عبارة بصرية مدمجة رقمياً مع فن العمارة المعاصر

ضحى عبدالرؤوف المل

تتطور مراحل الصورة في أعمال المصور الفوتوغرافي "إيلي خوري" تبعاً للنظرة التقنية ومنظورها المعاصر القابل للتطورات البصرية، يضيفها إيلي وفق تحولات منطقية واعية لتوازن الخط والشكل والمنظور والأبعاد، والأسس الهندسية المعمارية المجردة فيزيائياً من الكتل الجامدة فاقدة الحيوية الحركية والبصرية. إذ يعتمد على التكرار الإيقاعي في فوتوغرافياته المشحونة بفن العمارة المعاصرة التي تعتمد على المفهوم البنائي الضوئي، المرتبط بعدسة ترسم تسطيحاتها الهندسية وفق أنظمة رقمية خاصة. لأن الأبنية في أعمال الفنان "إيلي خوري" هي نغمات تتناقض وتنسجم مع الخطوط بشكل عام، لتوحي بجمالية فن عمارة حديث من خلال الفن الفوتوغرافي الممزوج بأسلوب رقمي يضيف ويحذف من خلاله بعض المفاهيم التقليدية في الصورة، لتظهر بموضوعية متناسقة أو متناقضة ولكن بنظرة حس جمالي فوتوغرافي خاص.

تكشف صور الفنان "إيلي خوري" عن منظور بنائي يعتمد كلياً على الإسقاطات الضوئية على اللحظة الفوتوغرافية، وجمالياتها الحسية التي تفتح عين العدسة فيها عتمتها الرقمية على الأشكال الجاذبة للبصر، والمثيرة لعلامات تعجب ترسمها عين العدسة بهندسة رياضية تميل نحو المربعات والمستطيلات، وما إلى ذلك، مما يوحي بالأبواب والشبابيك، والتأليف الهندسي المرتبط بالتأليف الفوتوغرافي، وقدرته على إبراز التوازنات الحقيقية أو الأخطاء البصرية في مفهوم فن العمارة الحديث، وما ينتج عنه من جمود حركي ناتج عن التكرار في الأشكال والأحجام مع فروقات واضحة في المسارات الانعكاسية لمسح العدسة على الأبنية المختلفة وخطوطها السيمترية المتوافقة مع المحاكاة الرقمية وسيميائيتها التركيبية المتعلقة بالعدسة، وفن إخراج الصورة إلى الواقع، ليراها المتلقي وفق عبارة بصرية مدمجة رقمياً مع فن العمارة المعاصر.

تتفاعل المكونات الفوتوغرافية مع الرؤية التصويرية المتغلغلة في المضمون البنائي المؤثر على النظرة الهندسية، ومدلولاتها الفنية في التصويرات الضوئية المعاصرة، وتناسبها، وتماثلها، وتناظرها، السيمترية مع التكرارات في الأشكال المنظمة مع إبراز عشوائيات في الخطوط التصميمية، وجوهرها الموائم مع المعنى الراسخ في عدسة ضوئية تبحث عن التشابه في فن العمارة، وزمكانيته الآنية الناتجة عن فهم رياضيات بصرية تلتقطها العدسة بجمالية متوازنة الظلال، والفراغات المتأثرة بالضوء وإسقاطاته. ليناظر الأبعاد ومؤثراتها المحسوبة بدقة. أي أن الفنان "إيلي خوري" لم يعتمد على العفوية في الالتقاط بل على التصميم، والتنفيذ، والإخراج للصورة باعتبارها صورة فنية فقط، بل هي تؤرخ لمرحلة معمارية حديثة هي جزء من الحاضر المؤرخ، كجزء من الماضي المتصل بين المادة وروح الجمال في فن العمارة.

يمد الفوتوغرافي "إيلي خوري" خط الرؤية المباشر في الموضوع الواحد، ليجمع بثلاثية عناصره بين الفكرة والصورة والمتلقي حيث وضوح التفاصيل الهندسية الجامدة بأشكالها، والحركية بظلالها التي تلاعب بها، ليمنح الفكرة جمالية تبعد المتلقي عن التكرار الروتيني في الصورة. إلا أنه خلق توازنات بين الفاتح والداكن، وبين الضوء والظل بنسب مرسومة ضوئياً وفق حساسات رقمية هي جزء من فوتوغرافياته السينوغرافية، أو لابنيته الحديثة الشبيهة بنظم جبرية تعتمد على فيزيائية الضوء، وتشكلاته بين الكل والجزء، وبين التطورات التقنية في الفن الفوتوغرافي الحديث، ولحظيته التجميلية لما نراه من حولنا من أبنية تمتلك موسيقى خاصة ندرك قيمتها البنائية من خلال صورة تهتم بالشكل والمساحة والضوء. فالانضباط في تصويراته التي تتحكم بالحواس المعتمدة على فهم ماهية الصورة الهندسية في الفوتوغراف التكويني المبسط ميكانيكياً لحفظ معالم الحاضر في فن العمارة ورؤية العدسة له.

تتداخل التفاصيل الفنية المكثفة فيما بينها، ليأخذ الموضوع منحى وثائقياً يعكس من خلاله وبشكل ديناميكي اندماج الوعي والمخيلة في تكوين ما هو حقيقي ومتخيل. بل والمدى المحوري للمنظور الفوتوغرافي الخاص بالأبنية ومسطحاتها، المتغلغلة بالتصوير الهندسي وتشكيلاته البصرية المتنامية بشكل لا متناهٍ بالميلان والاتجاهات والزوايا المعتمة والمضيئة، المتسعة للأشكال الضيقة والواسعة، الكبيرة والصغيرة، المتشكلة وفق استحداثات غارقة بمعاني فوتوغرافية ذات جمالية لا تخلو من إضافات تخيلية تحقق لذة النظر إليها حيث تبرز المعطيات البنائية أو الهندسية للعمارة وإطارها الخارجي الذي يكشف عن أنماط كلاسيكية وحديثة معاً.

تمثل الاتجاهات في صور الفنان "إيلي خوري" الفوتوغرافية نقطة جذب تشير إلى الانعكاسات المائلة أو الفضاءات التحاورية الملامسة للضوء، اندفاعه أو انفعاله مع عقلانية العدسة الواضحة في حقائقها البسيطة، ومفرداتها الفراغية ومعرفيتها الفوتوغرافية الموصولة بطبيعة الفن الهندسي الزخرفي أو الخارجي، وفن الفوتوغراف من حيث التطابق، والتمازج، والتناظر وكأن النوافذ والأبواب والخطوط ما هي إلا الأصوات الداخلية المنبعثة من كل عمل فني قائم على جمالية الإيقاع، والإشارات الأساسية في التفاصيل الداخلية والخارجية للصورة ومؤشراتها التي تعكس النظرة للأبنية في المدن الكبرى، قديمها وجديدها، المحتفظ بمعالم البيئة المحيطة، ومعطياتها الشبيهة بالفن التشكيلي، وما يحمله من موازين أو قوانين جمالية ولكن بلغة فوتوغرافية ديناميكية.

برؤية أخرى الفوتوغرافيا كفن بصري تعكس رؤية المصور وتفاصيل الواقع من زوايا جديدة، تجمع بين التقنية والإبداع. تعتبر الصور الفوتوغرافية نافذة على العالم، حيث يمكن أن تنقل مشاعر وتجارب عميقة تفوق الكلمات. عند النظر إلى عمل فوتوغرافي، يُستهل بالتفاعل مع العناصر البصرية الموجودة فيه. الألوان، الإضاءة، والتكوين تلعب دورًا محوريًا في خلق جو معين. الصور التي تتميز بتباين قوي بين الظل والنور تعكس درامية وإثارة، بينما الصور ذات الألوان الهادئة تعبر عن السلام والسكينة.

يعتبر الأسلوب الفوتوغرافي أحد أهم الجوانب التي تحدد هوية العمل. يمكن أن يتراوح بين الأسلوب الواقعي، الذي يسعى لتوثيق الحقيقة، إلى الأسلوب التجريدي، الذي يستخدم الأشكال والألوان لنقل الأفكار والمشاعر. تعتمد التقنيات المستخدمة، مثل التعريض الطويل أو التركيز الضيق، على الرسالة المراد إيصالها. كل صورة تحمل في طياتها معنى خاصًا. يمكن أن تعكس الصور الاجتماعية القضايا المعاصرة، بينما يمكن أن تحمل الصور الطبيعية جمال البيئة ودعوة للحفاظ عليها. يعكس استخدام الرموز والأشكال في التركيب الفوتوغرافي عمق الفكرة، مما يُضفي على العمل بعدًا فلسفيًا.

تستطيع الصور الفوتوغرافية التأثير على المشاعر بشكل عميق. قد تثير ذكريات أو مشاعر، سواء كانت فرحًا أو حزنًا. تعمل الأبعاد الإنسانية، مثل تعبيرات الوجه أو تفاعل الأشخاص، على تعزيز هذا التأثير العاطفي، مما يجعل المشاهد يتفاعل مع الصورة بشكل شخصي.

تجمع الفوتوغرافيا بين الفن والتقنية لتقديم تجربة بصرية فريدة. تعكس الأعمال الفوتوغرافية تنوع الرؤى والأفكار، مما يساهم في إثراء المشهد الفني. من خلال استخدام العناصر البصرية والتقنيات المتنوعة، تظل الفوتوغرافيا لغة بصرية تواصلية قادرة على نقل المشاعر والأفكار عبر الزمن.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com