رجل الورق ورحلة البحث عن المرأة

في فيلم التحريك الثلاثي الأبعاد (Animation) Paperman

ضحى عبد الرؤوف المل – بيروت – لبنان

يوظف مخرج فيلم "رجل الورق" (جون كاهرز) John Kahrs لغة الصورة المرئية النابعة من أهميتها في تجسيد القصة التي كتبها كليو تشانج (Clio Chiang) بتراتبية إخراجية هادئة تعتمد على قوة الملاحظة وجمالية القصة التعبيرية القادرة على الوصول إلى ذهنية المشاهد البصرية بكل تفاصيلها المدروسة فنياً. لتفتح أبواب الحقيقة والخيال ضمن مدة زمنية لا تتعدى الست دقائق والثلاثين ثانية.

تبدأ الأصوات الحسية قبل الموسيقى، من صوت مرور القطار وصوت العاصفة التي تدفع بالأوراق، لتبدأ الحركة السريعة بصمت يثير الانتباه للصورة والمعاني التي يترجمها الفعل الحركي للقصة، حيث تطير ورقة من رجل محاسب في مدينة نيويورك، وتلتصق بوجه امرأة تقف بجانبه، ليلاحظ كل منهما أن الشفاه انطبعت على الورق قبل أن تصعد هي في القطار وتذهب، تاركة الرجل بدهشة من لحظة لم ينتظرها جمعته بها.

موسيقى تصويرية تلاعب بها كريستوف بك (Christophe Beck) بمهارة تضعنا وجهًا لوجه مع فن الإصغاء والانتباه، فما بين النغمات وفواصلها هدوء ترتفع من بعده النغمات أو تنخفض تبعًا للمشهد وأحداثه، من حيث السعي وراء ورقة هي الجزء المهم في الفيلم الأبيض والأسود، والثلاثي الأبعاد. إلا من آثار شفاه حمراء، وهي اللون الوحيد المغاير في مشاهد الفيلم القصير "رجل الورق" أو المحاسب. فهل لجمال المرأة كل هذا الأثر ليعاني ما يعانيه في رحلة بحثه عنها؟

ابتعدت بالقطار قبل أن يتعرف عليها، لكنها نظرت إليه من وراء نافذة بلمحة توحي بما جعله يحتفظ بالورقة ذات الشفاه الحمراء. ليتفاجأ بها فيما بعد في المبنى المقابل، يحاول التلويح لها بيديه لكنه يفشل بعد أن يغلق المدير النافذة بغضب شديد، فيبدأ بطي الورقات التي وضعها أمامه مدير المكتب، ليبدأ العمل عليها كمحاسب في شركة، ولكن صنع منها طائرات ورقية وبدأ يرسلها لها واحدة تلو الأخرى، ليثير انتباهها فتراه، إلا أن ذلك لا يجدي نفعًا، حيث اضطر بعد ذلك إلى استعمال الورقة التي تركت عليها آثار شفاه حمراء، فيبدأ بطي الورقة الأخيرة وصنع منها طائرة أخيرة طارت وحلقت، ولكنها لم تدخل من النافذة التي يرى منها المرأة وتقع على الأرض، فيخرج مندفعًا ليلتقط الورقة، وربما يجدها بعد أن هبت العاصفة وخرجت المرأة دون أن يستطيع اللحاق بها مرة أخرى.

إلا أنه يظفر برؤيتها بعد أن تدفعه الطائرات الورقية التي صنعها نحوها، والتي وجدها متكومة في زقاق حي مر منه، فالمواقف التخيلية في الفيلم تجعل من المرأة والرجل رهينة لحظة قد تجمعهما إلى الأبد أو تفرقهما إلى الأبد، وفي هذا واقعية تصويرية وخيال سينمائي مبني على الفكرة وديناميكيتها من حيث التعبير المرئي والصامت الذي يعتمد على حركة الصورة والموسيقى، ضمن مدة كافية يستطيع من خلالها المشاهد فهم المعنى للقصة، وهذه براعة المخرج في الفيلم القصير، وقدرته على الإمساك بحبكة القصة والوصول بها نحو النهاية بجمالية سينمائية تلعب فيها العناصر الإخراجية دورها من حيث المؤثرات الصوتية والضوئية، وعدد المشاهد والبناء المضموني للصور المرئية ومعانيها الفنية، فالفيلم اعتمد على الأبيض والأسود، ليترك علامة الشفاه بالأحمر مثيرًا بذلك الحس البصري الجاذب للمشاهد.

سرد سينمائي يعتمد على بناء الفكرة ضمن مؤثرات الرسوم المختلفة، والمتصلة ببعضها ضمن رؤية المخرج للواقع المجرد حيث يصعب التقاط أداء الممثل كما يحصل في الأفلام العادية، فهو يعتمد على ثراء الخيال والصورة المرسومة بفنية دقيقة جدًا مع معادلة دقيقة في السرعة التي تحتاج لمجهود حي لينقل الأحاسيس من داخل الصورة إلى المشاهد، وبشكل جاذب. وهذا ما استطاع من خلاله المخرج "جون كاهرز" نقل المضمون القصصي ببراعة إخراجية، وضمن مدة محددة، ليوحي بواقعية تمثيلية مرسومة على ورق وبإيحاء خيالي لكل ما هو مضحك أو ناتج عن المواقف غير المتوقعة، وضمن فكرة اللقاء القدري بين المرأة والرجل، وما ينتج عنها من مفارقات قد لا نراها ونحن في خضم العمل الذي يسرق من ثواني حياتنا دون أن نشعر. وبهذا يكون الفيلم قد منح رسالة إنسانية تتعلق بجمالية الحياة التي تعتمد على الرجل والمرأة في خلق المواقف التي تدفع بنا نحو مسارات لم نتوقعها، فنسايرها لأننا نحتاج هذه العاطفة النابعة من التكوين واحتياج كل من المرأة والرجل لبناء أسرة تكتمل بها الحياة.

دمج "جون كاهرز" بأسلوب فني بين التحريك كسرعة عدد الصور والرسوم ضمن برامج الكمبيوتر الخاصة مع الطريقة التقليدية للرسم باليد، وقد نال الفيلم جوائز عديدة بعد أن تم ترشيحه لجائزة الأوسكار، فقد استطاع تكنولوجيا خلق نقلة نوعية في أفلام التحريك، بالإضافة إلى أن الفيلم استطاع جذب المشاهد بكافة عناصره الفنية من قصة ذات حبكة جيدة ورؤية إخراجية واسعة الخيال، ومن موسيقى وما إلى ذلك من وسائل اعتمد عليها لنجاح فيلمه الذي أنتجته شركة والت ديزني "رجل الورق" (Paperman).

يرؤية أخرى فيلم "رجل الورق" هو عمل فني متميز يمزج بين أساليب التحريك التقليدي والرقمي. يبرز المخرج جون كاهرز قدرة استثنائية على استخدام عناصر الحركة والصورة لتعزيز الرسالة العاطفية. تتمثل إحدى نقاط القوة الرئيسية في الفيلم في استخدامه للصور البصرية لخلق عمق سردي، مما يجعل المشاهد يشعر بارتباط عاطفي قوي بالشخصيات.

تدور القصة حول لقاء عابر بين رجل وامرأة، وتتناول مواضيع الحب، والفقدان، والأمل. تساهم التعابير الوجهية والحركة الجسدية في نقل مشاعر الشخصيات بطريقة صامتة ولكن مؤثرة. يعتمد البناء الدرامي على لحظات الهدوء والصمت، مما يتيح للمشاهد فرصة للتفكر في المشاعر العميقة التي يتعرض لها الشخصيات.

استخدم كاهرز تقنيات بصرية مبتكرة مثل الألوان المتضاربة، حيث يتم تقديم الفيلم بالأبيض والأسود مع لمسات حمراء، مما يبرز أهمية الحب والحنين. تلعب الشفاه الحمراء دورًا مركزيًا في السرد، حيث تصبح رمزًا للعاطفة والتواصل المفقود. هذا الاستخدام للغة البصرية يجعل الفيلم يبرز في عالم التحريك.

تلعب الموسيقى التصويرية، التي أعدها كريستوف بك، دورًا محوريًا في تعزيز الأجواء الدرامية. تساهم النغمات المتغيرة في خلق تباين بين لحظات الحزن والفرح، مما يزيد من تأثير اللحظات الرئيسية في القصة. تتكامل المؤثرات الصوتية مع الحركة البصرية لتعميق التجربة المشاهد، مما يجعل كل حركة وكل نغمة تحمل دلالة خاصة.

يعتمد الفيلم بشكل كبير على التعبير الحركي، حيث تتحرك الشخصيات بطريقة تنقل مشاعرها وأفكارها دون الحاجة للكلمات. تظهر الحركات البسيطة، مثل الطيران بالأوراق، كرمز للأمل والسعي، بينما تعكس التعبيرات الوجهية مشاعر القلق والحنين.

الجمالية التعبيرية في "رجل الورق" تعكس روحانية الحب والارتباط الإنساني. يتم استخدام الفضاء بشكل ذكي لتعزيز الشعور بالوحدة والفراغ، مما يزيد من تأثير اللحظات الدرامية. الفيلم يقدم نظرة عميقة إلى الأبعاد النفسية للشخصيات، ويبرز كيف يمكن للحظات العابرة أن تترك أثرًا دائمًا.

في المجمل، يمثل فيلم "رجل الورق" تجربة فنية متكاملة تمزج بين الإبداع البصري والدرامي. يتمتع العمل بإخراج رائع يجمع بين الجوانب الفنية والحركية بشكل يجعله تجربة فريدة من نوعها. إن بساطة القصة تعزز من عمق الرسالة الإنسانية، مما يجعله أحد الأفلام الرائدة في عالم التحريك المعاصر.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com