ليلتقط ما يثيره بصريًا بلحظة تتجسد في صورة تستطيع التعبير عن الحب والحياة والطبيعة والجمال.

لم يستطع التقاط صورة لحبيبين متشابكي الأصابع، وهذا يعني أنه ما زال من الهواة ولم يصل إلى الاحتراف. إلا أنه استطاع التقاط الحلم الذي يجمعه مع فتاة أحلامه من خلال رسومات ضوئية ورسومات من قلم رصاص ومن كلمات هي أشبه بقصيدة حب انكشفت بفن جمالي وحسي رسم البسمة على شفاه الممثلين وعلى شفاه المشاهد، لتترتبط الحوارات الصامتة مع المشاهد بدينامية قراءة الحركة والتعبير والفن التصويري في فيلم "فن الحب" أو "The ART of LOVE" المداعب حسيا لتخيلات ذهنية تنسحب من المشاهد وتستقر في المفهوم الفني للحياة التي تعتمد على ديالكتيكية الحركة والحياة والانجذاب نحو الآخر تلقائيًا، حيث تبحث النفس عن الجمال من حولها، وحين تكتشفه عليها ممارسة فنونها. لتكتمل بما يتناسب مع الموضوع أو الفكرة أو حتى الانطلاقة نحو الهدف بثبات، فهو حين تركت دفترها على المقعد في الحديقة، ولم تظهر لأيام، استمر بالبحث عنها. وحين وجدها، ترك لها الدفتر دون أن يظهر، ليراقب ردات فعلها وانعكاس ما تركه لها على دفترها. وهنا استطاع المخرج خلق دهشة غير متوقعة عند المشاهد. إذ اعتمد المصور الفوتوغرافي مخاطبتها بأسلوبها الفني التشكيلي، أي من خلال الرسم اليومي الذي تمارسه، وهي جالسة على مقعد في حديقة تضج بالحياة والجمال. حيث نلاحظ تتابعًا مرنًا في المشاهد التي ترتبط بالفكرة المرئية ذات التبسيط البصري، المعتمد على التتابع الحركي مع الاختزال الزمني دون التأثر بالزمن المحدد، حيث يبدو المفهوم الحركي للفيلم القصير قد أدى دوره السينمائي كلغة قصصية تجمع الفنون البصرية في فن واحد هو مرئي حركي إيحائي صامت. إلا أنه استطاع منح المشاهد بسمة ارتسمت لا إراديا في نهاية الفيلم، حيث استطاع مخاطبة حبيبته بأسلوبها الرومانسي، وبخاصية أسلوبية نابعة من الترابط السينمائي للفيلم القصير وأساسه الجمالية المحاكية للجمال والحب.

"فن الحب" هو فن الفوتوغراف والعين التي تلتقط بميزتها العدسية الخاصة كل ما من شأنه أن يغني المعنى الحقيقي للحياة، وفن الرسم حيث تنطبع الصور في الحس الفني، لتخرج على الورق بشتى الوسائل التي تعالج مواضيع مختلفة، وفن السينما والسيناريو وكل ما من شأنه أن يترابط مع بعضه البعض. لنرى الجمال بعين الحب والفن واللغة المشتركة القائمة على الحس والإدراك والوجدان. فيلم يعالج نظرة الفن من مبدأ الجمال أو البحث عن الذات من خلال ما يثير الحواس ويجعلها ضمن جمالية تعصف بالوجدان دون إيجاد الأجوبة على ذلك. لأن اللغة السينمائية في فيلم "فن الحب" القصير بمدته ومشاهده اعتمدت على الصمت التعبيري والإيحاء الأدائي البارز في كل تفاصيل الفيلم فنيًا.

برؤية أخرى فيلم "فن الحب" (The ART of LOVE) يقدم لنا تجربة فنية شاملة تدور حول مفهوم الحب من خلال الفن، سواء كان تصويريًا أو تشكيليًا. العنوان يعكس هذا التداخل بين الفنون والحب، مما يُعد مدخلاً مثيرًا لاستكشاف الروابط بين الجمال والعواطف الإنسانية. كما أن المخرج لويس فارنيلا يُظهر مهارة عالية في توظيف العناصر البصرية لخدمة الفكرة الرئيسية. تعتمد أساليبه الإخراجية على الاستخدام المبتكر للعدسات والزوايا، مما يخلق إحساسًا بالحميمية والتواصل. تتداخل مشاهد الطبيعة مع اللقطات القريبة للوجوه، مما يعزز من شعور المشاهد بالتعاطف مع الشخصيات.

يتبع الفيلم هيكلًا دراميًا محكمًا، حيث تبدأ القصة بنظرة حب من طرفين مختلفين. يُبرز الفيلم الأبعاد النفسية لكل شخصية، ويُظهر كيف تؤثر البيئة المحيطة على مشاعرهم. التحولات بين اللحظات السعيدة والحزينة تُعزز من الانجذاب الدرامي، مما يجعل المشاهد يعيش تجارب الشخصيات بشكل عميق. الجانب الجمالي للفيلم يتجلى في استخدام الألوان والإضاءة. الألوان الدافئة تعكس مشاعر الحب، بينما الألوان الباردة تُعبر عن لحظات الحزن والفراق. الإضاءة المستخدمة بعناية تضيف عمقًا للشخصيات، مما يُسهل التعرف على مشاعرهم الحقيقية.

تصوير المشاهد يتم بحرفية عالية، حيث تُستخدم زوايا متعددة لإبراز تفاصيل دقيقة تعكس الأحاسيس. العدسات تُوظف لالتقاط اللحظات العابرة، مما يساهم في خلق إحساس باللحظة الزمنية. تحريك الكاميرا يُضفي ديناميكية على المشاهد، مما يعكس تفاعل الشخصيات مع محيطهم. الفيلم يحمل إيحاءات رمزية تتعلق بالبحث عن الذات من خلال الحب والفن. ترك دفتر الرسم كرمز للتواصل الفني يبرز كيف يمكن للفن أن يُعبر عن مشاعر يصعب التعبير عنها بالكلمات. هذا التركيز على الرموز يعكس عمق الفكرة ويضيف بُعدًا إضافيًا للتجربة الفنية.

"فن الحب" هو عمل فني يجمع بين البصرية والمشاعر، مما يجعله تجربة فريدة من نوعها. المخرج لويس فارنيلا استطاع من خلال مهارته في الإخراج والتصوير أن يقدم لنا رؤية شاملة عن الحب والفن، مما يجعلنا نتأمل في العلاقات الإنسانية وتأثير الفن في التعبير عنها. تجربة الفيلم تظل عالقة في الذهن، حيث يشعر المشاهد بالتوق لشيء أكثر عمقًا، وهذا هو جوهر الفن الحقيقي.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com