حورات فنية مفتوحة سيميائياً وذات مخزون جمالي متكون من عصور فنية سابقة.
ضحى عبدالرؤوف المل
تتماثل المعاني الفنية في لوحات الفنان "عز الدين شموط" من حيث شفافية اللون ورقة التصورات الفنية، وكأنه يمزج بين ميثولوجيا الحب وسريالية شاعرية تميل نحو الأجواء الغرائبية التي تنتزع من النفس سلبياتها، وتضعها أمام اللوحة كمرآة تعكس الجوانب الداخلية بكل مؤثراتها الإدراكية والحسية، الناتجة عن اللون والحركة والشخوص السابحة في فضاءات تصف جمالية الكينونة البشرية للمرأة، والأسس المغايرة لبنية اللون الأزرق التي تحاكي المراحل الزمنية للبشرية، وفق تدرجاته المثيرة للبصر. وكأنه يمنح البحر والسماء ازدواجية يفتح من خلالها أبواب الحلم، ليغني نوازع النفس بسلبياتها وإيجابياتها، وليمسك المتلقي بالواقع بعد أن يستفيق من سحر لوحاته، والألق الفني الأسطوري المتعدد بجوانبه الرؤيوية وأشكاله الخفية المفعمة بالأحاسيس الشاعرية والرغبة في الانطلاق نحو الحياة، حيث تكثر الإيحاءات وتختلف تحليلاتها تبعاً للمتلقي وأفكاره، وحواسه لرؤية ترك فيها معاني مختلفة من ميثولوجية تصويرية وأسطورة لون أزرق يعج بالضوء، وحلم يسترسل مع كل حركة يخالف فيها رسوماته، كأضداد تؤكد على الأزمنة المختلفة وما إلى ذلك من الرؤى الفنية.
يثير الفنان "عز الدين شموط" إشكاليات فنية متعددة، إلا أنه يجمع بتناص فني زمنيات فنية مختلفة، ليوحي بمصداقية لوحته التي تخرج من نفس تميل نحو كينونة الإنسان العامرة بالأحلام، مع ما يتركه من رموز تمتزج بشرقيتها، وبصياغتها الجمالية من الحكايا الإنسانية المرسومة بفكر معاصر يجمع بأيقونية تخالف التقنيات التشكيلية، وتتوافق معها من حيث الاتساع البصري والتماهي، والخيال، والواقع، والسريالية، والليونة الحسية في تموجات اللون، ومحاكاته للضوء بتقنية تميل نحو الفواتح والصفاء الملائكي التصوفي الذي يعيدنا إلى المخلوقات المجنحة والعوالم الماورائية، بعد فكري وحورات فنية مفتوحة سيميائياً، وذات مخزون جمالي متكون من عصور فنية سابقة. تأثر بها وبجماليات تتراكم في أجزاء اللوحة بدينامية خيالية جامحة، وضبابية ترفعنا نحو المثل العليا بحيوية فلسفية غارقة بالحب والفن والجمال.
فواصل فراغية تحفيزية يرسمها "عز الدين شموط" بين مسافات اللون الواحد، وضمن علاقة ترابطية داخلية هي جزء من فصل الخيال عن الواقع، وبنقش معقد تلعب الضبابية فيه دورها في تموجات الضوء. للحفاظ على معنى الحياة ووجودها المتمثل بالمرأة وطبيعتها التي تميل نحو الخلود، وبرمزية أجنحة تخيلية أو أسطورية. إلا أنها ذات علاقة مضمونية كتعبير عن حاجة المرأة للرجل وللحب، وبالعكس. فالصياغة التشكيلية تتجلى في الشكل الإنساني بشكل عام، باعتباره ذا مقاييس ذهبية لا يمكن اختزالها عند المرأة، فهي تتميز بقيمة فنية وحياتية وجمالية، وحتى ميثولوجياتها الخاضعة لتأويلات تاريخية، وحكايا لعبت فيها الأساطير دوراً مهماً، حيث تناغمت ريشة الفنان "عز الدين شموط" مع إظهار التأثيرات العاطفية والانفعالات الرومانسية، وفي تمجيد التفاصيل الفكرية والملامح الشرقية المندمجة مع غربية حسية ونشوء تصويري ذي مفهوم خاص.
ترتبط المعاني الفنية في لوحات الفنان "عز الدين شموط" باللون الأزرق الهادف إلى بث الاسترخاء النفسي والهدوء الموحي بالسلام الداخلي، والجمال المرتبط بمعنى الحب والحياة، والارتقاء بالأحاسيس نحو روحانية العلو عن الشكل المادي نحو الأثيري أو التخيلي. ليتماهى الحس مع الفكرة الأساسية لكل لوحة، والعمق الموضوعي لذاتية شخوصه، ومراحل حركتها عبر التاريخ، وضمن اللوحة وبتوأمة سيميائية استطاع من خلالها "عز الدين" المزج بين مختلف الثقافات والمدارس الفنية. فالنشوء التصويري في لوحاته يرمز إلى ميثولوجيات أغريفية تخضع لفكرة شرقية متمسكة بمبادئ المخلوقات المؤنسنة، والمبتعدة عن فكرة الآلهة في حقيقتها الأرضية، فالزخارف التي تنتمي إلى جمالية ثنائية تجمع بين الحلم والحياة، كما تجمع بين الخيال والسريالية والتعبيرات العاطفية المشحونة بفلسفة الحب والجمال، وتطورات الميثولوجيات عبر التاريخ وصولاً للزمن المعاصر وللجمال بمعناه الآخر.
يحاول الفنان "عز الدين شموط" انتزاع فكرة الصراعات التي تتجسد بثنائية الرجل والمرأة، وبالحياة والموت، وبالوجود والعدم، ليبحر من خلال اللون الأزرق نحو تموجات تخيلية مبنية على صيغة الواقع، كقوة تنفي كل الميول الأخرى من حلم وسحر وسريالية، وما إلى ذلك بعد الاندماج معهم، وبتأثير فني يضم جماليات مختلفة من حيث تنوع الحركة والضوء، وسكون اللون الملتحم مع المفهوم الجمالي الذي ينبثق من كينونة المرأة المتعلقة بالحياة البشرية، والحياة الماورائية على السواء، وضمن ازدواجية الواقع والخيال التي تؤدي إلى ابتكار تشكيلي يجمع بين الماضي والحاضر. لتحاكي اللوحة المستقبل برومانسية هي جزء من المفهوم الكوني لطبيعة الحياة والجمال، وتلهف المرأة للعثور على ذاتها حيث الارتقاء بالنفس دون الجسد، وأيضاً الانتقال حسياً من جمال إلى جمال، وبحركة انتقالية تتضاد فيها مسارات الخطوط واتجاهاتها المتناغمة مع إيقاعات اللون والامتداد التخيلي المؤثر في نسبية التموجات والانحناءات المتمثلة بليونة الحركة للأشياء، وتذبذب إيقاعات الشكل بين الحلم والواقع وسردية الحكايا المتداخلة مع الصور التخيلية، كوصف يدفع اللوحة نحو أجناس فنية ذات محتوى لوني تثير جمالية في النفس.
برؤية أخرى يعتبر الإيقاع البصري من العناصر الأساسية في الفنون التشكيلية، حيث يلعب دوراً مهماً في نقل المشاعر والأفكار، كما يُسهم في خلق تجربة جمالية فريدة لدى المتلقي. يتميز الإيقاع البصري بتكرار الأشكال والألوان والأنماط، مما يخلق تناغماً يُشعر المشاهد بالحركة والانسجام.
يعتمد الفنان في لوحته على تكرار بعض العناصر مثل الألوان والأشكال، مما يخلق شعوراً بالاستمرارية. يمكن أن يُستخدم اللون الأزرق مثلاً، ليس فقط كخلفية، بل كعنصر متكرر يمثل مشاعر محددة كالهدوء أو الحزن.
تُعتبر الخطوط من العناصر الجوهرية في تشكيل الإيقاع البصري. يمكن للفنان استخدام خطوط منحنية أو حادة لخلق إحساس بالحركة. الخطوط المتدفقة قد تعكس مشاعر السعادة أو الهدوء، بينما الخطوط الحادة قد تشير إلى التوتر أو الصراع.
استخدام الفراغ بشكل مدروس يسهم في خلق توازن بصري. يجب أن يُنظم العمل الفني بشكل يُتيح للعين الانتقال بسلاسة بين العناصر، مما يعزز الإحساس بالاستقرار أو الحركة حسب رغبة الفنان تؤثر الألوان والأشكال على الحالة النفسية للمتلقي. اللون الأزرق، مثلاً، يُرتبط بالهدوء والسلام، بينما الأحمر قد يُثير مشاعر الحماس أو الصراع. استخدام الألوان بشكل موجه يمكن أن يُحدث تأثيرات مختلفة على انفعالات المشاهد. كل متلقي لديه تجربة فريدة تؤثر في استجابته للعمل الفني. تساهم الخلفيات الثقافية والتجارب الشخصية في كيفية تفسير الأشكال والألوان، مما يجعل الإيقاع البصري أداة قوية للتواصل العاطفي.
يجب أن يسعى الفنان إلى خلق تناغم بين العناصر المختلفة. التباين بين الألوان والأنماط يمكن أن يُبرز معاني معينة ويجذب الانتباه إلى مناطق محددة في العمل، مما يُعزز من تجربة المشاهدة.
يمكن استخدام الإيقاع البصري لخلق إحساس بالعمق في العمل، حيث تُستخدم تقنيات مثل تدرجات الألوان وظلال الضوء لإضفاء بعد ثالث على اللوحة، مما يجعلها أكثر تفاعلاً وحيوية. في النهاية يمكن القول إن الإيقاع البصري يُعتبر عنصرًا حيويًا في التعبير الفني، حيث يلعب دوراً أساسياً في إيصال الأفكار والمشاعر. من خلال التكرار، الحركة، والتوازن، يمكن للفنان أن يخلق تجربة جمالية متكاملة تُثري نفس المتلقي وتُعزز من تفاعله مع العمل. إن استثمار الفنان في هذه العناصر يساهم بشكل كبير في خلق تجربة فنية متكاملة تُحفز الخيال وتعكس الجوانب النفسية العميقة للحياة البشرية.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com