وتيرة تصاعدية في إخراج سينمائي هادف موضوعيًا وشكليًا

الفيلم القصير "Shame and Glasses" للمخرج أليساندرو ريكوندا

ضحى عبد الرؤوف المل - بيروت - لبنان

بدأت توليفات القصة التي كتبها المؤلف والمخرج "أليساندرو ريكوندا" في فيلمه الكوميدي القصير الذي شارك في مهرجانات متعددة، "عار النظارات" أو "Shame and Glasses"، عندما لمسنا الخوف عند الطفل من الظواهر التي يمكن أن تثير السخرية عند الآخرين. بقالب كوميدي انحصر في الدقائق السبع، وكأن القصة القصيرة هي ومضة لفيلم قصير أخرجه "أليساندرو ريكوندا" بفنية بسيطة وبديناميكية اختزالية تغني عن ألف مشهد متكرر ضمن كلاسيكية حذفها أليساندرو. ليحافظ على وتيرة تصاعدية في إخراج سينمائي هادف موضوعيًا وشكليًا.

تخدم الصورة الحركية الموضوع دون اللجوء إلى الكلام أو فتح حوارات شفهية استغني عنها بالحركة والأداء التمثيلي الذي قام بتجسيده الصامت كل من ميركو تالون (Mirko Talon)، جنيفر كوربلاتي (Jennifer Corbelletti)، ولالينا لا كوستا (Alina La Costa).

لغة سينمائية طرحت مشكلة طفل يعاني من قصر في النظر ويخفي نظاراته عن صديقته خوفًا من أن تكتشف هذا العيب فيه. لكنه يقع في مأزق عند الامتحانات عندما يفشل في قراءة ورقة المسابقة التي يمتحن بها. فقد اقتصر المفهوم على التعبيرات الإيمائية التي كان يحاول من خلالها قراءة الأسئلة قبل أن ينتهي الوقت المحدد لذلك. لكنه لا يستطيع، برغم كل المحاولات التي باءت بالفشل. فكلما حاول وضع النظارات ليقرأ بها، يرى صديقته تنظر إليه، وهي تحاول مساعدته، وهو يسمع ضحكاتها. ولكنها أيضًا تخفي مشكلة ما لم يفهم ما هي.

الحوار السينمائي في الفيلم القصير اعتمد على التمثيل الأدائي أو التعبيري الصامت لكلا الطفلين مع إبراز واقع الصف، والصرامة التي فرضتها المعلمة المراقبة لأجواء الامتحانات. فمستوى القصة يتيح التفاعل معها بصريًا، لأنها بمتناول المشاكل الحياتية عند الأطفال التي تحدث غالبًا في الصفوف التعليمية عند استعمال النظارات لأول مرة، وهو خوف لا مبرر له، لأن كل منا لديه مشكلة ما، وهذا لا يعيب شكل الوجه. وقد اعتمد المخرج أليساندرو على هذا الحدث لإبراز الواقع المعاش عند بعض الأطفال عند بداية إعجابهم بالفتيات والمواقف التي يتعرضون لها. لتشكيل عناصر الفيلم بدينامية وحيوية تثير الانتباه وتجذب المتفرج حتى النهاية، وهو يحاول فهم ما الذي يريده هذا الطفل.

استطاع المخرج "أليساندرو ريكوندا" بث المتعة والإبهار في نقطة المشهد عند النهاية عندما يكتشف الطفل أن صديقته هي أيضًا مصابة بقصر نظر عن بعد، وبعكس مشكلته، فهو مصاب بقصر نظر عن قرب. ويكتشف ذلك عندما ترمي له ورقة ليقرأها في الصف. فيخرج محاولًا معرفة ماذا تريد. يلتقي بها، لكنها لا تراه جيدًا عن بعد، فتضع نظاراتها لتراه من بعيد، ليخبط كفه على رأسه ندمًا. لو أنه وضع النظارات لاستطاع الإجابة على أسئلة الامتحانات، لأنه انتهى الوقت ولم يكتب شيئًا. وفي هذا عنصر فجائي أدهش المشاهد الذي ختم المشهد بضحكة لامست الشكل والمضمون الذي حاكى به المخرج الفيلم والمشاهد على سواء، وبمدة قصيرة كانت كافية لمشاهد تؤدي دورها في التناغم والتعبير والإبهار الحركي الصامت الذي استطاع تأديته الطفل والطفلة بتوازن اعتمد على مصداقية ملامح الوجه، والقدرة على رسم المعاني بصمت تمثيلي أتقنه الطفل، حيث استطاع نقل القصة بفن تعبيري صامت وتجسيد عفوي محبب لدى المشاهد.

تفاعل ازدواجي بين السينغرافيا والميزانسين خلق حيوية بصرية لالتقاط حركة الصورة، وأبعادها ما بين قريب وبعيد، وتضييق واتساع، وبما يتناسب مع الموضوع وقدرة الحفاظ على بنية المشهد وتشكلاته أمام المشاهد الذي تتجاذبه الفكرة التي يقرأها بصمت "ميركو" و"جنيفر" وحركتهما المحيرة. لأن كل واحد منهما يقلقه الآخر بتصرفاته الغامضة، لاستنطاق التفاصيل بصريًا، وبآلية سينمائية ذات إخراج يتميز بدينامية تنحصر بالمعلمة والطفلين، والعلاقة السمعية بين الموسيقى والصورة والتنسيق الإخراجي الذي يجمع المفردات في صياغة مشهد أخير يرسم ضحكة غير متوقعة تفاجئ المشاهد، وتضعه أمام براءة الطفل وتفكيره المثير للضحك أحيانًا.

لغة إخراجية تتناسب مع الفئات العمرية بمختلف مراحلها، وهي بصمة خاصة بـ "أليساندرو ريكوندا". فالمتطلبات الفنية في الفيلم لم تتسم بالتعقيد، إنما استطاع تحقيق المضمون بمدة زمنية قصيرة، وبمضامين مشهدية سردية نجح في إيصالها بوسائل جمالية من موسيقى تصويرية وضوء، ومعايير مختلفة لم يكتشف من خلالها المشاهد خطة المؤلف والمخرج في رسم النهاية التي تميزت بالإبهار. إذ تميزت تقنياته في إخراج الفيلم الصامت بميكانيكية حركية أخرج من خلالها مخزون الأطفال الداخلي من مشاعر وأحاسيس، وحركة انفرد بها كل منهما بأسلوب تمثيلي متميز اتسم بالبساطة، وبالإبداع الفني لوقت قصير، ولمعاني مشحونة بالانفعالات التي تختصر لغة الكلام وبمؤثرات سينمائية خاصة ساعدت على توضيح المعنى ومنحه جمالية خاصة.

أثبت المخرج "أليساندرو ريكوندا" في فيلمه القصير أن خامة الفيلم تنضج مع وتيرته التصاعدية، كلما استطاع تأسيس مشهد يستقر في الذاكرة أو صوت موسيقى يختصر ألف كلمة أو ضحكة طفلة ساخرة، أو حركة كاميرا تتعادل فيها الموازين الضوئية تبعًا لزوايا المشهد، أو نمطية عين الكاميرا العاكسة لحركة مدروسة ضمن الكادر. فواقعية القصة تجعلها ذات خصوصية تربوية ترتبط بالتلميذ، وبمخاوفه غير المبررة أولًا، أو نقص ثقة بالذات. وهذا ما لمسناه من التكوين المرئي للنص، وكأنه يرى بعين المؤلف وعين المخرج كل ما من شأنه أن يرتقي بالفيلم إلى المحاكاة المتكاملة من موسيقى بدأت بحركة الساعة وصوت دقاتها، وحركة الأوراق بين أيدي التلاميذ، ومشهد يؤدي الحيرة المطلوبة لجذب المشاهد، وأداء موضوعي يعالج الخجل من النظارات مع مراعاة النظم السينمائية للفيلم المدعومة بمواصفات بنائية تتخذ من المشهد الحسي نقطة انطلاق لها، فالوضوح والدقة في واقعية الموضوع تعكس عصفًا ذهنيًا نلتقط من خلاله الأفكار التربوية في معالجة سينمائية هي جزء من سينما الأطفال البناءة التي تثير الوعي عند الطفل والأهل معًا.

برؤية أخرى الفيلم القصير "Shame and Glasses" للمخرج أليساندرو ريكوندا يمثل تجربة فنية فريدة، يجسد فيها تجارب الطفولة ومشاعر الخجل من خلال إطار كوميدي درامي، مما يجعله عملًا يستحق التقدير والتحليل.

يتناول الفيلم موضوعًا شائعًا في حياة الأطفال: الخجل من ارتداء النظارات. يُظهر كيف يمكن لمشاعر القلق والخوف من نظرة الآخرين أن تؤثر على تصرفات الطفل وتفاعلاته مع محيطه. القصة تركز على تجربة طفل يعاني من قصر نظر ويخفي نظاراته عن صديقته، مما يخلق حالة درامية متوترة تتصاعد مع تقدم الأحداث.

استخدم ريكوندا تقنيات إخراجية مبتكرة، حيث اعتمد بشكل رئيسي على التعبير الجسدي بدلًا من الحوار. الحركة والأداء التمثيلي يعكسان مشاعر الشخصية، مما يعزز من عمق التجربة البصرية. استخدام المساحات في المشهد وترتيب الشخصيات داخل الإطار ساهم أيضًا في إبراز التوتر بين الطفل وصديقته.

الجمالية في الفيلم تظهر من خلال التصوير السينمائي، حيث كانت الكاميرا متحركة ومرنة، تتبع الشخصيات في لحظات الانفعال. الضوء والظل لعبا دورًا هامًا في خلق جو من الخجل والقلق، مما ساهم في بناء حالة نفسية قوية تعكس الصراع الداخلي للطفل.

التعبير في الفيلم يتمحور حول استخدام الإيماءات والتعابير الوجهية. الأداء الصامت للممثلين، خاصة الأطفال، كان قويًا وجذابًا، مما سمح للمشاهدين بالتفاعل مع مشاعرهم بشكل عميق. اللمسات الطفولية البسيطة، مثل الضحك والخجل، كانت معبرة بحد ذاتها.

في النهاية، يجسد "Shame and Glasses" تجربة إنسانية مؤثرة حول خجل الطفولة ومشاعر القبول. من خلال إخراجه المبتكر وفنيته الجمالية، ينجح الفيلم في توصيل رسالة عميقة تتعلق بقبول الذات ومواجهة المخاوف. إنه عمل يجمع بين الفن والتعبير الإنساني بأسلوب مميز، ويترك أثرًا قويًا في نفس المتلقي.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com