الرؤية الكلاسيكية للدراما العربية "شمس"
ضُحى عبد الرؤوف المل
بيروت – لبنان
"يا شمس قومي ونوري، وتحرري من السحاب الغميق، ليه تيأسي وتستسلمي اتكلمي، ادام عينيكي الطريق ليه قلتي آه، والكل تاه مليون حياة في لحظة شروق. الحلم احنا بنزرعوا والأرض بور."
كلمات تتر بداية ونهاية تناغمت مع الفكرة الأساسية للدراما، حيث استطاع كاتب الأغنية "نبيل خلف" اختصار الحلقات بالمعاني الغارقة بالصور الشاعرية. كما أضاف صوت الفنان "وائل جسار" رومانسية ساعدت على جعل شارة البداية والنهاية من العناصر الفنية المكملة للمسلسل. فقد حافظ المخرج "خالد الحجر" على الرؤية الكلاسيكية للدراما العربية "شمس"، الذي قامت فيه بدور البطولة النجمة "ليلى علوي"، إلى جانب الفنانة القديرة "سميرة عبد العزيز" والفنان القدير "جميل راتب"، الذي منح المسلسل عاطفة أبوية غارقة لرجل شرقي لم يغادره الحب حتى الموت.
إضافة إلى تعرضه لأزمة مالية تسبب فيها محاميه دون معرفة ابنته لذلك، إذ تتعرض فجأة لتغيرات اجتماعية استطاعت من خلالها التغلب على مرضها الوسواس القهري، حيث يحاكي الكاتب "علاء حسن" مواضيع اجتماعية نعيشها على مسرح الحياة. إلا أن ديناميكية السيناريو تراوحت بين البطيء والسريع، لتفقد بعض المشاهد حوارات ساخنة كانت تحتاجها لنفهم قضية المحامي بدون الروتين الذي أغرقنا أحيانًا ببرود المشاهد، التي كانت تحتاج لحبكة حوارية ومشهدية تنسجم مع بعضها.
أحداث اجتماعية متتالية تتعاقب على "شمس" المريضة نفسيًا، والغير قادرة على الخروج من أزماتها، فهي عاشت في بيئة مترفة وضمن معيشة ذات رفاهية خاصة. إلا أنها تفقد كل امتيازاتها فجأة بعد تعرض والدها للحجز على أمواله وموته المفاجئ بعدها، وبذلك تختلف مسيرة حياتها، لأن الإنسان كلما تعايش مع مشاكل الآخرين وانخرط بالمجتمع استطاع الرؤية بشكل أفضل، واستطاع نسيان ما يتعرض له من أزمات، لندخل مع شمس في تجاربها حيث ألقى الضوء "علاء حسن" على جملة من النوعيات الاجتماعية بمختلف مستوياتها المادية والاجتماعية. لنشعر أن المسلسل هو مشاهد مقتطعة من الحياة يعالج من خلالها شتى الموضوعات التي تتجدد مع الزمن، ولهذا أحس المشاهد بروتينية الأحداث. بل وتخطى ذلك ليشعر أن المسلسل يترك إحساسًا أنه قد شاهد حلقاته حسيًا من قبل، وتحت عناوين مشابهة. فهل أرادت النجمة "ليلى علوي" الحفاظ على كلاسيكية أدوارها في الدراما العربية؟ أم أن الكاتب وضعنا على مسرح الحياة وجهًا لوجه، لنكتشف بيئة الإنسان الميسور ماديًا ومشاكله النفسية الناتجة عن الإفراط في الدلال أو الخوف من المجهول؟
إخراج هادئ حافظ على مستوياته الكلاسيكية في الحلقات كلها، فالأسلوب الإخراجي لم يحمل أي جديد. كما أن الأسلوب التصويري استطاع مواكبة المخرج والممثل بنفس الوتيرة، إلا أن التصوير الخارجي تميز بالوضوح والحس الجمالي. كما تميزت الموسيقى التصويرية "لخالد داغر" بترجمة إيقاعية متناغمة مع الحس الداخلي للمشهد، لينسجم معها المشاهد وفق تأثرات الأداء التمثيلي الذي بالغت فيه أحيانًا الممثلة "ليلى علوي" من حيث الفعل وردة الفعل، والاستئثار بحب والدها وحب المربية، التي قامت بدورها الممثلة القديرة "سميرة عبد العزيز"، التي انتقلت للعيش معها. فما بين أبناء ابنتها والابنة التي لم تنجبها، واهتمت بها كمربية، صلة مشتركة من حيث العطاء والمحبة والالتزام الإنساني. إلا أن المشاكل العائلية للمراهقين في بيئة متوسطة تختلف عن البيئات الأرستقراطية، وهذا ترك المشاهد في حالة تحليل ذهنية خرج منها بأن من يزرع الحب يجد الحب بسهولة لا تعقيد فيها، حيث سهولة الخروج من كل مأزق تقع فيه العائلة، وإن طالت أزماتها الحياتية. فقيمة الحياة بتجاربها الغنية بالوجع، والفرح، والتنوع، والمرض، والشفاء، والموت، والحياة، والزواج، والطلاق، وما إلى ذلك من المعاني التي تركها الكاتب "علاء حسن".
لم تتآلف "ليلى علوي" مع الممثلين من حيث الأداء التمثيلي، لنشعر وكأنها أرادت أن تنفرد بقدراتها لتتميز في مسلسل "شمس"، إذ لم تقدم أي جديد تمثيلي، وكأن الدور ارتسم لها لتبقى ضمن أناقة تمثيلية بالغت فيها. فشمس المدللة الأفلاطونية في الحياة تعتمد على الصدق والحب، والناس المسخرة من حولها لخدمتها، وفي هذا خروج عن الواقع، بل وأحيانًا كأنها الفانوس السحري للبعض. تحقق الأماني وتساعد الفقراء، وتقف قرب العجائز والأيتام مع إبراز الوجه الآخر لبعض صديقاتها اللواتي كن أشبه بخيوط لم يتم حبكها بطريقة درامية صحيحة، فلم تضفِ وجودهن أي أهمية، حيث أتى مواضيعهن أو حواراتهن ناقصة، خصوصًا حين ذهبت لأحداهن بوصفها عاملة تجميل، فيحذرها العامل السابق في قصرها أنها تريد إيذائها نفسيًا. كما لم يتسع المعنى التمثيلي ليشمل الواقع الاجتماعي بما يخص ظهور الخال وابن الخال فجأة، وكأن العناصر المساعدة لها تتقافز فجأة في المشاهد التي لم تثر دهشة المشاهد، ولا الحس الفني بمعناه العصري المتجدد تمثيليًا وإخراجيًا، وكأن المسلسل جاء من الماضي، ولكن حمل روح قصص "ألف ليلة وليلة" والرومانسية لأميرة أحلام هي "شمس" الباحثة عن عالم لا شر فيه. فهل استطاع المخرج في مسلسل "شمس" الاهتمام بالمحتوى المعنوي للمسلسل الهادئ بمواضيعه البسيطة اجتماعيًا؟
برؤية أخرى مسلسل "شمس" هو عمل درامي يستحق النظر إليه من عدة زوايا، سواء من الناحية الإخراجية أو الكتابية. يتناول العمل مواضيع اجتماعية ونفسية تلامس قضايا الإنسان المعاصر، مما يجعله نقطة انطلاق مثيرة للاهتمام.
السيناريو المكتوب من قبل "علاء حسن" يظهر قدرة الكاتب على التقاط نبض الحياة اليومية، حيث يعكس المعاناة الإنسانية بشكل واقعي. تناول الشخصيات بشكل عميق يجعل المشاهد يتفاعل معها، رغم أن بعض الحوار قد يبدو روتينيًا في أحيان كثيرة. القدرة على خلق مواقف درامية تعكس الأزمات النفسية والاجتماعية كانت واضحة، إلا أن التسلسل السريع للأحداث في بعض اللحظات أثر على عمق التناول، مما أضعف بعض المشاهد.
الإخراج تحت قيادة "خالد الحجر" يتميز بالهدوء، حيث حافظ على الرؤية الكلاسيكية للدراما العربية. ومع ذلك، فإن افتقار الأسلوب الإخراجي للتجديد أثر على تأثير العمل. بينما كانت بعض المشاهد الخارجية واضحة وجميلة، كان هناك انطباع عام بعدم وجود طاقة جديدة تدفع القصة إلى الأمام. الاستمرارية في الأسلوب الإخراجي جعلت بعض الحلقات تبدو متشابهة، مما أدى إلى شعور المشاهد بالروتين.
الموسيقى التصويرية لـ"خالد داغر" لعبت دورًا كبيرًا في نقل الأحاسيس الداخلية للشخصيات. الموسيقى كانت متناغمة مع مشاهد الصراع والتوتر، مما أضاف عمقًا دراميًا. في المقابل، أداء الممثلين كان متباينًا، حيث بدت "ليلى علوي" في بعض الأحيان وكأنها تحاول الحفاظ على سمة الأناقة، دون الانغماس الكامل في شخصية "شمس"، مما أثر على مصداقية التجربة.
الجوانب الجمالية للعمل كانت ملحوظة في التصوير والإضاءة. التنوع في الإعدادات أضاف طبقات بصرية تسهم في تعزيز الشعور بالمكان والزمان، ولكن في بعض الأحيان كان هناك افتقار للتجديد الذي قد يجعل العمل أكثر جذبًا.
تناول المسلسل موضوعات الحب، الفقد، والتغلب على الصعوبات. الشخصيات كانت تعكس جوانب من النفس البشرية التي نعيشها جميعًا، مما يجعل العمل ذو صلة بالجمهور. لكن، في بعض الأحيان، كان هناك إحساس بأن النص قد تجنب الغوص عميقًا في بعض التعقيدات النفسية، مما أثر على تأثيره.
في النهاية، يظل "شمس" عملًا دراميًا يحمل الكثير من الإمكانيات، لكن مع وجود بعض العوائق التي تؤثر على العمق والمصداقية. يجسد المسلسل تجربة إنسانية تتناول قضايا اجتماعية ونفسية معقدة، ولكنه يحتاج إلى تجديد في الأسلوب الإخراجي والعمق في الكتابة ليصبح أكثر تأثيرًا وجاذبية.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com