البناء الفني والمعالجة الدرامية لقصة الملك لير في المسلسل المصري "دهشة"

"دهشة العقل من جمر النفوس"

بيروت - ضحى عبد الرؤوف المل

عالج الكاتب "عبد الرحيم كمال" قصة "الملك لير" واستطاع توسيعها لتشمل تفاصيل الحياة الصعيدية لتتواءم مع الأصل، ولكن ضمن متعة درامية تمتد في حلقات تمثيلية مبنية برؤية قرية بناها ضمن معادلة إنسانية تتشابه معها الأزمنة والأمكنة، حيث المصائر الإنسانية والنفوس في الرخاء والشدة، والصراع ومحاسبة النفس، كما هي الحال مع أخته "سكن"، وهي ضمن معادلة حياة تتساوى مع قصة "الملك لير" للكاتب العالمي وليام شكسبير. فقد بنى "عبد الرحيم كمال" قريته بالصعيد الذي يمثل الجذور المصرية الأساسية للمبادئ والأسس التي ينتقدها المسلسل من خلال المفارقات في النفوس الإنسانية المتنوعة في تضادها وتوافقها، وفي النزاع أو الصراع على المال والسلاح والنفوذ الحاكم أو المتحكم برقاب الناس أو التهافت على السيادة والسيطرة والتفاخر بالمال والأولاد والسلاح.

إن المعادلة الدرامية في مسلسل "دهشة" احتفظت بالقيمة الإنسانية القائمة على التجربة التي تحتفظ بالفكر والحكمة، وبالنظريات الحياتية التي تأتي نتيجة الخبرة والوعي، ولغموض ما في الجينات الوراثية أو في السلوك الناتج عن المنشأ وموازين الحياة التي تأخذ حق هذا وتترك حق ذاك. فهل استطاع الملك "لير" معرفة نفوس بناته قبل توزيع الثروة أم إن "الباسل" ترك كنزه الأخير لابنة حقد عليها بقدر ما أحبها؟ وهل المال هو مصدر السعادة في الحياة؟ ما رفع من قيمة العمل الدرامي في مسلسل "دهشة" هو القدرة على خلق معادلة تتوازى مع ملوكية "لير" ولكن ضمن بيئة عربية حاضنة.

لنوعيات إنسانية هي بحد ذاتها هشة ومتواضعة ببنائها الدرامي ذي الدعائم التمثيلية المحبوكة ضمن قدرات تمثيلية رسخت المعنى ومنحته قوة إقناع وتأثير، وكأن القصة مكتوبة "لدهشة" بشكل خاص. أمسك "عبد الرحيم كمال" بالخيط الإنساني المحبوك ضمن نسيج حياتي يجمع بين قضايا البشر بشكل عام، لتجتمع العناصر الدرامية حوله في بناء أضاف عليه عفوية البعض، وشرور البعض، والخير في نفوس جبلت على الوفاء، ولا تستطيع التملق أو التكلف أو الغدر. فقد استطاع فهم قصة الملك "لير" التي تتوافق مع التجارب الإنسانية التي نقرأ عنها عبر التاريخ والتي تضع الإنسان أمام الخيارات الصعبة أو استنتاجات تترك لليد الواحدة اختلافات يصعب تفسيرها، لأنها تمثل الخلق والأنفس والأفكار المختلفة، ربما المبنية أيضًا على المعاناة، كما هي عند "الباسل" وأخته "سكن"، وفي المقابل الأخوة الأشقاء والاختلاف الشديد فيما بينهم، وهذا يتناسق مع الأسرة والقرية والمدينة والوطن بأكمله.

لم تتعارض البنية التراجيدية الدائمة العتمة في تصويراتها الداخلية التي أكثر منها المخرج "شادي الفخراني" حتى الآن في الحلقات الأولى مقارنةً مع التصوير الخارجي، والخوض في المشاهد المكونة ببساطة على دعامة التصوير، والديكور التحليلي للمضمون المنسجم مع المكان والزمان، والواقع المؤكد على وجود "الباسل" في قرية هي من بناء الكاتب "عبد الرحيم كمال"، ومهندس الديكور والمخرج المكمل للرؤية بكل أبعادها التي تجسدت في قصة الملك "لير" رائعة وليام شكسبير، وما تحمله من معاني إنسانية عظيمة، خاصةً وأن الكاتب "عبد الرحيم كمال" يحاكي أدق تفاصيل الحياة الصعيدية المصرية حيث تصاحب الفكرة مواضيع مختلفة معيشية وسياسية من حيث شراء السلاح للحفاظ على الذات، وعلى التكامل الإنساني المشروط بالحفاظ على البقاء، ومن طبع اندمج مع الشخصيات العربية وفحواها من خلال التعاطي مع التفاصيل والقدرة على منح المشهد حيوية صادقة يشعر بها المتلقي.

يقتنع المتفرج على مسلسل "دهشة" أن الحياة بحد ذاتها دراما أو تراجيديا متواصلة يتخللها الجنون، وبساطتها التي تتضح مع حمدتو المرافق لمصطفى حفيد "الباسل" المرتبط بأسلوب "وليام شكسبير" وميل الإنسان إلى ابتكار تفاصيل جنون مملوءة بالحكمة أحيانًا، وأحيانًا بمتاهات النفس المعقدة من الأحداث الضاغطة على مساراتها، وهذا ملموس في أقوال الفنان "يحيى الفخراني" مع بناته أو بالأحرى الملك "لير" وبناته الثلاثة.

يتمثل الصراع بين القوى المدركة للشيء المتنازع عليه وبين القوى الجاهلة فيه كأزواج البنات الذين يتصارعون على الأشياء ويتركون الجوهر الذي تمسكت به الابنة الصغرى. إن في قصة الملك "لير" أو في مسلسل "دهشة" يتمثل الصراع الذاتي ما بين الشر والخير، وما بين الجنون والحكمة والخطأ في تقدير الأمور تبعًا للنفوس القادرة على معاندة الأقدار بل ورسم ما هو مجهول لإدراك ماهية الموت والحياة والقدرة على البقاء ضمن وجود متصالح مع الذات.

أما التأليف الموسيقي للموسيقار "عمر خيرت" فقد اخترق المضمون واستطاع خلق تأثيرات حسية مضافة لتوحي بالمشهد الآتي أو بالمضمون الدرامي الحزين أو المفرح أو حتى الغاضب والراضي. فالتعبيرات الموسيقية لعبت دورها في الحلقات الأولى من حيث الانسجام مع المشاهد والفواصل وحتى شارة البداية. أما الدهشة الأخرى، فهي التي قدمها الممثل "فتحي عبد الوهاب" الابن غير الشرعي لعلام، أو للممثل "نبيل الحلفاوي" والفنانة "حنان مطاوع" في دور الابنة الكبرى. إلا أن "فتحي عبد الوهاب" منح الدور تناقضات متوجعة ومفرحة ما بين الانتقام والأخوة، وعدل الزمن الذي يدور ضمن دائرة الحياة الواحدة، وهذا ما هو مبني على تآلف ما بين المخرج والممثل. ليبدع في أدواره المؤداة بإبداع درامي اكتمل مع وجود الفنان "يحيى الفخراني" الغني عن التعريف أو حتى عن أدواره في كل عمل درامي أو مسرحي، وفي هذا غنى لمسلسل "دهشة" الذي يتم عرضه الآن على شاشاتنا العربية في شهر رمضان المبارك.

مسلسل "دهشة" للمخرج "شادي الفخراني" والمعالجة الدرامية للكاتب "عبد الرحيم كمال"، ومن بطولة الفنان "يحيى الفخراني".

برؤية أخرى يعتبر مسلسل "دهشة" تجربة درامية غنية تستلهم من قصة "الملك لير" لوليام شكسبير، لكن بإطار صعيدي مصري يضفي عمقًا إضافيًا على الموضوعات الإنسانية الكلاسيكية. تبرز المعالجة الدرامية للكاتب "عبد الرحيم كمال" الجوانب الاجتماعية والنفسية للشخصيات، بينما يضفي المخرج "شادي الفخراني" رؤية فنية تأسر المشاهد.

يتسم البناء الدرامي في "دهشة" بالتعقيد والتشابك، حيث يتم استعراض صراعات داخلية وخارجية تعكس تناقضات النفس البشرية. تُظهر الشخصيات من خلال صراعاتها بين الخير والشر، والجنون والحكمة، مما يخلق عمقًا إنسانيًا في القصة. كما أن توزيع الأدوار والمواقف يعكس تنوع الشخصيات، مما يساهم في استكشاف قضايا اجتماعية مثل المال، السلطة، والحب.

نجح المخرج "شادي الفخراني" في خلق جو من التوتر الدرامي من خلال استخدام تقنيات تصوير مبتكرة. توازن بين المشاهد الداخلية التي تبرز العواطف الشخصية والمشاهد الخارجية التي تعكس البيئة الاجتماعية. التصوير البصري الغني بالمشاهد الصعيدية يسهم في خلق حالة من الانغماس في عالم القصة، مما يجعل المتلقي يشعر بالارتباط الوثيق بالشخصيات.

تتجلى المهارة الفنية في تصميم المشاهد والديكورات، حيث تنعكس الثقافة الصعيدية بشكل واضح. الألوان، والأزياء، والتفاصيل المعمارية كلها تُستخدم لتعزيز الهوية البصرية للعمل. كما يُعتبر التأليف الموسيقي لـ "عمر خيرت" عنصرًا محوريًا، حيث يضفي عمقًا عاطفيًا على المشاهد، ويعزز من تأثير الأحداث.

استخدم اللغة الأدبية ببلاغة لتجسيد الصراعات والمشاعر، حيث تعكس الحوار بين الشخصيات مزيجًا من الحكمة والمعاناة. تبرز الحوارات الغنية بالأبعاد النفسية، مما يجعل المشاهد يستشعر عمق التجربة الإنسانية. أيضًا، تم استخدام الرمزية بشكل ذكي، مما يتيح للمشاهدين التفكير في معاني أعمق وراء الأحداث.

بشكل عام، يعد "دهشة" عملًا دراميًا متكاملًا يجمع بين الكتابة القوية والإخراج الفني المبدع. يعكس الصراعات الإنسانية بطريقة تأسر المشاهدين، مما يجعلهم يعيشون التجربة بعمق. إن هذا المسلسل لا يُعتبر مجرد إعادة سرد لقصة قديمة، بل هو إعادة تشكيل فنية تأخذنا إلى عوالم جديدة من الفهم والتأمل.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com