بسام كيرلوس في حوار خاص " الفنان مسؤول عن تاريخ الفن قبل أن يكون مكلفًا بإنجاز عمل غير مسبوق."
حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل.
ترتبط منحوتات الفنان "بسام كيرلوس" بالماضي كجزء من ميثولوجيا ذات مدلولات تستجيب لمفاهيم نحتية يسخرها بقوة فعل حركي، لتحاكي حركة الزمن عبر مادة تختلط خاماتها بالأفكار التي تتضمن تاريخًا ورؤية تكوينية تتخذ من الكتل الصماء أحيانًا تجاويف تتميز بمحاكاة الطبيعة، وبفراغات ذات حركة فيزيائية تفرض بخطوطها مساحات تتناقض ما بين الظاهر والداخل عبر حركة بناها من كينونة عناصر ترتبط بنوعية المادة التي يستعملها، وفق مفهوم نحتي جوهري يتخذ من المرونة صلابته في بناء الأشكال والفراغات والأحجام، بثبات نستقرأ من خلاله المتغيرات الزمنية التي يبتكرها. لتظهر ميثولوجياته متحركة زمنياً، ونلامس الماضي بصيغة حاضر أشبه بنقطة سابحة في فضاءات مخيلته الباحثة عن التحليق أو الأبعاد العميقة الرؤيا نحتياً وزواياها الحسية المدركة، لتوازنات العمل الفني من كافة جوانبه، وبديناميكية تؤثر على الانسجام الداخلي والخارجي للمنحوتة، وتتابع تفاصيلها بشمولية ذات طابع يجذب الفكر إليها، ليستوحي من آثارها ميثولوجيا تتناسب وذهنية العمل النحتي الذي يقدمه "بسام كيرلوس" في هذا المعرض، وبما يتوافق مع الإيقاع الزمني والمكاني. لتتضح عناصر مكوناته وملامستها للطبيعة حيث تكتسب تنويعات مختلفة. مما ينعكس على حركة المنحوتات كل حسب مقاييسها وأحجامها وأشكالها ومساحاتها، وحتى الطول الاستطيقي لها الذي يحقق بنية اتصالية بمعنى كجسر يصل الماضي والحاضر مع الحركة والسكون، سواء فيزيائياً بمعناها الخارجي أو تمثيلياً بمعناها الداخلي المتآخي مع مضمون فكرة كل منحوتة قدمها بأسلوبه القديم الجديد، وهذا يولد تساؤلات كان لا بد من الإضاءة عليها من خلال حوارنا معه عن بعض المفاهيم...
"- بسام كيرلوس" والميثولوجيا، متى يبدأ بالنحت وأين ينتهي العمل؟
العمل النحتي ليس فقط كتلة ثلاثية الأبعاد يمكن رؤيتها ولمسها، فما لم يُنحت هو الأجمل والأعمق. ما وراء العمل النحتي هو أبعاد لا تنتهي للإنسان والوجود. لذلك، عمل الفنان يبقى عملية تدخل قسري للفت النظر وللايحاء، ومحظوظ الفنان الذي ينجح في الاقتراب من تلك الحقيقة. بالنسبة لي، الحقيقة بدأت بجدية مع الميثولوجيا ولم تتحقق بشكل منجز مع الدين والفلسفة، وهكذا هو الفن بدأ ويبدأ مع الميثولوجيا ويكمل في الدين ويتوه في الفلسفة، فيتوقف في لحظة غرور الفنان واذعانه بأنه اكتشف شيئًا. "ولعل بعض الكبار اكتشفوا شيئًا" من الحقيقة وجعلوا مشوارنا إلى الشمس أقرب بخطوة.
- متأثر بالمفاهيم النحتية المعاصرة نوعًا ما، وتحافظ على الأساليب الكلاسيكية في النحت، أين الخطأ والصواب في ذلك؟
العمل الفني، ولا سيما النحتي، لا يكون معاصرًا "إلا إذا استطاع أن يختزل كل الأزمنة الماضية ليستحق أن يكون معاصرًا." اليوم، اللغة التشكيلية مفتوحة على كل وسائل التعبير، والفنان مسؤول عن تاريخ الفن قبل أن يكون مكلفًا بإنجاز عمل غير مسبوق، فلا إعادة إنتاج الماضي بالأمر المشرف، ولا الغرق في موجات رائجة يقدم خدمة للفن. إنما صياغة تجربة فنية متجذرة بقالب يتبنى المفاهيم المعاصرة ويراعي إحساس الفنان، يمكن أن ينتج عنه عمل نحتي معاصر وجدي.
"- بسام كيرلوس" وميثولوجيات برونزية، هل تعيد أمجاد النحت القديم بلغة عصرية؟
إلى حد ما، فالنحت القديم متجذر في ذاكرتي ووضعيات الأجساد التي استخدمت سابقًا نقلتها من تاريخها، ومسحت عنها غبار الأمس لأضعها ضمن إطار معاصر وكأن المشهد هو مزيج من مضمون قديم بصورة إطار حديث معاصر.
- هل تعيق مادة البرونز تقنية الأداء أم أن الفكرة قوية في تكوينها وتستطيع تحدي المادة البرونزية؟
كون مادة البرونز مادة مطواعة وتحتمل التفاصيل الدقيقة، فهي تتوافق مع المواضيع التي أعالجها وبخاصة فكرة الطيران، فالحجر على سبيل المثال يمكن أن يكون عرضة للكسر في حال تم إضعاف الكتلة لضرورات التأليف. بالنسبة لي، خصائص البرونز كمادة معدنية قوية ومتماسكة بما يكفي، تسهل إبراز تفاصيل دقيقة في العمل النحتي، إضافة إلى خصوصية هذه المادة الغادرة في التاريخ، فهي تستحضر الماضي ببلاغة.
- تختلف أنواع الفراغات في أعمالك، ما الهدف من ذلك؟
إن عملية تزاوج الكتل الممتلئة بالمساحات الفارغة في النحت تشبه عملية تشابك الكواكب بالفضاء، فلا هذا الأخير جذاب بانعدام المجرات ولا هذه الأخيرة مهمة بانفرادها. إذًا، الفراغ هو جزء ضروري في العمل النحتي.
- لمست في بعض المنحوتات كتلة صماء برز فيها بعض التجاويف. ماذا تقصد بذلك؟
إن بروز بعض التجاويف هو تأكيد على تبيان المساحة المشغولة وكأنها خام، بينما الأجزاء الأخرى فهي مشغولة أكثر. ترمز هذه العملية إلى انبثاق الروح من المادة. هذا أولاً، أما ثانياً فتترك التجاويف أثراً عميقًا للمتلقي وتأخذه إلى التجاويف التي ترسمها الطبيعة على الأشجار، وخاصة الزيتون منها التي نجدها بكثرة في بلدتي.
أعمال النحات بسام كيرلوس في معرض بعنوان "Bacchanalia" في البترون شمال لبنان، 28 سبتمبر 2014 بالاشتراك مع الفنانين: لودي أبي اللمع، يزن حلواني، وليلى كبة كعوش.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com