السبع وصايا: رؤية صوفية في متاهة واقعية
ضحى عبدالرؤوف المل – بيروت - لبنان
"فـ للهِ قومٌ في الفراديسِ مذ أبتْ قلوبهم أن تسكن الجوَّ والسما." كلمات للشيخ محيي الدين ابن عربي بدأت بها شارة أو التتر للدراما العربية "السبع وصايا" للمؤلف أحمد أمين راضي، الذي طرح قضية الإيمان بفلسفة صوفية وجودية جعلتنا نرى التخبط الحقيقي للإنسان الذي يسعى خلف مختلف الشهوات من مادة، وخرافات، وشهرة، وما إلى ذلك في الحياة. بينما هو لا يحتاج إلا للثقة بالنفس بأسلوب انتقادي لمختلف القضايا الاجتماعية التي يتعرض لها الإنسان بشكل عام. لكن المؤلف أحمد أمين راضي فتح قصة الوصايا نحو مجموعة من القصص الدرامية المتتابعة المشاهد والمحبوكة الرؤية، وضمن شخوصه المختلفة حياتياً ومن مجتمعاتنا العربية. ليستنتج المشاهد تحليلاته وقدرته على اكتشاف المغزى الإنساني المحير عن القدر، واستدارة الحياة زمنياً، والكثير من المواضيع الشائكة على الإنسان، والتي ما زالت مسار بحث فلسفي. فهل القدر هو من صنع الإنسان، أم الإنسان يرسم أقداره بأفعاله؟ أم هو من يشارك في صنع أقداره التي قد تودي به إلى التهلكة؟ وهل الإنسان مخير أم مسير؟ وهل الشك يؤدي إلى صنع العدل على الأرض؟ وهل من عدل يكتمل في الدنيا؟ أم إن الدراما هي الحياة برمتها، وما نعيشه من أحداث يترجمها الزمان بمختلف تجلياته؟ وما عشناه في الماضي سنعيشه في الحاضر وسيؤثر على المستقبل؟
نسير باتجاه أنفسنا بغير وعي منا، خوفاً من المجهول أو من المستقبل الغامض الذي نجهله، بحيث يعيد التاريخ نفسه، ونكتب قصة حياة جديدة بأيدينا الحاضرة. فالمعرفة تحتاج إلى يقين وإلى الحق الذي يستدير في الحياة، ليحقق ذاته مهما كانت قوى الشر قادرة من حيث السيطرة الفعلية على العقول البشرية أو خلق تأثيرات عقائدية لا ترتبط بالدين، إنما بالمأثور الشعبي أو مما نراه من دجل أو سحر، وهو في الحقيقة من صنع الإنسان أو مما يؤثر على اتجاهات الشعوب من فساد ورشاوي وحتى الهروب من النفس. لخلق الجنون القادر على تحدي العقل للإنسان، ليضعه أمام عجزه النفسي في مواجهة الصعوبات. هذا إضافة إلى معانٍ كثيرة يستنتجها المشاهد ضمن الحلقات الدرامية التي استطاعت خلق استفزازات حسية عند المشاهد، ليتابع الأحداث في الحلقات كلها بانتظار ظهور الجثة، ليدرك في نهاية البداية أن الجثث الحقيقية هي التي ماتت مع تكرار المشهد نفسه عبر الزمن ضمن سيناريو محبوك درامياً. فهل استطاع مسلسل "السبع وصايا" إعادة حكاية آدم وحواء، وقتل قابيل لهابيل، والحروب والثورات التي تبدأ من ضعف إيماني لتنتشر بأسماء مختلفة ضمن حلقة صراع إنساني لا تنتهي؟
تقوم مبروكة، مع الفنانة سوسن بدر أو سماح، بتلقين وإيحاء لشعائر معينة لتوليد العقائد الدنيوية المختلفة سعيًا وراء هدف مادي هو نفسي بالدرجة الأولى. لهذا، تصاب بالجنون في الحلقة الأخيرة. بينما هي في الحقيقة تكتب سيناريو خاصاً لتبتعد عن التمثيل، ولكن ضمن سعي آخر لكي تستطيع الوصول إلى مبتغاها، وهو كتابة سيناريو تخيلي مستمد من الحياة الواقعية لأبناء هي أمهم المجازية. حيث تبدأ المتاهة الحقيقية للدراما برؤيتها الحياتية، حيث تشهد أفعالنا على مسيرة حياتنا المتشابكة مع العقل الباطن والواعي، وضمن رؤية فنية أخرجها بثبات المخرج خالد مرعي بكافة العناصر الفنية التي تخدم النص من ديكور، وموسيقى، وشارة بداية، ومؤثرات، وتصوير، وضوء. إلا أنه اكتفى بتكثيف المشاهد الداخلية وبتعتيم ضوئي، ليحافظ على المؤثرات البصرية بالمستوى المتناسب مع الحركة المرئية التي تترجم الخوف الداخلي من المجهول. لنشعر أننا بحاجة إلى الضوء الشديد عند نهاية المسلسل الذي حبكه المخرج بتوأمة جمالية مع المؤلف. لنشعر بالحيرة أكثر بعد الحلقة الأخيرة، وما حملته من رمزية وإيحاء بقي ضمن شيفرات العقل الخاصة لكل مشاهد أو لنستطيع تحليل الأحداث، وكأن الحلقة الأخيرة هي بداية الحلقات كلها، وفي هذا استدارة أدبية ودرامية ذات سريالية صوفية، وهذا خلق رغبة عند المشاهد في إعادة رؤية الحلقات مرة أخرى.
العقل الباطن والسيد نفيسة وإخفاء العقل الواعي هو جزء من متاهة النفس المتعبة وخباياها الساعية خلف الحياة، فما هو دور العقل الواعي الذي يتمثل بعدم الظهور كجثة رمزية للسيد نفيسة في دراما "السبع وصايا"؟ حيث نشهد في الحلقة الأخيرة حكاية الإنسان ومحاكاة الحياة في إعادة السيرة أو السيناريو المكتوب بيد سماح، ولكن بوجوه جديدة ستحيا في أزمنة وأمكنة مختلفة. إلا أنها ستروي الحكاية نفسها، والوصايا ستبقى كما هي، وستفسر كما يريدها العقل الباطن والعقل الواعي. ليدور الزمن وفق العدل الإلهي أو الحق. فالرؤية الصوفية للسبع وصايا نابعة من قلب الحياة، ووفق التنوع الإنساني الذي تطلبه الوصايا. لتكون بمثابة وجود يمثل الإنسان بكافة مراحله الزمنية المؤثرة على التاريخ أو البداية، حيث استطاع تتر المسلسل ترجمة ما يسعى إليه المؤلف والمخرج على السواء.
جمع الملحن هشام نزيه نغماته المرنة ليستسيغها السمع بحلاوة الحضرة، وموسيقى معاصرة اندمجت مع الأحداث المتواترة عبر الحلقات لتؤلف بمعانيها سمفونية اختلط فيها الماضي مع الحاضر، وضمن فن موسيقي معاصر ذكرني بسمفونية "كارمينا بورانا" لكارل أورف، حيث استطاع تلحين موسيقاه بما يتناسب مع الكلمات والمعنى الصوفي الذي أراد الاحتفاظ به المؤلف أحمد أمين راضي، لتبقى الوصايا ضمن النهج الفلسفي التصوفي، وأيضًا ما يريد إظهار جماليته درامياً المخرج خالد مرعي، حيث احتفظ برؤيته الإخراجية الخاصة، وارتقى بها تصاعديًا مع الأحداث. لتتخذ الموسيقى التصويرية مكانها الخاص في خلق مؤثرات تثير حواس المشاهد وتضعه أمام منبهات موسيقية تشعل يقظته الدرامية تبعًا لسخونة المشهد أو برودته أو ما يحمله من خوف أو هروب باتجاه المشهد الداخلي المبني على مرونة الشخصيات أو بالأحرى قدرات الممثل في إظهار المكنون الدرامي والتأثيرات النفسية المتأثر بها من تقمص الدور وحسية المشهد، وهذا ربط شديد المتانة بين الممثل والمشاهد والواقع الاجتماعي لزمن أشار له في الحلقة الأخيرة بأنه زمن الثورة، حيث رأينا أيضًا جهاز اللاب توب مع الفنانة سوسن بدر لتكتب السيناريو على جهازها الخاص.
أداء تمثيلي تميزت به الفنانة رانيا يوسف، كما تميزت سوسن بدر وأيتن عامر وأسرة المسلسل بكاملها التي اندمجت مع المشاهد بدون أي زخرفة تجميلية. لنشعر أننا أمام رؤية إنسانية من الواقع، ونعيش معها الأحداث لحظة بلحظة، فاهتمام الممثل بتقمص الدور والإحساس به كان له الدور المهم. لأن البعض تجرد حتى من المكياج ليظهر طبيعياً في مشهد استطاع منح المشاهد درامية الإحساس والتعاطف الوجداني مع كل الأخوة، وحتى مع الممثلين الآخرين الذين تدرجوا في التفاعل. إن مع الدور أو مع الموسيقى والإضاءة، والقدرة على خلق توازن بين شخصية الممثل والدور الذي يتقمصه بإحساس مرهف وفعال، وهذا ظهر جلياً لنشعر بالتآلف المكتمل الأركان فنياً بين الأسرة الدرامية من كافة النواحي نصاً أدبياً درامياً وسيناريو استطاع منح الرؤية تباينات تتأقلم مع البيئة العربية ومدى قبولها لهذا النوع من الدراما الفلسفية الصوفية، وإخراجاً وموسيقياً وتصويرياً وإضاءة خطرة. لأنها اعتمدت على تعتيم بعض المشاهد، وهذا قد يتقبله المشاهد وقد يرفضه. إلا أن المخرج استطاع الخروج من هذه المغامرة الضوئية بالمؤثرات الحسية الذكية في المشاهد الدرامية التي احتاجت إلى تعتيم بنسبة معينة ليتأقلم المشاهد بصرياً على نمط الحلقات وأسلوب إخراجها المرن الذي تمكن منه المخرج خالد مرعي.
برؤية أخرى مسلسل "السبع وصايا" هو عمل درامي يعكس الصراعات الداخلية والخارجية للإنسان في سعيه نحو البحث عن الهوية والمعنى. من خلال رؤى صوفية وجودية، يطرح المسلسل تساؤلات فلسفية عميقة حول القدر، الحرية، والإرادة، مما يجعله عملاً غنيًا بالمضامين والأفكار.
البناء الدرامي للمسلسل متشابك ومعقد، حيث يتم تقديم شخصيات متعددة تنتمي إلى بيئات مختلفة، مما يعكس التنوع الثقافي والاجتماعي في المجتمعات العربية. تتداخل الأحداث، وتتقاطع المصائر، مما يخلق شعورًا بالترابط بين الشخصيات والموضوعات المطروحة.
تولى المخرج خالد مرعي مهمة إخراج العمل، حيث أظهر براعة في توظيف العناصر البصرية والصوتية. استخدم تقنيات الإضاءة والتصوير لتعزيز الأجواء الدرامية، حيث تم استخدام التعتيم والظلال لتجسيد الصراع النفسي والشعوري للشخصيات. هذه الخيارات الإخراجية تعكس فكرة المجهول والخوف من المستقبل، مما يضفي عمقًا إضافيًا على التجربة البصرية للمشاهد.
تميزت الممثلات، مثل سوسن بدر ورانيا يوسف، بأداء قوي يعكس تعقيد شخصياتهن. كان تجسيدهن للمشاعر الداخلية فعّالًا، مما ساعد في نقل عمق التجربة الإنسانية. الأداء الطبيعي وغير المزخرف للشخصيات جعل المشاهد يشعر بالارتباط والانسجام مع ما يحدث على الشاشة.
تم استخدام الموسيقى التصويرية بشكل مبتكر، حيث قام الملحن هشام نزيه بدمج عناصر من الموسيقى التقليدية مع أنماط حديثة. ساهمت الموسيقى في خلق جوٍ متوازن يدعم الأحداث ويسلط الضوء على المشاعر الداخلية للشخصيات، مما يعزز التجربة العامة.
يتجاوز المسلسل السرد التقليدي ليطرح تساؤلات فلسفية حول الإنسانية ومعنى الحياة. يُظهر كيف يمكن للتجارب الفردية أن تعكس قضايا اجتماعية أوسع، مما يجعل العمل قابلاً للتأويل من زوايا متعددة. يترك المشاهد في حالة من التفكير والتساؤل حول الخيارات التي يملكها في حياته. أما الجمالية في "السبع وصايا" تكمن في القدرة على دمج العناصر الدرامية والفنية بشكل متكامل. الألوان، الإضاءة، الموسيقى، والأداء تجتمع لتخلق تجربة فنية شاملة تعكس صراع الإنسان من أجل فهم ذاته ومكانه في العالم.
"السبع وصايا" هو عمل درامي يستحق الإشادة من حيث العمق الفكري والتقنيات الفنية. من خلال إخراج متقن وأداء متميز، يعكس المسلسل صراعات إنسانية تتجاوز الحدود الثقافية، مما يجعله تجربة غنية ومؤثرة. إنه عمل يترك أثرًا عميقًا في النفس، ويحفز على التفكير والتأمل في جوهر الوجود الإنساني.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com