الاتجار بالرقيق الأبيض
ضحى عبدالرؤوف المل
دراما مسلسل "اتهام" للفنانة ميريام فارس استطاع المخرج فيليب أسمر إظهار مكنون الفنانة ميريام فارس الدرامي من خلال التقاطه النقاط المحورية في النص ومعطيات درامية محددة لاكتشاف أو إظهار الكيان التمثيلي لريم أو ميريام فارس، ووضع المشاهد أمام الإخراج الفني السلس حسيًا. مما خلق تعبيرات صامتة مؤداة بنبض إخراجي توائم معه كل ممثل، لتحقيق المعنى التمثيلي وتقاربه مع المشاهد ليزداد التأثر والتأثير الناتج من العمل التمثيلي كأساس قبل المؤثرات الأخرى، والمتناسب مع وحدة الموضوع وعدد المشاهد الداخلية والخارجية. ولكن لم يحمل الفن الإخراجي إبداعًا يمكن أن يوصف بالابتكار والحداثة، إنما الإخراج اتصف بالهادئ والمتقن في قصة مسلسل عالجت بها كلوديا مارشيليان الاتجار باللحم أو الرقيق الأبيض المتفشي في العالم منذ القديم وحتى الآن.
وقد تنوعت الأساليب والأزمنة في تسليط الضوء عليه، وما تتعرض له النساء من سوء فهم يضعها أمام جريمة وعقاب لا ذنب لها بهما، من خلال التنوع في شخصية الفتيات الثلاث: من ماتت، ومن أكملت، ومن استطاع القدر الوقوف إلى جانبها لتنتقم لنفسها ولشرفها، ممن أصابوها بالتلوث الاجتماعي وهي البريئة.
الاتجار بالنساء للعمل في ملاهي الليل أو كمحظيات خاصة هي دراما مسلسل "اتهام" للفنانة ميريام فارس التي استطاعت إظهار الوجه الدرامي لها بعد أن عرفناها مغنية ذات حضور خاص. فقد نجحت في تقمص دور ريم، ولم نشعر بامتيازاتها الشخصية أو الشهرة الفنية بين كوكبة الممثلين المتآلفين بينهم، أمثال الفنان فادي إبراهيم أو الممثلة تقلا شمعون وسواهم، والممثل حسن الرداد الذي تقمص دور المحامي مع خالد الشاب الذي يتخبط بين المجتمع وذاته، والذي أجاد تقمص شخصيته بهدوء، ربما زاد عن ما هو طبيعي، برغم معالجة المخرج طبيعة كل مشهد اكتملت أركانه الجمالية بنسبة مرضية بل وجاذبة للحس الدرامي، أو بمعنى آخر، تقنية أداء الشخصية وصعوبتها بعكس ما هو ظاهر من سهولة أداء شخصية خالد باعتباره الشاب العربي المرتبط ببلدين: أم لبنانية وأب مصري، ولكن رومانسيته وتعابيره المؤثرة والتعاون المنسجم بينه وبين الفنانة ميريام فارس أو ريم التي أحبته رغم أنه من عائلة تسببت لها بكل ألم ووجع، بل! وتشهير بها. مما أدى إلى وفاة والدتها التي ماتت متأثرة بما حدث لابنتها ريم.
تخطى الدكتور حسين مصطفى محرم بمعالجته الدرامية روتينية الموضوع المعروف على مر الزمن من خلال إمساكه بخيوط النص الأدبي الذي كتبته كلوديا مرشيليان. حيث حافظ على واقعية كل مشهد بنسبة ترضي الجميع، خصوصًا تآلف الشخصيات وارتباطها ببعض. إلا أن دينامية معالجته الدرامية، برغم الحوارات التي تراوحت بين التوسع والاختزال، لم تتخذ الخط الوسطي بين هذا وذاك، فالحلقات اختلفت معاييرها وتأثيراتها تبعًا لرؤية المخرج، وإدراكه بما يؤثر بالمشاهد من كل النواحي الدرامية الجمالية ذات الحبكة الإخراجية الممسكة بتقنية تتغاير فيها الموازين التصويرية المباشرة وغير المباشرة، وما ينتج عن تطورات في الأحداث تحتاج لنوعية خاصة من المواقف تصويريًا وموسيقيًا. لتنسجم العناصر الفنية مع بعضها البعض، ولا ننسى جمالية ما قدمه الفنان صلاح تيزاني المعروف (أبو سليم) وتواجده البناء في المسلسل من خلال دوره كأب مقاصص من أبنائه على ذنب لم يقترفه بسبب انتحار الزوجة. فهل الإجرام فعلاً هو بالدم، أم هو سلوك اجتماعي نتوارثه اجتماعيًا؟
تناغمت المشاهد في مسلسل "اتهام" مع المستويات الدرامية ذات التأثير العازف على الحس العاطفي والاجتماعي، لموضوع الرقيق الأبيض والعصابات ذات الأيدي المتغلغلة في المجتمع، ومنها ما نكتشفه ومنها ما نجهله برغم كل الظروف الحياتية التي تؤدي إلى انتهاك حرمة المرأة. وذلك من خلال قصة ريم أو من خلال تقلا شمعون وما جسدته تلك الخدعة الحياتية التي تعرضت لها في الحياة وأدت إلى موتها برصاصة من يد زوجها الخائن ورئيس العصابة. فالطيبة والشر ربما يجتمعان في شخص واحد، ولكن ما من خدعة تستمر حتى النهاية، فهل انتهت قصص الرقيق الأبيض عند مسلسل "اتهام"؟ أم أنها دراميًا ستعالج بشتى الطرق حتى يصل المجتمع إلى مأمن من هذا؟ لكن يبقى السؤال: هل من مأمن؟ وهل انتهى زمن المحظيات والرقيق في عصر تميز بالعولمة؟
لغة تصويرية وموسيقية حملت من دلالات المخرج فيليب أسمر الحس المرهف، والجمالية في بناء المشاهد بمختلف الأركان والعناصر المؤدية إلى ترابط المعنى، والموضوع المؤدي إلى حبك المسلسل بكامل حلقاته ومعطياته الدرامية، دون أن ينسى أين يسمع المشاهد زقزوقة العصافير، وأين يجب أن يسمع الموسيقى المتهادية من المايسترو عادل عايش. وفي هذا واقعية مشحونة بالمؤثرات الطبيعية، وأجملها تلك التي حملتها المشاهد الخارجية مع الالتقاط التصويري العام المنسجم مع الزوايا والأبعاد، وإخفاء الخلفية بأسلوب تصويري خاص في بعضها بجمالية تقنية موضوعية والتكوين الديناميكي لكل مشهد متحرك تصويريًا، حمل الكثير من المعاني الفنية بمختلف مستوياتها ودلالاتها.
اختزل الشاعر هاني عبد الكريم معاني النص الدرامي بأغنية المقدمة التي لحنها محمد النادي وفق وحدة الموضوع المتكامل مع هذا المسلسل، الذي استطاعت من خلاله ميريام فارس إظهار الوجه الفني الجديد، وحساسيتها المرهفة مع الشخصية التي توحدت معها، لتزيد من حدة التأثر والتأثير بها فنيًا. مما أثار إعجاب المشاهد والمتذوق لفنها في هذا المسلسل البسيط فكرته والمعقد بما طرحه وقدمه، وبجمالية أفراد أسرته التمثيلية بكاملها. ولو أن الإخراج لم يخرج من كلاسيكية هذا الفن، لأنه التزم بالانضباط والمعايير والأسس الإخراجية المتعارف عليها، ولكنه قدمها بأسلوب متميز تشهد له كل العناصر الفنية من تصوير وموسيقى وأغنية مقدمة، وأولًا وآخرًا بناء المشاهد وجدارة كل ممثل ترك أثره الخاص في هذا المسلسل الدرامي.
برؤية أخرى يُعد مسلسل "اتهام" تجربة درامية غنية تتناول قضية الاتجار بالرقيق الأبيض، ويتميز بتقديم رؤية إنسانية عميقة حول معاناة النساء في ظل مجتمعات تعاني من الفساد والاستغلال. يتجلى هذا في العمل من خلال النص المكتوب، والإخراج، والأداء التمثيلي، مما يخلق تجربة فنية شاملة ومؤثرة.
تدور أحداث المسلسل حول شخصية ريم، التي تعيش معاناة جسيمة بسبب ظروف اجتماعية قاسية. تتنوع الشخصيات وتتعقد العلاقات، مما يعكس تعدد الأبعاد النفسية والاجتماعية التي تؤثر على الفرد في المجتمع. هذا التعدد يعكس البنية الدرامية المتماسكة التي كتبها كلوديا مارشيليان، حيث استطاعت بذكاء إبراز الصراع الداخلي لكل شخصية، مما يجعل المشاهد يتعاطف معها. المخرج فيليب أسمر، نجح في تقديم رؤية إخراجية متقنة. استخدامه لتقنيات الإضاءة وزوايا التصوير يعكس عمق المشاعر المتناقضة لدى الشخصيات. مشاهد الصراع الداخلي كانت مُعالجة بحرفية، حيث تم تسليط الضوء على التعبيرات الوجهية التي تحمل الكثير من الدلالات. الإخراج يُظهر توازنًا بين الجمالية الفنية والواقعية، مما يساهم في جذب المشاهد وإثارة عواطفه.
تؤدي ميريام فارس دور ريم بكفاءة عالية، حيث تنجح في نقل مشاعر الشخصية المعقدة بصدق وإتقان. يضاف إلى ذلك الأداء المميز لفادي إبراهيم، تقلا شمعون، وحسن الرداد، الذين ساهموا جميعًا في تعزيز الأداء الجماعي، مما جعل المشاهد يشعر بأنه جزء من العالم الدرامي المُعاش. تناغمهم في المشاهد يعكس روح الفريق ويعزز من واقعية الأحداث.
المسلسل يستخدم مجموعة متنوعة من العناصر الجمالية، بما في ذلك الموسيقى التصويرية التي أعدها عادل عايش. الموسيقى تلعب دورًا رئيسيًا في تعزيز الأجواء الدرامية، حيث ترفع من حدة المشاعر في المشاهد المؤثرة وتخلق توازنًا مع اللحظات الهادئة. كما تم الاهتمام بالتفاصيل في التصميم الفني، مما يساهم في بناء عالم درامي مقنع.
"اتهام" يتناول قضايا حساسة تتعلق بالمرأة، مثل العنف، والتمييز، واستغلال الضعفاء. المسلسل يسعى لإيصال رسائل قوية حول أهمية التوعية المجتمعية ومكافحة ظاهرة الاتجار بالبشر. يقدم العمل نظرة نقدية على الواقع، داعيًا المشاهدين للتفكير في أبعاد هذه القضايا وأثرها على المجتمع ككل.
بشكل عام، يُعتبر مسلسل "اتهام" تجربة فنية درامية غنية. يجمع بين النص القوي، الإخراج المتقن، والأداء المتميز، ليشكل لوحة درامية تعكس واقعًا مؤلمًا في إطار فني جمالي. يعكس المسلسل التحديات التي تواجهها النساء، ويُبرز أهمية التعاطف والوعي الاجتماعي، مما يجعل المشاهد يشعر بأنه أمام تجربة إنسانية مؤثرة لا تُنسى.
Doha El Mol