غزة تنادي (Gaza Calling)

معبر دمعة من رام الله والضفة إلى غزة

تنقسم الرؤية الإخراجية في فيلم "غزة تنادي" إلى مشاهد عميقة مختلفة من حيث تسليط الضوء على مواضيع أساسية وثانوية، مع الحفاظ على ديناميكية التسلسل في المشاهد الحياتية المصورة من خلال عائلة خرج ابنها للدراسة في الضفة الغربية، أي من فلسطين إلى فلسطين. لم يستطع رؤية الأهل إلا من خلال شبكات التواصل الاجتماعي أو الهاتف، ولكنه استطاع بث الأحاسيس المختلفة وهو يروي سينمائيًا تفاصيل الأوجاع الفلسطينية الاجتماعية الداخلية بشكل خاص، والخارجية بشكل عام، حيث يمنع الفلسطيني من مغادرة مدينته وحتى بلده إلا بتصريح إسرائيلي يوافق أو لا يوافق، لتبدأ المساعي المستعصية في العودة إلى الداخل أو الخروج النهائي من الوطن.

وثائقي تمثيلي صريح العبارة، قوي الرؤية ومتين المعنى حتى في التفاصيل البسيطة الموجعة أو الساخرة، أو حتى تلك التي يشعر بها المتلقي بالعجز من الخروج والدخول إلى وطنه المسلوب من صهاينة يستبد كل منهم بالمواطن الفلسطيني، حتى من خلال مؤسسات حقوق الإنسان التي تلتزم بقوانين مفروضة عليها من قبل السلطة الإسرائيلية. وفي الكثير من الأحيان، تلتزم بالقوانين المفروضة عليها، وهذا ما ترك المخرج يسلط الضوء على الألم الذي يشرحه بأسلوب أمومي عاطفي، وعقلانية المرأة الفلسطينية القادرة على الوقوف بثبات في كافة المجالات حتى الموجوعة منها. لنعيش مدة 64 دقيقة من الفيلم مع المشاهدة الحيوية للحياة في رام الله أو غزة أو حتى تلك المدن المحاطة بحواجز إسرائيلية لا تحترم حقوق الإنسان، عجوز أو طفل أو امرأة، وما إلى ذلك من حياة اجتماعية ينقصها الحريات العائلية التي غالبًا ما تتواصل مع بعضها عبر الهاتف أو شبكات التواصل الاجتماعي.

في فيلم "غزة تنادي"، تتحدى الأسرة كل اغتراب يتسبب به الصهاينة، فلا يأس من تكرار المحاولات ولا من تدني مستوى الإعلام في الأراضي المحتلة، الذي يهتم بأشياء مختلفة بعيدة عن القضية الفلسطينية. لأنه مراقب أو محدد بمواضيعه المطروحة، والتي منحتها المخرجة مشهدًا يثير الضحكة الملغومة بوجع اختبأ داخل صدر الأم وصدر الابن في الوقت نفسه، وكان فلسطين تئن في هذا الفيلم الوثائقي الطويل الشبيه بفيلم ذي حبكة وموضوع وشخصيات لكل منها نكهة وطن أو مدينة وطباع مختلفة. وحتى حين تتحدث الأم عن القمصان الداخلية التي تشتريها لابنها ولا تستطيع إرسالها له، بخلاف التواصل عبر المحمول وشبكة الإنترنت، لأنها النافذة الوحيدة التي تطل منها على ابنها لتراه يكبر طيلة سنوات الدراسة.

بداية مشهد رسمت خطوطه على الرمال، فهل يفصل بحر الأبيض المتوسط بين المدن الساحلية كما تفصل إسرائيل المدن عن بعضها؟ أم إن لبحر غزة سمة خاصة في نفس المخرجة "ناهد عواد"؟ فالبداية تشير إلى الغموض والغوص في معالم الوطن المستقر في قاع يصعب انتشاله منه ما لم نبحر في القضايا المطروحة في هذا الفيلم الوثائقي المصحوب بشهادات اغترابية صادقة، لا يستطيع الكلام عنها بحس عاطفي ومنطق الإنسانية إلا من عاش قساوتها واستطاع نقل الوقائع إلى أكبر شريحة من الناس أو إلى العالم بشكل عام.

إن المعابر تشكل أزمة حقيقية يظهرها الفيلم بصدق وعفوية، وبساطة تصويرية تهتم بالتفاصيل المحاكية للموضوع الساخن الذي تفتحه المخرجة "ناهد عواد" بحنكة وجمال، وبعيدا عن الرتابة أو الضجر. فالتنقل الديناميكي بين المشاهد يضعنا أمام العاطفة، فنتأثر، أو أمام العقل، فلا يصعب عليه تحليل ما تريد إيصاله في هذا الفيلم الوثائقي الغني بالتوثيق والشواهد الحقيقية التي تجري على أرض فلسطين، وقد يعتبرها البعض جزءًا حياتيًا عاديًا، بينما هي أخطر من الأمور الأخرى التي يتأزم منها الفلسطيني، وتسبب له الكثير من الإحساس بمرارة الاحتلال على أرضه.

صراعات يومية تمثل المخاوف من العودة الحقيقية أو الحرية التي ينشدها الشعب الفلسطيني من خلال فيلم مصغر على بعض المعاناة الفلسطينية، وبمؤثرات طبيعية في غالبها، بل ومنقولة من الشوارع والمعابر، ومن الواقع المسجل في لقطات دخلت بوثائقيتها إلى فيلم أبدعت فيه المخرجة في طرح الموضوع وجمع خيوطه لتحبكه إخراجياً بفنية مؤثرة في النفس، بل وتترك آثارها في نفس المتلقي الذي يتابع بشغف المشاهد المتتالية حتى يصل إلى غزة وقد أنهى دراسته التي ربما لن يجد عملًا في اختصاصه هذا، ولكن لا بد من التضحية ومن تقديم ما هو مساعد لعودة الحرية لأبناء فلسطين.

تنقلت عين الكاميرا مع المشاهد بحرية يدوية، كان التصوير ذاتيًا أو جزءًا يوميًا من الواقع الفلسطيني ومعاناته، حتى في أدق الأمور عند الضحكة والدمعة أو التحضير للعودة، ومعرفة حتى رقم حذاء الأب ليشتري الهدايا أو محل الملابس لاختيار هدية للأخت الصغيرة التي كبرت في غيابه، مع الحفاظ على الموسيقى التصويرية والأصوات الطبيعية للأمكنة الحميمية، كبحر غزة، والشرح التفصيلي لبداية هي البداية فعلاً، حيث ما تجمعه الطبيعة والحياة الإنسانية بفطرتها ينفصل بطبيعة الشرور في النفوس الإسرائيلية.

"ناهد عواد" والإخراج الوثائقي المرتبط بالقضية الفلسطينية.

يعد فيلم "غزة تنادي" من الأفلام الوثائقية المهمة التي تبرز واقع الحياة الفلسطينية المعاصر. يحمل الفيلم في طياته رسائل إنسانية عميقة تعكس معاناة الشعب الفلسطيني، كما يقدم رؤية فنية تعبر عن التحديات اليومية التي تواجهها الأسر الفلسطينية. تتبنى المخرج "ناهد عواد" أسلوباً إخراجياً يعتمد على المزج بين الوثائقي والدرامي. تبرز الكاميرا تجارب شخصية لعائلة تعيش حالة من الفراق، مما يعكس شعور الاغتراب الذي يعاني منه الفلسطينيون. يتميز الفيلم بتسلسل المشاهد الديناميكي، حيث تتنقل الكاميرا بين الأماكن المختلفة، مما يخلق إحساسًا بالتوتر والترقب.

يرتكب البناء الدرامي في الفيلم عنصر الازدواجية بين الفرح والحزن. تبرز اللحظات اليومية العادية في حياة الشخصيات، مثل التواصل عبر الهاتف والشبكات الاجتماعية، مع تصوير الأوجاع الناجمة عن الفراق. هذا التباين يخلق مشاعر متناقضة لدى المشاهد، مما يجعل التجربة أكثر تأثيرًا.

تتجلى الجمالية الفنية في استخدام الألوان والإضاءة. تساهم الألوان الدافئة في خلق جو حميمي، بينما تعكس الألوان الباردة مشاعر الفراق والوحدة. بالإضافة إلى ذلك، يعتمد الفيلم على الموسيقى التصويرية التي تعزز من المشاعر، حيث تتناغم مع الأحداث وتدعم الرسالة العاطفية للفيلم.

يظهر الفيلم قدرة المخرجة على التعبير عن المعاناة الفلسطينية بشكل مؤثر. يستخدم الحوار البسيط لكنه العميق لنقل مشاعر الشخصيات، مما يسمح للجمهور بالتواصل مع معاناتهم. تعكس العبارات التي تتبادلها الشخصيات قوة الروابط الأسرية، حتى في ظل الظروف الصعبة.

ينقل الفيلم رسائل متعددة تتعلق بالصمود والأمل. يُظهر كيف يمكن للأسر الفلسطينية أن تحافظ على روابطها رغم الحواجز الجغرافية والسياسية. كما يعكس مدى قوة المرأة الفلسطينية وقدرتها على تحمل الأعباء، مما يضيف بعدًا إنسانيًا وجماليًا آخر للفيلم.

بشكل عام، يُعتبر "غزة تنادي" وثيقة سينمائية تلامس القلب وتعبر عن الروح الفلسطينية. يقدم الفيلم تجربة بصرية ووجدانية تتيح للمشاهدين فهم الأبعاد الإنسانية للصراع الفلسطيني. من خلال الإخراج المتميز، البناء الدرامي المدروس، والجمالية الفنية اللافتة، يستحق الفيلم أن يُشاهد ويُناقش في الأوساط الثقافية والفنية.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com