نوتات تشكيلية تنسجم مع الرؤية المنبثقة من مكابدات تكوينية...

ضحى عبدالرؤوف المل

تنصهر كائنات الفنان "مجدي الظواهري" مع الألوان الأساسية القوية في انفعالاتها الحارة والجريئة، بتوافقها الحسي البارز إنسانياً في حضارة كائناته ودائريتها أحياناً. حيث يستنهض اللون القادر على ترجمة الحركة الدائرية، والنصف دائرية المرتبطة بانحناءات عاطفية ذات جمال فني يستند على الحضور اللوني القوي للألوان الأساسية الحارة والباردة، والملامسة للخطوط الدينامية وانعكاساتها الجمالية المرتبطة بدلالات عوالم غرائبية تكونت بسريالية ولكن ضمن المخيلة الواقعية الهاربة من حضارة لم يتحقق فيها السلام.

نوتات تشكيلية تنسجم مع الرؤية المنبثقة من مكابدات تكوينية منحها صفة كرتونية طفولية عبثية الوجود، وحاضرة في الألوان الكثيفة والشديدة الدرجات النغمية من حيث شدة التوهج والسطوع، وكأن الكائنات السابحة هي جزء من لزوجة كل لون يتضاد مع الآخر. فالصياغة التكوينية في كل لوحة تختلف من حيث المضمون والشكل، وتتوافق مع اللون حيث تآلف كائناته مع الحركة واللون والخط، والمفردات التشكيلية التي تتقابل مع الفراغات التي تحاكي عبثية الفكرة، وتشبثها برمزية الحياة وتجاذب الحضارات التي تعج بشخوص يستمتعون بالدائرية، وبالتجدد بل وبتكرار الصراعات التي من شأنها محو الصفة الإنسانية من الإنسان نفسه، حيث تبدو رسوماته التصويرية قصصية مرئية ذات رؤية طفولية يستمتع بها المتلقي.

تتفاوت الأشكال والأحجام والألوان في نسبتها الحركية بين كائناته وتناقضاتها التي يرسم ملامحها ببساطة منطقية يتخطى من خلالها ذاتية اللوحة، ليتركها مفتوحة على الحركة والأبعاد التي تتشاكس فيما بينها رياضياً، كالدوائر، والمثلثات، والمستطيلات، والتجريد السينوغرافي، حيث تشابك الألوان في الخلفية يبدو كأن الأفكار أو العوالم تتصارع بعضها البعض، كصراع الحضارات في لعبة ذهنية ابتكرها بكرتونية توحي بالخير والشر، والحرب، والسلام، والحار، والبارد، والأحمر، والأصفر، والأزرق المكثف، حيث تتواءم حركة المجرات مع حركة النطفة، ومع الإنسان السابح في المجرات والكواكب التي يمنحها صفة دائرية تتعاكس مع الألوان.

تثير الحركة الاختزالية التناسبات البانورامية المحاكية بشفافيتها حقيقة الكائنات، وانتماءاتها الاجتماعية التي تحقق ترادفات ذات مستويات تتنوع فيها المقاييس، والمعايير، والمسارات البصرية الإيجابية ذات الشحنات الجمالية. فالتأويلات الحسية الغامضة المعالم في كائناته المثلثة والمستطيلة التي تجمع بين عالمين، أولهما الخيالي، والثاني المحلق في عوالم الواقع، والمتداخل تجريدياً مع الطائر، والسنونو، والسمك، وما إلى ذلك، وكانه يمنح الذاكرة العودة إلى جذورها. لتستكشف من خلال ذلك الرموز الممتزجة معالمها بالوجود الحياتي المختلف بين كائن وكائن، ولكنه يمتلك حق الحياة، وربما هذا يرتبط بانتهاكات الشعوب لحقوقها الحياتية. فهو بدوائره يحاول الخروج من الحصار التكويني المرتبط بمادة تشكيلية ابتكرها، لتكون حالة تخيلية سريالية يتم رسمها لتحاكي الفكر وتنادي بحقيقة الوجود وصعوباته، وبحقيقة المراحل الإنسانية من النطفة إلى الماورائيات التي يصعب تخيلها، إلا حين نبتكر العالم الطفولي الانفعالي والعفوي في الشكل والمضمون أو في المعنى والمبنى والإيحاء الإيقاعي المرتبط بنغمة كل لون.

في معرض الفنان "مجدي الظواهري" نلمس الانتماء التشكيلي المبهج للنفس، والمحاكي للمخيّلة بدينامية الألوان ذات الخصوصية التقنية المتوهجة تعبيرياً، القادرة على كسر رتابة المستطيل أو الدائرة أو حتى ماهية الوعي الذي ينطوي على دقة الخطوط الرفيعة، وميلانها الحركي، حيث تثير المستويات اللونية الحارة والباردة الوجدان، وتعصف بالذهن، لتنطلق المخيلة عند المتلقي نحو فضاءاته الكونية المرسومة، وفق فسيولوجية كل لون ونسبته في الشفافية والسماكة أو انسجامه مع ألوان الخلفية، وبانوراميتها المنصهرة مع الموضوع بشكل عام. لأن الفنان "مجدي الظواهري" يحاور شخوصه من خلال المساحة وقدرتها على استيعاب الفكرة التي تنمو مع كائناته وفق حركة طواف سلبية وإيجابية معاً، كما الحركة بين لونين، الأصفر والأحمر.

ترتسم علامات التعجب على الوجوه في لوحاته الخاضعة بكل ملامحها إلى ما يفرضه عليها من تنامي النقطة، والخط. لندرك قيمة الفوارق بينهما في توليد فكرة الصراع الإنساني، وما ينتج عنه في كل الأزمنة والأمكنة، وحتى العوالم المتخيلة أو الماورائية المسيطرة على لوحاته المتسابقة مع الزمن، والتي تتصف بجمال النفس التي تبتكر بموضوعية ثيمة خاصة بها تقع ضمن الكائن المختلف بشكله وحجمه ومقاييسه الطاغية على اللوحة وديناميتها البصرية الناشطة حسياً ووجدانياً حين تأملها، وهذا ما يؤكد قيمة المواقف التعبيرية البارزة في ملامح شخوصه التي تحافظ على توازنات محملة بالكثير من الدلالات، والتغيرات ذات التصوير العفوي المنبثق من النفس ولكن الواعي تشكيلياً.

يقول مجاهد عبدالمنعم مجاهد: "إن الفن عليه أن يتخلص من العرضي والجزئي والحسي والواقعي حتى يستطيع أن يؤدي رسالته بتوجيه النفوس نحو الحكمة." إن الألوان الصارخة بأساسيات الحياة الواقعية، تنفي التخيلات عن كائناته السريالية التي تحاكي الحقيقة ببساطة حركية هي جزء من موضوع الصراع بين الشر والخير، وهي تجمع الحواس في بوتقة فنية واحدة يوجه بها الفنان "مجدي الظواهري" نحو الطفل والرجل والمرأة، أو بمعنى آخر، يوجه بها نحو الإنسان.

برؤية أخرى تتداخل الفنون التشكيلية مع التجارب النفسية والانفعالات البشرية، مما يخلق تآلفاً بين الشكل والمضمون. في أعمال الفنان "مجدي الظواهري"، يُمكن ملاحظة تأثير الإيقاع البصري الذي يعكس تجارب إنسانية عميقة، حيث تتفاعل الألوان والأشكال لتشكيل رؤية تعبر عن الصراع والجمال.

يُعتبر الإيقاع البصري أحد أهم العناصر في الأعمال التشكيلية. في لوحات الظواهري، تُستخدم الألوان بأسلوب ديناميكي، مما يمنح العمل طابعاً حركياً نابضاً بالحياة. تتنقل الألوان بين الدرجات الحارة والباردة، مُشكّلة تباينات قوية تعكس التوتر والانفعالات، مما يخلق إيقاعاً مرئياً يحفز المشاعر لدى المتلقي. يتجلى هذا الإيقاع من خلال تكرار الأشكال الدائرية والمثلثات التي تساهم في بناء حركة مستمرة.

تُعبر الأعمال عن عوالم داخلية، حيث يظهر فيها صراع بين الخيال والواقع. الألوان الغنية والأشكال المتنوعة تخلق شعوراً بالعمق، مما يمكّن المشاهد من الانغماس في التجربة الجمالية. يُعزز استخدام الخطوط الديناميكية هذا الشعور، حيث تنقل الحركة والطاقة، مما يجسد التوترات النفسية والفكرية.

تتأثر انطباعات المشاهد بالألوان والتوزيع الشكلي في العمل. يلاحظ المتلقي شعوراً بالدهشة والتساؤل، حيث تعكس اللوحات تجارب إنسانية متنوعة مثل الحزن والفرح، الصراع والسلام. يُعزز هذا التأثير من خلال الأشكال الكرتونية التي تُضفي لمسة طفولية، مما يُشعر المتلقي بارتباط أعمق بالعواطف المعقدة.

تتسم أعمال الظواهري بالتقنية المتقنة، حيث يُستخدم التداخل بين الألوان لخلق تدرجات غنية. تتنوع الأبعاد والعمق في لوحاته، مما يمنحها طابعاً ثلاثي الأبعاد رغم بساطة الأشكال. يُظهر استخدام الضوء والظل قدرة على تحويل السطح الثابت إلى فضاء حيوي، مما يُضفي على العمل بُعداً إضافياً.

تُعد أعمال "مجدي الظواهري" تجسيداً للانفصال بين التخييل والواقع، حيث تلتقي الألوان والأشكال في رقص بصري يُعبر عن التحديات الإنسانية. يُعتبر الإيقاع البصري جزءاً لا يتجزأ من التجربة الفنية، حيث يُعزز من العمق الجمالي والتجربة النفسية للمتلقي. إن رؤية الظواهري تجعلنا نتأمل في التجربة الإنسانية من منظور جديد، يفتح أبواباً لفهم أعمق للحياة وصراعاتها.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com