صياغة فوتوغرافية تصويرية تتباين فيها تشكيلياً الموجات الضوئية.
ضحى عبدالرؤوف المل
ترتفع مستويات الإضاءة المركزة بصرياً على بؤر اللون الحيوية السريعة حركياً في أعمال الفنانين الألمان "مادلين ومايك بولو
" (Mike and Madeleine Bülow) التي تجمع التجريد الفوتوغرافي مع التشكيل اللوني المحوري، الذي يعتمد على الحركة البصرية للألوان التجريدية الخالية من الأفكار المسبقة أو المصممة تبعاً لريشة تتحكم بها. إذ تعتمد كلياً على التفاعل مع خلق انفعالات مجهرية ذات حيوية تنبض بالإيقاع أو اندفاعات سريعة ذات فلكلورية تزدان بالألوان الغارقة في الحرارة والبرودة، مما يؤثر على تشكيل اللوحة الفنية دون تحديد مقاييس أو معايير فنية، إذ لا تتضمن فكرة أساسية، إنما هي تعتمد على الحركة السريعة الغامضة والمتوازنة مع سرعة انطلاق الألوان، وبشكل قياسي زمني معين يتم من خلاله رؤية الحركة البطيئة للألوان وسحرها الفني في التناغم الفعال ضوئياً.
إنها تعتمد على سرعة العدسة وتحديد الفتح والإغلاق والقدرة على توازن حركة اليد والعدسة، وبشكل سيمتري تشكيلي، أي الربط بين العدسة والتشكيل، والسرعة المتناسقة مع سرعة اندفاعات الألوان واختياراتها، لتشكل السرعة مفهوماً انعكاسياً لذاتية كل لون وموضوعيته في الانسجام الموسيقي لخلق سمفونية لونية تضج بالحركة وبذبذبة اهتزازية.
لتلتقط العدسة بمعاييرها الضوئية ذات الخاصية التجريدية الحركة البطيئة المندفعة في سرعة بصرية استطاعت توقيفها زمنياً ضمن تشكيلات مكثفة لونية، أو لما هو بطيء بصرياً وبشكل ملموس في اللوحة. إلا أن الحركة الحسية للضوء واللون هي جزء من سرعة ضوئية تم التقاطها بحرفية عدسة تجريدية، ترسم توضيحياً بالضوء تشكيلات جمالية تعتمد على الذوق والحس التشكيلي والفوتوغرافي الذي لا يمكن رؤيته بالعين المجردة. لتظهر الصورة باتساق مجهري استطاعت نقله للعين، أو بالأحرى للحواس الفنية ذات الجمالية اللونية القادرة تجريدياً على محاكاة تشكيلية بالعدسة الفوتوغرافية.
تتطور حركة الألوان وفق طبيعة امتزاجها أمام ضوئيات معينة، تتوازن مع الرؤية الفوتوغرافية التشكيلية التي يريد لها بولو نسيجاً تجريدياً خاصاً. يتم تكوينها بعدسته وبألوان تفوح منها ثلاثية كيميائية وفيزيائية ورياضية، ليسجل موسيقاه بالعدسة والضوء والحركة الانعكاسية الراقصة فلكلورياً على أنغام اللون وتموجاته، وتناغمه وتعمقه في آن، مع ما ترتسمه الحركة من بُعد أحادي وثنائي، وحتى ثلاثي أحياناً. إذ ترتفع أفقياً أو عمودياً أو ضمن التفافات شفافة، تسجل تجريدياً تعبيرات تؤكد على أهمية العتمة في خلق الضوء لتشكيلات فنية ذات رؤية تأثيرية ضوئية، حيث حركة التلاشي تنجلي بوضوح أمام العدسة، حيث تتضاعف الحركة فيزيائياً ضمن تحولات وتغيرات رياضية انفعالية وعفوية، قادرة على إبراز جمالية السرعة الضوئية حين تلتقط جزءاً من الحركة التفاعلية بين العناصر المادية والحسية، بين ما نراه بالعين المجردة، وما نراه من خلال عدسة ترسم ضوئياً كل ما هو عبارة عن لحظة زمنية لحركة الألوان التشكيلية.
ما بين البعد التشكيلي والبعد البؤري الفوتوغرافي في أعمال "مادلين ومايك بولو" (Mike and Madeleine Bülow) مؤثرات خاصة. ترتكز على الدلالات التجريدية ومفهومها في خلق إيحاءات فنية، تتشكل من خلالها الصور المختلفة المشبعة بالألوان والضوء، والنعومة البصرية المحافظة عليها، برغم تكبير الصورة إلى قياسات معينة. وهذا يعتمد على التوازن ما بين البطيء والسريع، حتى لا تفقد الصورة أو اللوحة بريقها التشكيلي وتفاصيلها الفوتوغرافية ذات المساحات المتناقضة ما بين الضوء والظل.
ليحافظ على التأثيرات والتفاصيل التجريدية، ومضات مختلفة في الانخفاض والعلو أو التعريض والترفيع. لتتباين الألوان وفق تلاعب ضوئي خلفي وأمامي مع معادلة في تدرجات السرعة لكل لوحة اختلفت فيها حركة الألوان الحارة والباردة مع الحفاظ على تموجاتها المتكافئة في تجميد الحركة الموضوعية التجريدية لالتفاف تصويري ضوئي ينساب بعفوية مع اللون والصيغة الرياضية للحركة التناسبية ودرجات السطوع المتجانسة مع المشهد التجريدي العام.
تتكون عناصر المشهد الفوتوغرافي من أدوات فنية تشكيلية، تشكل جزءاً متلاحماً من المادة الملموسة والحسية التي تمتلك ضوئيات تنسجم مع كافة درجات الألوان، ونسبة سطوعها أو تأثيراتها الإبداعية على العدسة المستقلة في الاحتفاظ بجزئية زمنية ضمن لقطة تجسد حركة ما، لألوان معينة متفاوتة في خطوطها وظلالها العميقة، المضاءة بما يتوافق مع العدسة وعمق المجال، حيث تتقلص الحركة القريبة والبعيدة. لتشكل حركة تشكيلية من ألوان تتناغم أمام العدسة، وبأبعاد تجريدية تجذب البصر إليها وتعصف بالذهن إلى ما لا نهاية.
مزايا حركية ذات لحظة جمالية قوية التركيز والانتباه من حيث تشكلات اللون، وتجميده مع الحفاظ على أبعاده الضوئية الفاتحة والداكنة. لخلق إثارة بصرية خلاقة تجمع بين الرسم والتصوير الفوتوغرافي الإبداعي بمختلف العدسات، وبوميض ضوئي سلس وعميق السرعة تظهر من خلاله شاعرية اللون والضوء ضمن اهتزازات إيقاعية تتراقص بصرياً أمام عدسة فنية تتجرد من الفكرة، لتلتقط تشكلات اللون ضمن سرعات مختلفة، وبتشكيل بصري يتخذ صفة تشكيلية تجريدية وبدينامية تلعب فيها محاور الحركة الاهتزازية، التي ينتج عنها الأشكال الحركية والساكنة المغلقة والمفتوحة ضمن فروقات تعطي إحساساً بالحركة الفنية القوية المنفصلة لونياً عن القماش. لنشعر بقيمة التقاطعات وزواياها، مما يضفي جاذبية عاطفية وانفعالية تثير الوجدان، وتمنحه بعداً جمالياً خاصاً متحرراً من الأنماط التقليدية أو الكلاسيكية للفن التجريدي.
محاور تشكيلية اختزلت فوتوغرافيا العناصر الحياتية، واكتفت بالألوان ورمزيتها ومعانيها الحارة والباردة. إذ ما من خطوط داخلية أو خارجية تنفصل أو تتصل، إنما هي كتلة لونية تتفاعل مع ذاتها ضوئياً، وأمام عدسة تمنح المشهد سينوغرافيا مؤثرة حسياً، ومرتبطة ببعضها البعض، إذا تحفل الألوان بتناغم جمالي واسع المساحات، ورؤية فنية واعية فوتوغرافياً، لإيقاعات تحدث بتكرار تتضاد فيه الألوان المتناغمة والمتنافرة ضمن رقصة فنية تشكيلية واحدة هي جزء من لقطة تجريدية منظمة ضوئياً لفوضوية اللون المتشكل عبر صياغة فوتوغرافية تصويرية تتباين فيها تشكيلياً الموجات الضوئية البعيدة نمطياً عن كلاسيكية الفن التجريدي المتعارف عليه تشكيلياً.
برؤية أخرى تعتبر التجربة البصرية للفن التشكيلي واحدة من أكثر التجارب تعقيدًا وثراءً. يجمع بين الألوان، الأشكال، والإضاءة لتخلق إحساسًا ديناميكيًا يؤثر على المشاهد بطرق متعددة. في هذا التحليل، نستعرض العمل الفني من منظور إيقاعي بصري، مستعرضين الانطباعات النفسية والفنية والجمالية المرتبطة به.
عند رؤية العمل، يجذب المشاهد إلى التناغم بين الألوان والتشكيلات. يشكل الإيقاع البصري عنصرًا أساسيًا، حيث تندمج الألوان بشكل يُشعر المشاهد بحركة مستمرة، وكأن اللوحة تتنفس، مما يولد شعورًا بالحيوية والإثارة. هذا الإيقاع يعكس تعبيرات داخلية، حيث يمكن أن ينقل إحساسًا بالفرح، الحزن، أو حتى القلق، اعتمادًا على تركيبة الألوان المستخدمة.
يستجيب العقل البشري للألوان والإيقاعات بطريقة عميقة. الألوان الزاهية قد تثير مشاعر الفرح والتفاؤل، بينما الألوان الداكنة قد تنقل شعورًا بالكآبة أو الغموض. من خلال تنويع التدرجات اللونية واستخدام الظلال، يتمكن الفنان من إحداث تأثير نفسي قوي. الإيقاع البصري، المتمثل في تكرار الأشكال أو تنقلها عبر سطح اللوحة، يلعب دورًا في تعزيز هذا الشعور، حيث يمكن أن يؤدي التكرار إلى شعور بالراحة أو القلق، حسب السياق.
فنياً، يعتمد الإيقاع البصري على كيفية توزيع الألوان والأشكال في العمل. التباين بين الألوان الدافئة والباردة، بالإضافة إلى استخدام الفراغ، يمكن أن يخلق حوارًا بصريًا يربط المشاهد بالفن. الخطوط المتدفقة والتموجات تضيف بعدًا حركيًا، مما يحول اللوحة إلى تجربة بصرية نابضة بالحياة.
الجمالية التعبيرية للوحة تتجلى في قدرتها على إحداث تواصل بين المشاهد والعمل. عندما تُستخدم الألوان بشكل تعبيرى، فإنها تثير ردود فعل شخصية، مما يجعل كل مشاهد يشعر بشيء مختلف. هذا التنوع في الاستجابة هو ما يجعل الفن تجربة فريدة، فكل شخص يحمل معه تجاربه ومشاعره الخاصة.
الإيقاع البصري، كعنصر أساسي في تحليل العمل، يتمثل في كيفية تفاعل الأشكال والألوان. يمكن أن يكون الإيقاع سريعًا ومكثفًا، مما يعطي شعورًا بالحركة، أو بطيئًا ومتناغمًا، مما يخلق إحساسًا بالهدوء. هذا التنوع في الإيقاع يمكن أن يوجه انتباه المشاهد ويؤثر على طريقة فهمه للعمل.
يقدم الإيقاع البصري إطارًا غنيًا لتحليل العمل الفني من منظور انطباعي موضوعي نفسي. من خلال استكشاف العلاقة بين الألوان والأشكال، نكتشف كيف يمكن للفن أن يثير مشاعر عميقة، ويعكس تجارب إنسانية متباينة. إن قدرة العمل الفني على التواصل مع النفس البشرية بشكل جمالي وتعبيري تُظهر قوة الفن كوسيلة للتعبير عن المشاعر والأفكار.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com