صاحب السعادة: بث انتقاده المعاكس في كوميديا اجتماعية
ضحى عبدالرؤوف المل - بيروت - لبنان
حقق الفنان "عادل إمام" في الكوميديا الاجتماعية "صاحب السعادة" أمنيته في جمع شمل العائلة اجتماعياً، بضحكة كوميدية ذات معانٍ اجتماعية متعددة اقتقدناها في زمن التواصل الاجتماعي العنكبوتي، وانفراد أفراد الأسرة كل في زوايته أو صومعته الخاصة. فهل يحاول "صاحب السعادة" بث انتقاده المعاكس في كوميديا اجتماعية عائلية أمتعتنا من حيث النقد المبطن لكل من يسعى خلف المناصب العليا، ليضيء حياته بأضواء لا تتسبب إلا بالتعاسة والحزن والأمراض، والتسلط، والتسيب لمن حوله والأقرب إليه كأفراد أسرته؟ كما استطاع أن يبرز المقارنات المتناقضة فيما بين العشوائيات التي ترتكز على قرارات محكومة من أصحاب السوابق، ومن وجوه أخرى لمناصب عليا، وبيوت كأنها علب مغلقة لا حياة فيها ولا حركة، وكأن المؤلف والسيناريست "يوسف معاطي" يقول للمشاهد: هذا أنت أيها الإنسان، فاختر من تكون.
تلاحم موضوعي للمشاهد في الحلقات من حيث الاندماج في التسلسل لمواضيع اجتماعية تضم الأجيال الثلاثة: الأب، والابن، والحفيد، مع المشاكل التي تنتج عن فروقات هذه الأجيال، والتفاوت الزمني الذي يجمع هذه العناصر معاً، والقدرة على مسك زمام الأمور العائلية في أفراحها وأتراحها. لنستنتج قيمة الزمن واختلافاته بين هذه الأجيال ونشعر بالحنين الاجتماعي العربي خاصة. إن من حيث الحب الذي يترعرع في المنزل المحاط برعاية الأسرة المتصالحة مع ذاتها، برغم الأحاسيس التي تتسبب بالغيرة عند الجدة "لبلبة"، أو عيشة، أو بعدم الإحساس بالحب والأمان عند البنت وزوجها الطبيب والطباخ الفاشل، وسعي زوجته ومثابرتها في إيجاد فرصة له من خلال الحب الذي تغمره به، حيث أفراد الأسرة هم نماذج اجتماعية عشنا معها بتآلف وجداني. فهي موجودة في المجتمع وبمحيطنا البيئي، وقد لامس المسلسل من خلال هذه النماذج الحس الاجتماعي والعاطفي عند المشاهد الذي يفتقد لكل هذا باعتباره الجيل القديم، والمشاهد الذي يقبع تحت النظام الأسري الصارم حيث يفتقد فيه الجيل الجديد المساندة العاطفية والتفاهم بسبب غياب الأهل المتواصل.
مواجهة إنسانية يضعنا أمامها المؤلف اجتماعياً. لنواجه صراع الأهل بين من يحقق رغبة الأبناء، ومن يرفضها مع التنبه لدور المرأة في مساندة زوجها والإيمان به دون نسيان أحاسيسها، ولو كانت بعمر جدة، فالغيرة على الزوج هي من باب الحب الملموس، والتي استطاعت الفنانة القديرة "لبلبة" تجسيده أو تقمصه بفن كوميدي ذي جمالية مميزة، حيث برزت في البطولة مع "عادل إمام" لتسجل إعجاباً بطلتها المتقنة في الأداء والانفعال والتأثير على الوجدان، والتعاطف معها فيما أرادت إيصاله اجتماعياً من خلال دور الجدة. وفي هذا تميز جمالي لفنانة لطالما أمتعت مشاهديها بأدوارها وخفة ضحكتها المدروسة تعبيرياً، حيث اندمجت بالبطولة مع "عادل إمام" وضمن تفاعل لم ينفصل عن واقع حقيقي شعر به المتلقي. إذ بدا التفاعل المتلاحم مع أسرة المسلسل بكاملها وحتى مع الأطفال الذين لعبوا في تواجدهم دوراً مهماً في حلقات كانوا هم العنوان في قوة التلاحم بين الأطفال والممثلين، والتآلف بينهم وبين المخرج الذي استطاع إبراز عفويتهم حتى في تجسيد الدور.
إنفعالات عاطفية لم تخل من ضحكة حملت وجعاً مبطناً عن تراجع قدرات الإنسان بعد تقدم العمر به. وقيمة الاختراعات في زمن كل شيء يتراجع فيه، وهذا ما تعودناه دائماً من الفنان "عادل إمام": إثارة الدهشة في اختيار مواضيعه الرمضانية، طرح المواضيع بخفة ضحكة وبوجع مبطن، وهي تأتي دائماً بخلاف ما هو متوقع لها، إذ يختار الفكرة التي تؤثر في لم شمل العائلة مع الاهتمام بالترابط الوطني والوقوف الحقيقي كمواطن أمام أي متاعب قد يتسبب بها رجالات الدولة أو من هم حول الدولة. لأن تطبيق القانون يقع في ثغرات أحياناً، لأن العاطفة الاجتماعية تتطلب ليونة في القوانين، وهذا مستحيل. وقد استطاع المؤلف بناء شخصياته المتفرقة بمواصفاتها من طباخ ولاعب كرة وطبيب وشرطي، وما إلى ذلك، ليضع في المقابل الجار وأبناء الحارة العشوائية الذين عادوا إليهم بعد أن فقدوا بيتهم الكبير.
ما بين المؤلف "يوسف المعاطي" والمخرج "رامي إمام" والممثل "عادل إمام" روابط درامية مشتركة، ففكرة المسلسل لم تحمل من القوة الدرامية ما يحركها جماهيرياً لو لم يستطع المخرج الإمساك بشخصيات التمثيل، وبالقصة التي تم تأليفها من قبل يوسف المعاطي. لنشعر أن المخرج "رامي إمام" بنى انطلاقته الإخراجية بتعاون ازدواجي بين المؤلف والقصة والممثل وانفعالاته في تجسيد الدور، ليبقى هو النقطة الإخراجية الوسطية المتلاحمة في إنجاح المسلسل الكوميدي الاجتماعي مع اتساع عدسة التصوير، وفتح زوايا المشهد، سواء بالتقاطات الخارجية الملموسة بصعوبتها، وهذا قد يظهر من خلاله أي هفوة يمكن إخفاؤها بعدسة ضيقة. إلا أن التصوير المرن فتح عدسته ليرتاح المشاهد بصرياً، ويستطيع رؤية الحركة الكاملة في المشهد. إن في الخلفية أو في الأمامية، حيث أُبرز الموضوع بجمالية المشهد المؤطر ضوئياً بما يتناسب وحركة الكاميرا واندماجها مع حركة الممثل، مع إضاءة مريحة رافقت أغلب المشاهد، بل أكثرها.
برغم خطورة تقبل المتلقي الكوميديا الاجتماعية الخفيفة، غامرت أسرة المسلسل في الخوض فيه. وبرغم بعض الثغرات التي كان يمكن صقلها، إلا أن الموضوع أو الفكرة برزت كإضاءة اجتماعية ملفوفة بكوميديا استطاعت جذب المشاهد دون النظر إلى الثغرات. ولكن التصوير الخارجي والداخلي، خصوصاً في الأحياء الضيقة، والإضاءة والموسيقى، والإخراج المتعدد الرؤى مع الفنانين "عادل إمام" و"لبلبة" ولفيف الممثلين "خالد زكي"، قد ترك انطباعات شفافة عند المشاهد بعد تجسيده هذا الدور بخفة كوميدية انعكاسية ثقيلة في الظاهر وخفيفة من الداخل مع كوميدية مرحة ذات ملامح خاصة. ولا ننسى الممثلة اللبنانية "مادلين طبر خوري" في طلتها الخفيفة ببعض الحلقات، وقد شكلت جمالية حركية في أدائها الاستثنائي في المسلسل لتثير غيرة "عيشة"، حيث أظهرت الممثلة "لبلبة" قدرة تمثيلية ربما تفوقت بها على الفنان "عادل إمام"، حيث تراخى تمثيلياً في بعض المشاهد. إلا أن موروثه الفكاهي ينهض دائماً به ليتماشى معه المشاهد، ويتعاطف مع ضحكة يسلبها من المشاهد برغم بساطتها، وفي هذا قدرة لا يستهان بها إذ تخرج ضحكة غير متوقعة، وبعفوية يلمسها المشاهد في نفسه، وهذه من المفاتيح الكوميدية التي يمتلكها الفنان "عادل إمام" والتي ترسم ضحكة غير متوقعة في موقف ارتجالي محسوس تمثيلياً، وهذا ما استطاع من خلاله جذب المشاهد والإمساك به في حلقات ثلاثين
.
برؤية أخرى يتسم "صاحب السعادة" بتوازن فني يجمع بين الدراما والكوميديا، مما يعكس مهارة المؤلف "يوسف معاطي" في خلق نصوص غنية بالمشاعر. تتناول المسرحية قضايا اجتماعية معقدة بأسلوب خفيف يتسم بالذكاء، حيث تتفاعل الشخصيات في مواقف كوميدية تعكس واقع الحياة اليومية. كل شخصية تمثل نموذجًا اجتماعيًا مختلفًا، مما يُثري المسلسل بتنوع حواراته وتفاعلاته
تُبرز المسلسل جماليات اللغة والتعبير، حيث تتداخل الضحكات مع لحظات من العمق العاطفي. استخدام العبارات والمواقف الكوميدية لا يقتصر على إدخال السرور، بل يحمل في طياته انتقادات اجتماعية دقيقة. يتمثل ذلك في كيفية تأثير الطموح الشخصي على العلاقات الأسرية، وهو موضوع يتناول العديد من المشاهدين بواقعية.
تتناول الحلقات تباعًا التحديات التي تواجه الأسر المعاصرة، من تفكك العلاقات إلى الضغط الاجتماعي. يتجلى هذا البعد في الصراعات بين الأجيال المختلفة، مما يعكس التجارب المشتركة التي يعيشها الكثيرون. إن عرض هذه القضايا بشكل كوميدي يجعلها أكثر قبولاً ويساعد في نشر الوعي حولها.
تحت قيادة المخرج "رامي إمام"، يتجلى الإخراج كعنصر رئيسي في إبراز النصوص والمشاهد. نجح المخرج في خلق توازن بين الحركة والأداء، حيث تُظهر الكاميرا التفاعلات بين الشخصيات في لحظات تتراوح بين الضحك والتأمل. استخدام زوايا التصوير المختلفة يمنح المشاهدين رؤية شاملة للأحداث، مما يُعزز من تجربة المشاهدة.
بإجمال، تعد "صاحب السعادة" تجربة فنية متكاملة تجمع بين الكوميديا والدراما، مما يجعلها عملاً لا يُنسى. يقدم المسلسل بجرأة موضوعات اجتماعية مهمة، مع الحفاظ على روح الفكاهة والذكاء. تعكس هذه التجربة قدرة الفن على تناول القضايا المعقدة بأسلوب يمزج بين المتعة والتفكير.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com