كلاسيكية الفن القديم ولغة الطباعة الحجرية في الفن المعاصر

ضحى عبدالرؤوف المل

يحبك الفنان "جان هندريكس" خطوطه المتشابكة بنقش حبر يجمع بين الفاتح والداكن، مع نواحي جمالية تتسق رؤيويًا مع مفاهيم الطباعة الحجرية، ولمسات محفوفة بجذور الطبيعة الإنسانية المحفوفة بالفروع المترجمة لخيال الرائي، ولكيفية الجمال الزاخر بحبك خطوط تكشف عن تكوينات صاخبة بتراكمات رسومات ذات حقائق طبيعية. يحولها الفنان "جان هندريكس" جغرافيًا إلى خيوط نسترشد بها، لنتابع بالبصر التخيلي الأشكال الإيحائية التي تنبع من عوامل تشكيلات تتماشى مع أبجدية الطباعة الحجرية، والقدرة على محاكاة تتسع لعقائد تكوينية تعيدنا إلى كلاسيكية الفن القديم ولغة الطباعة الحجرية في الفن المعاصر، المحاكي لفنون تمثل مختلف العصور، حيث تخدم النقوش الرؤية الفنية لهذا النوع من الفن.

يبث الفنان "جان هندريكس" عوالمه الجمالية الموحية بطبيعة بكر أو بخطوط الحياة المختلفة، والتشابهات المتكررة إيقاعيًا، وبلمسات من الفراغات المتناسقة مع بعضها البعض من حيث الانسجام البصري، والتكوينات العشوائية التي تفتح الأطر الحسية عند المتلقي، وتكشف عن انعكاسات ابتكارية لرؤية العالم من منظور فني غارق بتفاصيل تتصادم فيها العناصر الفنية مع الضوء والظل والعتمة. ليكشف عن تميز برع من خلاله في توزيع الظلال والضوء بين الخطوط والفراغات، ليحاول الرائي التدقيق في الخطوط لاستكشاف المعنى المخفي بين طيات اللون والخطوط الدقيقة المثيرة للدهشة. فالرسم التخطيطي في لوحات الفنان "جان هندريكس" يعبر عن لحظات تجمعت مع التاريخ الفني للحياة البشرية التي توحي بها اللوحات الجذابة للعقلانية، وللانفعالات العاطفية المتعلقة بالخطوط والفراغات والألوان.

في لوحات الفنان "جان هندريكس" نتحسس المنظور المألوف في تخيلات الأشكال المعبرة عن جمالية تشع بدقة الطبيعة، وتجريداتها المشبعة بغموض يفيض بحيوية الخطوط الدقيقة، والرسومات ذات التباين، والتماثل، والتناظر الذي ينطوي على سر الغموض الكوني البارز في مفاهيم لوحاته الفلسفية، وفراغاتها المحبوكة بتفاصيل حركية يتلاعب من خلالها بالرؤية الخطوطية، وأبعادها المتحررة من الزمان والمكان، والمفتوحة على مختلف العصور، محاولًا الكشف عن الخلفية الوجودية للذات الفنية التي انطلق منها بموضوعية لا تخلو من تظليل حركي منبعث من تعرجات الخطوط، والتفافها داخليًا وخارجيًا. لتبدو وحدة التصميم متلائمة مع الأفكار المنسجمة مع تطورات الأبعاد المتغلغلة بين الخطوط والأطر المختلفة فنيًا.

تمتد التعريشات الشائكة ذات الخصوصية الصياغية بتألق داخل المساحات التي ترتكز على خلق معالم إيحائية تتمثل بلغة معاصرة ذات تعبيرات مبهمة جغرافيًا، من الكل التصويري والانصهار الجزئي مع الفكرة أو الموضوع، والإمكانات ذات المنظور التشكيلي المعقد في تصوراته الموسيقية السلسة تشكيليًا من حيث الرؤية الفنية، والوضوح المتصل بالإيقاعات البصرية الداخلية في كل لوحة برزت ملامحها من خلال الخطوط، وتنويعاتها الموسيقية المتدفقة بمستويات تتسامى فيها الرؤية المحورية للفكرة، والقدرة على تجسيدها بفن طباعي ذي مكنون زمني يمس المساحة الأساسية في اللوحة، وحالة التوازن بين الخط، والشكل، والحجم، والفراغ، والأبعاد وما إلى ذلك.

تتشكل التفاصيل الجزئية في لوحات الفنان "جان هندريكس" جغرافيًا، وبدينامية تجمع بين الماضي والحاضر، أي بين الكلاسيكية والفن المعاصر. ولكن ضمن رؤية تتخذ من الأشكال الرؤى الصاخبة بالمؤثرات المحسوسة، وهي الركيزة الأساسية لمعنى اللوحة، ولمفهوم الأسلوب المتناقض والمتوافق مع الرؤية العامة لفن الطباعة الحجرية، وما تمثله من إضاءات فكرية تتعاكس فيها الأساليب التشكيلية التقليدية، وطبيعة الأطر الفنية التي يفرضها "جان هندريكس" لخلق علاقات تتشابه فيها عوالم الإنسان مع عوالم الفن التشكيلي الذي يحاكي جغرافية الكون والحياة.

يعيد "جان هندريكس" التكوينات الجاذبة للبصر إلى جذورها الطبيعية معتمدًا على الإيحاء ذي الحضور العاصف بإضافات فنية ذات مفردات امتزجت مع الواقع والخيال، وتركت لجغرافيا الكون أزلية رؤيوية أخفى جوانبها الداخلية، أو بالأحرى الخلفية التكوينية التي تختصر المضمون بالأشكال، والأفكار بالفراغات، والفلسفة بالحركة البسيطة التي تتجلى عاطفيًا بالإيقاعات المنبثقة من تفاصيل اللوحة وثناياها الفنية. لأن ثمة ارتكازات هندسية نشأت في خطوط سيمترية تتباعد وتتقارب تبعًا لنغمة الحركة وتعرجاتها.

دراما تشكيلية تعتمد على الخطوط، وأبعادها، إضافة إلى فن الطباعة الحجرية المختلفة من كافة جوانبها في أعمال الفنان "جان هندريكس" حيث تتشكل بنية اللوحة من إضاءات فكرية توحي بجذور الكون، والإنسان، وبداية الخلق، وجمالية اللغة الجدلية الناتجة عن التوافق، والتضاد بين الفكرة والأسلوب. مما يعكس المسارات للرؤية المتميزة جغرافيًا، والتي ترتكز على التجاذب البصري الذي يفصح عن مكنون بدائي متجدد زمنيًا من خلال اللوحة وأفكارها، والتحاور القائم بين المفردات والعناصر، والقدرة على خلق ارتباطات ذات عناصر ديناميكية تفصح عن التشابك الكوني المندمج مع مسميات الحقيقة الفنية التي يرسمها "جان هندريكس" وفق زمنية رؤية معاكسة، وكأنه ينادي بعودة الإنسان إلى إنسانيته الأولى وتمسكه بجذوره الزمنية.

برؤية أخرى تترك لوحات الفنان "جان هندريكس" انطباعًا قويًا يتمثل في تداخل الخطوط والألوان بشكل يجذب الانتباه. هذا التداخل يعكس حركة ديناميكية وعمقًا عاطفيًا، مما يجعل المشاهد يشعر وكأنه غارق في عالم من الإيحاءات البصرية.

يتناول الفنان مواضيع معقدة تتراوح بين الطبيعة والإنسان، حيث يستحضر مشاعر مشتركة تتعلق بالوجود. تتسم أعماله بقدرة على تمثيل العلاقات الإنسانية، والجوانب المختلفة للواقع، مما يمنحها بُعدًا فلسفيًا عميقًا.

تعكس الأعمال حالة من البحث عن الذات والوجود، مما قد يشير إلى مشاعر القلق والتوتر. تبرز تفاصيل الخطوط المعقدة واللونية المتباينة الصراعات الداخلية، حيث تتداخل الألوان لتعكس حالات نفسية متباينة، مثل الفرح والحزن.الفن في أعمال "جان هندريكس" يتجاوز مجرد التجميل؛ إنه وسيلة للتعبير عن تجارب عاطفية وإنسانية. الجمال هنا ينبع من الفوضى المبدعة والقدرة على تجسيد الأحاسيس المعقدة بشكل بصري مثير. الخطوط المتشابكة والألوان المتناغمة تجسد الجمال في غموضه.

تستخدم الأعمال الرموز والتجريدات للتعبير عن أفكار عميقة، مما يسمح للمشاهد بتفسير المعاني بطرق مختلفة. الأشكال غير المتوقعة التي تظهر في لوحاته تعبر عن التجارب الإنسانية المختلفة، مما يجعل المشاهد يشعر بأنه جزء من الحوار الفني. يتسم الإيقاع في أعمال "جان هندريكس" بالتنوع. يتنقل بين الصمت والضجيج، مما يعكس تدفق الأفكار والمشاعر. تخلق الألوان المتباينة والتكرار إيقاعًا يتغير بناءً على زاوية الرؤية، مما يشجع المشاهد على الانغماس في العمل والتفاعل معه على مستوى أعمق.

من خلال كل هذه العناصر، يتضح أن أعمال "جان هندريكس" ليست مجرد تجارب بصرية، بل هي دعوة للتأمل والتفاعل. إن تداخل العناصر الفنية مع الإيقاع البصري يعكس تجربة إنسانية عميقة تعكس التنوع والتعقيد، مما يجعل كل لوحة قصة فريدة في حد ذاتها.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com