الحس الفني الفلسطيني وقضاياه المولودة في الفنون التشكيلية
ضحى عبدالرؤوف المل
تتفاعل الأفكار الفنية مع بعضها، فتمحو الحدود الفاصلة بين العوالم المنفصلة وفق استراتيجيات السياسة أو قانون الحرب والسلم، وما إلى ذلك. مما يثير الأحاسيس عند الفنان، ليندفع من خلال عوالمه التشكيلية إلى مد الجسور المرئية المتصلة ببعضها، كلغة تجمع بصرياً التوازنات الإنسانية التي يسعى إليها الفنان الفلسطيني، بوصفه يمتلك لغة إنسانية راقية يجسد من خلالها مسحة جمال من نوع خاص، يخاطب بها الرأي العالمي من خلال مكنونات ريشته وألوانه ومعاني لوحاته التي يكتنفها السر المخفي بين الجسور المبنية بالرؤية واللون والجمال.
أطلق “ناصر سومي” ( Nasser Soumi)العنان للألوان الفلسطينية، وللسرد التشكيلي الذي ينشد الجمال على معابر المدن المقفلة من قبل الصهاينة، والمفتوحة من قبل الفنانين التشكيليين الفلسطينيين ، فما حملته اللوحات من رؤى وعناوين تحاكي البصر والفكر بتعابيرها الفنية ذات التحولات الإبداعية المواكبة لقضايا الإنسانية، والانتهاكات اليومية التي تجري على أرض سبكها في لوحاته ، وتركها تقاوم الصمت بإشعال الحس الفني الفلسطيني وقضاياه المولودة في الفنون التشكيلية بشكل عام.
يبدع الفنان "ناصر سومي" في فهم العلاقات الكونية من خلال نظرته الإبداعية التكوينية. فالتعبيرات الممتدة عبر مساحات الأعمال الفنية المتناسقة مع المضامين المختلفة الحاملة للمعاني الإنسانية، أولاً هي جزء بنيوي لجسر فلسطيني تشكيلي معاصر. فالرمز إلى يافا هو لغة اتصال لأولئك الذين لا يملكون القدرة على توجيه الخطاب إلى الفكر الإنساني أو إلى كل صامت يستطيع إطلاق صرخة حقيقية تنادي بحقوق الإنسان وبحقوق فلسطين.
يكتنف الشكل والمضمون طابعاً فلسطينياً خاصاً ذا مشهد جمالي بانورامي تختلط فيه الألوان والموتيفات بدينامية إبداعية تحمل في طياتها هوية عربية تتشكل تبعاً لكل بيئة، ترمز إلى فواصل زمنية تتجدد بصرياً بما تحمله من نظرة تعيدنا إلى يافا أو إلى القدس أو إلى ما تشتهر به هذه المناطق الموصولة بخارطة بصرية ذات ألوان تفوح منها رائحة فلسطين، أو بالأحرى مدنها وتاريخها. محاكياً بذلك الفنان "ناصر سومي" تكوينات خاصة اشتهرت بها لوحات التشكيلية الشبيهة بنوعية الأرض أو ميثولوجية التجريد الإبداعي الذي يؤدي دوره في خلق المفاهيم الفنية المعاصرة، ليقدمها بأسلوب مختلف ووفق إبداعات جمالية متعددة.
لوحات ترمز بكوفياتها إلى شعب رزح تحت الاحتلال، وجاهد في تحقيق العودة، وما زال اللون الأحمر يطغى على الألوان الأخرى في الأعمال الفنية التشكيلية ذات النفحة المحاكية للعالم، والمعلنة عن صرخة مدوية نسمعها حسياً من خلال اللوحات التشكيلية المدججة بمواضيع مختلف فالفنان "ناصر سومي" استطاع خلق استثناءات لتظهر الأعمال الفنية مسبوكة بصياغة تكوينية، وبمعايير تلامس الحس الفني والإدراك الفكري عند المتلقي من حيث المجاز المرتبط بالأرض التي يفتقدها كل فرد فلسطيني ابتعد عن مدينته ووطنه، ولكنه لم يستطع نسيان فلسطين وخذلانها. بل استطاع بناء الجسور رغم المنع الصهيوني، ورغم كل التحديات لإيصال الفن الفلسطيني بكل مضامينه إلى العالم.
يرصد الفنان "ناصر سومي" اتساعات جمالية يداعبها بحقيقة مادية تتجسد بالموتيفات الرمزية التي تشير إلى الأعمال الفنية التركيبية، حيث يتم تحويل المقتنيات التي تمتلكها المدن الفلسطينية إلى جماليات ترمز إلى قوة البقاء، والتجدد الذاتي المحتفظ بالماضي والحاضر، وبما ينشده المستقبل. لتكون الشموع هي جزء من ضوء يلقي من خلاله دلالاته ذات المضمون المتمسك بالجذور حتى الهواء والماء، وبخاصية فن إبداعي تركيبي يهدف إلى ربط الجسر المتين بروابط رؤيوية فنية ذات علاقات متعددة في عناصرها التركيبية التي تختلف في التجانس والتضاد الذي يجمع العادات والتقاليد والتراثيات، والنظرة المعتقة في البساطة المتضمنة نظرة إلى الوطن الذي يكبر في عيون الأبناء. فهل تجمع الأعمال الفنية التشكيلية الفلسطينية الخيوط التي تختلف وتتناقض فيما بينها بانسجام في لوحات حملت المواضيع المختلفة؟ أم هي تضع في الذاكرة اللحظات الوليدة من ذاكرة شعب فلسطيني يتمسك بحق العودة؟
الذكريات المحملة بعبق الحقيقة الواعية التي تنبع من عقلانية وجودية لا يكتمل إلا بالماء، والهواء، والضوء، وأوراق زيتون من شجرة مباركة ما زالت ترمز لبقاء فلسطين، ولبقاء الفن التشكيلي الفلسطيني " الذي يتزين برؤى شتى بالألوان، والزهور والزخرفات من خرز، وفراشات ومعاني حياتية حملتها آلة قتل هي رمز للصمود، والتحدي، ولذكرى من استشهدوا وحققوا من خلالها إطلاق صرخة تنادي: يا فلسطين.
برؤية أخرى يتناول الفن التشكيلي الفلسطيني قضايا إنسانية معقدة تُعبّر عن معاناة الشعب الفلسطيني وحنينه إلى الوطن. تتجلى هذه القضايا في الأعمال الفنية من خلال إيقاع بصري يعكس التوتر، الأمل، والجمال، مما يجعل المشاهد يتفاعل عاطفياً وفكرياً مع هذه الأعمال. فالإيقاع البصري هو تنظيم العناصر المرئية بطريقة تخلق حركة ديناميكية. في الأعمال الفنية الفلسطينية، يُستخدم الإيقاع البصري لتوجيه نظر المشاهد وتوليد مشاعر معينة. الألوان، الأشكال، والخطوط تعمل معاً لتشكيل تدفق بصري ينسجم مع الرسالة التي يسعى الفنان لتوصيلها.
تتسم اللوحات باستخدام ألوان قوية، مثل الأحمر الذي يرمز إلى الألم والصمود. يتداخل مع ألوان أخرى تُعبّر عن الأمل والتفاؤل، مما يُولّد توتراً بصرياً يجذب الانتباه. أما الأشكال فتتنوع بين الهندسية والعضوية، مما يعكس الواقع المتعدد الأبعاد الذي يعيشه الفلسطينيون. هذا التنوع يُساهم في خلق إيقاع بصري متغير يُشعر المشاهد بالحركة والديناميكية. تُستخدم الخطوط لتعزيز الشعور بالانسيابية أو التقطع، مما يعكس الصراعات الداخلية والخارجية. الخطوط المتقطعة قد ترمز إلى الفقدان والتشتت، بينما الخطوط المستمرة قد تعكس الأمل والتواصل.
تعكس أعماله الفنية تجارب الألم والحنين، مما يُثري الإيقاع البصري بمشاعر عميقة. المشاهد يُصبح جزءاً من التجربة، حيث يمكنه الشعور بالانكسارات والتحديات التي يعيشها الشعب الفلسطيني. كما يظهر الحنين من خلال استخدام رموز ترتبط بالوطن، مثل أشجار الزيتون، البيوت القديمة، والكوفيات. هذه الرموز تُعزز من الإحساس بالانتماء والحنين، مما يُعطي الإيقاع عمقاً إضافياً.
رغم الألم، يبرز الأمل من خلال استخدام عناصر تعكس الجمال والتجدد. يُظهر الفنان قدرته على تحويل المعاناة إلى فن يُشعل الروح، مما يُضيف بعداً جمالياً يُشعر المشاهد بالتحفيز.
الفن التشكيلي الفلسطيني يتميز بتقنيات فنية تعكس الأصالة والتجديد. تساهم هذه التقنيات في خلق إيقاع بصري يجذب العين ويُثير العواطف. فاستخدام التقنيات التقليدية والحديثة يبرز تنوع التعبير. فالفنان يجمع بين الفنون الشعبية والتراثية، مما يُعطي طابعاً خاصاً يُشجع على التفكير والتفاعل.
التحليل الانطباعي لأعماله الفنية الفلسطينية يُظهر كيفية استخدام الإيقاع البصري كوسيلة للتعبير عن القضايا الإنسانية. الألوان، الأشكال، والخطوط تتفاعل بشكل ديناميكي، مُعبرة عن الألم والأمل في آن واحد. الفن يصبح هنا لغة تُعبر عن الهوية الفلسطينية، محملة بمشاعر عميقة تترك أثراً في النفس، وتُحفز على التفكير والاحساس.
dohamol67@gmail.com