اقتباس درامي تراخت فيه الخيوط البنائية للمشاهد

بيروت - لبنان

يكتمل التنوع الإنساني في الحياة بالتضاد أو التناقض الجميل، فالمصطلحات الاجتماعية تحتاج إلى مفردات واقعية مأخوذة من البنية الاجتماعية أو البيئة المحيطة بالحدث لتكتمل معانيها مع الأضداد والمفاهيم الخارجية. إذ لا بد من خبايا نفسية لا يمكن ترجمتها أو الإحاطة بها كما ينبغي. لهذا تتنوع التفسيرات والتوضيحات تبعاً لرؤية تحكمها البيئة الاجتماعية أو بالأحرى المنبت الإنساني. فالخيانه تختلف بمقاييسها ومعاييرها وحتى بمفهومها بين المجتمعات، إن كانت غربية أو عربية. وما بين دراما عربية ودراما غربية قواسم مختلفة ومشتركة، ولكن هذا يعود لكيفية المعالجة الدرامية ورؤيتها من كافة النواحي وتآلفها مع العناصر برمتها من تأليف وتصوير وصوت وإخراج، وما إلى ذلك، ليتكامل العمل الدرامي بنسبة مرضية للجميع.

تباعدت شخوص مسلسل "لو" الذي تم عرضه خلال شهر رمضان الكريم على شاشات التلفزيون العربية، ولم ترتبط بمفهومها التمثيلي إلا ضمن النص والرؤية الحوارية والإخراج، فهذه الثلاثية ابتعدت عن بعضها البعض، فلم نشعر بالتآلف بين المستويات الفنية في أسرة البرنامج. فما بين دور "جاد" ودور "غيث" اختلاف في الأداء، حيث تمكن "يوسف الخال" من تجسيد الدور واللعب على العفوية التي يتبناها، وهو مؤمن بالحب وبحرية المرأة التي لم تشعر نفسياً بمقاييس زوجها الحياتية التي رسمها لها من خلال روتين قاتل، لتسير عليها زمنياً برتابة حياة فقدت فيها وجودها كأنثى تحتاج لتجديد مشاعر أو للإحساس بوجودها. وهي المستسلمة لقوانين البيئة الاجتماعية، والتي تضع المرأة على مفترق طرق ما بين التغيير الجذري الذي يبتر أي اتصال قربى مع الأم والأخت والابنة، أو الاستسلام لمشيئة الحياة التي ترفض العلاقة أو بالأحرى الصحوة أو التراجع عن الخطأ. أو ربما هي اكتشاف لمكنون داخلي كان مخفياً بروتين الحياة الباردة، وهذا أضفى استنكارات عند المشاهد ما بين الرفض والقبول، والتعاطف مع "غيث" (عابد فهد) أو مع "نادين نسيب نجيم" أو حتى "يوسف الخال". إلا أن التلميح للأم التي تلعب البوكر والمستهترة بحق نفسها وبناتها، ومن ثم موتها المفاجئ، لم يمنح المنطق التحليلي لتواجدها إلا الصورة البعيدة عن المفهوم الشرقي، لأن نسبة وجود هذه الأم في الشرق العربية نسبة استثنائية تكاد تكون شبه موجودة. إلا أنها تزيد من كاهل ابنتها المتمسكة بزوج غني استطاع تأمين الحياة الكريمة لها، أو بالأحرى رفض الفنان التشكيلي "جاد نعمة" لأنه غير مستقر عاطفياً. وفي هذا تلميح إيحائي بأن الفنان غير قادر على بناء أسرة، وفي هذا بناء درامي متذبذب بين الإنسان كإنسان ابن بيئة عربية يرفض الخيانة ويسعى نحو امرأة متزوجة ليتزوجها لمجرد اللقاء الغامض في البداية، وهذا لم يكتمل مع جاد كفنان تشكيلي ولد وهو بحاجة إلى الأم التي افتقدها والتي جعلته يبحث عنها بين النساء.

إن المستويات التمثيلية بين الفنانين تأرجحت بين الأدوار المتقنة والأدوار غير المتقنة، وكان التنافس بين الممثل "عابد فهد" و"يوسف الخال" وضع المشاهد على المحك. وربما لأن دور غيث السهل الممتنع جعلنا نشعر بتعبيرات غيث التلقينية، وهو الممثل القدير الغني عن التعريف، كأنه يستخف بموضوع الخيانة أو غير مقتنع بشخصية الزوج الباحث عن الاستقرار أو بموضوع فشل الرجل الشرقي في الحفاظ على أنثاه. وهذا لم يترك المشاهد يتعمق بالشخصية لأبعد حدود المخيلة، ومنهم من انفصل عن المسلسل. لنشعر أن المسلسل هو مواضيع مختلفة في موضوع واحد، وكل منهم في واد، فالخيوط الدرامية في المسلسل لم تتوحد ليمسك بها المخرج في قبضة واحدة بل ترنحت المشاهد لتبقى ضمن تقنية آلية جامدة حتى في المشهد الأخير الذي لم يقاوم فيه جاد غيث، ولا حتى بحركة يد وهو البدين والقادر على الدفاع عن نفسه. فهل صدمة جاد تركت المخرج "سامر البرقاوي" في صدمة أيضاً؟

اقتباس درامي تراخت فيه الخيوط البنائية للمشاهد التي لم تحتكم لرؤية نص لم يجد فيه الكاتب منفذاً له. ليستكمل القصة إلا من خلال استدراج "عابد فهد" أو "غيث" إلى مصر ليبتعد مع صديق العمر الذي تخلى عنه ثم التقى به في السوبرماركت من خلال مشهد يمكن الاستغناء عنه، لكي تستطيع "نادين نسيب نجيم" التنفس بحرية في ظل المستجدات المتتابعة في هذه المرحلة غير المقنعة بكل تفاصيلها. إلا أن "نادين نسيب نجيم" منحت المسلسل نعومة وجمالية تمثيلية عميقة تجسدت بهدوئها المتقن لامرأة تعبث بمشاعرها قبل مشاعر الآخرين، ومن ثم تتمسك بعائلتها لتحافظ على البناء العائلي في مجتمع لن يرحم ابنتها أو أختها في حال افتضاح الأمر. بل وجعلتنا نتعاطف معها بكل الأبعاد المرسومة لها في تجسيد هذه الشخصية. كما أن الموسيقى التصويرية لعبت دوراً مهماً في التأثير التعبيري الذي يتكون منه المشهد برغم تباعد كل فنان بدوره عن الآخر من حيث تآلف الشخوص وتنافرها. وكان البعض يؤدّي المطلوب فقط بعيداً عن الإحساس الذي أتقنته "نادين نسيب نجيم" كما أتقنت الفنانة "إليسا" الهمس برقة شاعرية بالمفهوم العام من خلال إيقاع أغنية انسجمت معانيها مع المفهوم الذي كتبه الفنان "مروان خوري" بجمالية شاعرية اخترقت الحواس بكل تفاصيلها. إلا أن أسرة مسلسل "لو" بكاملها لم تنسجم مع بعضها كما يجب لتكتمل الدراما المقتبسة عن فيلم "Unfaithful"، وهذا لا يعني أن الاقتباس سيء بالنسبة للدراما المرئية، وإنما المعالجة الدرامية التي أشبه بقصاصات مشاهد من هنا وهناك، والتي لم تترابط مع المفاهيم المختلفة التي حاولت الكاتبة "نادين جابر" تجميع الأفكار بأسلوب تراخت فيه الحبكة التي لم تتأثر حتى بالحوارات الخاضعة لديناميكية "بلال شحادات" الذي حاول منح الحوارات اختزالات أحس بها بعض الممثلين، والتي نجح من خلالها الفنان "عابد فهد" والفنانة "نادين نسيب نجيم" والفنان "يوسف الخال" رسم ملامح تعبيرية على الوجوه قرأها المشاهد حسياً. ولكن رغم جدارة الممثل في التعبير التمثيلي والتأثر والتأثير، احتاجت بعض المشاهد لحوارات أقوى مع الملاحظة بأن "نادين جابر" رسمت في الخط المقابل للخيانة شخصية امرأة تحاول المحافظة على الأسرة من خلال الإنجاب المرضي وحاسة الأمومة التي بحثت عنها سارة حتى في الحفاظ على جنين مصاب بثقب في القلب، وكان يمكن استبدالها بموضوع ذي حبكة منطقية لتضع المشاهد أمام استنتاجات موضوعية وأكثر عقلانية وعاطفية من عائلة تضجر منها المشاهد.

إن كلمة أرسطو "الفن مرآة الحياة" تحتاج لرؤية مبنية اجتماعياً على مواجهة حقيقية، وجرأة أكبر وأوسع، خصوصاً في ظل الشبكات العنكبوتية والعولمة المصغرة التي تكشف عن العديد من الخيانات. وهذا كان يحتاج لمعالجة درامية ناجحة تتواءم مع قدرة الأبطال الثلاثة الذين منحوا المسلسل عذوبة بصرية وجذباً للمشاهد، وبالأخص الفنانة "نادين نسيب نجيم" التي تخوفت من قصة صديقتها التي فشلت في الحفاظ على عائلة أو حبيب. وفي رؤيتها في الحلقة الأخيرة، خلق تأثيرات جعلتني أتساءل عن معنى ظهورها في المشهد. إذا كان يمكن الاستغناء عنها واختزال المشهد، لتعصف الأحداث بذهن المشاهد ويستنتج المغزى من تلقاء نفسه، ولا ينحصر في قالب الكاتبة المحدود درامياً.

إن سريالية شارة البداية أعطت مفهوم الفن لغة اللاوعي الباطني الذي يقود صاحبه نحو الجنون أو الهذيان أو الخوف من الحقيقة التي يشك بها أو يخاف من مواجهتها. وأيضاً مع سريالية مشهد انتحار جاد حيث رهافة الفنان وأحاسيسه الدقيقة حتى في رسم الموت، ومنحه الأجواء المناسبة، ليكون موته بمثابة لوحة فنية سريالية تتماشى مع أحاسيسه التي يريد لها الخلود، دون أن ننسى ديكور بيت جاد المتناسق مع شخصية فنان تشكيلي، ونمط معيشته المتحررة من القيود. فهل تحرر "سامر البرقاوي" من "نادين جابر" ومن حوارات "بلال شحادات" المختزلة في مشاهد قيدته بمدة معينة درامياً؟ ليلتزم إخراجياً بالبعد الواحد للنص الذي انفصل إلى أجزاء لم تلتحم برغم براعة أبطاله؟

برؤية أخرى يتناول مسلسل "لو" مجموعة من الموضوعات المعقدة التي تنسج خيوطاً درامية غنية بالتحديات النفسية والاجتماعية. تتجلى هذه التعقيدات من خلال شخصيات متباينة تتصارع مع قضايا الحب والخيانة والهوية. ومن خلال عدسة إخراجية متميزة، يقدم العمل رؤية فنية تأسر المشاهد، لكنها أيضاً تكشف عن بعض الثغرات في التنسيق والتآلف بين عناصره. كما يعتمد البناء الدرامي في "لو" على ثنائية التناقض والتضاد، حيث تتجلى الأحداث من خلال صراعات نفسية متداخلة. تنقل الحبكة المشاهد بين مستويات مختلفة من التوتر، مما يعكس الواقع المعاش في المجتمعات العربية. ومع ذلك، تُظهر بعض المشاهد تباينًا في الإيقاع الدرامي، مما يؤدي إلى شعور بعدم التناسق أحيانًا.

تتميز الشخصيات في المسلسل بتعقيدها النفسي. شخصية "جاد" (يوسف الخال) تعكس التحديات التي يواجهها الفنان في مجتمع تقليدي، بينما تمثل "نادين" (نادين نسيب نجيم) الصراع بين التقليد والحرية. يتجلى عمق الشخصيات من خلال الأداء، إلا أن بعض المشاهدات تفتقر إلى التفاعل المنسجم بين الأبطال، مما يُشعر المشاهد بتباعد بين الشخصيات.

يُبرز المخرج سامر البرقاوي قدراته في توجيه المشاهد بأسلوب بصري جذاب. تساهم الإضاءة والتصوير في خلق أجواء تعكس المشاعر المعقدة للشخصيات. لكن أحيانًا يفتقر العمل إلى وحدة بصرية متكاملة، مما يؤثر على التدفق الدرامي. مشهد انتحار "جاد" على سبيل المثال، رغم أنه مُعبر، إلا أن طريقة تقديمه قد تعكس بعض الافتقار للتوازن. كما تسهم كتابة نص "لو" في إثراء المحتوى الدرامي، حيث تحمل الحوارات عمقًا عاطفيًا، لكنها أحيانًا تتسم بالإفراط في التقريرية. الحوار بين الشخصيات لا يعكس دوماً الواقعية التي يفترض أن تعكسها المواقف. كان من الممكن تحسين بعض المشاهد عبر اختزال الحوارات لتكون أكثر تأثيرًا وإيحاءً.

تُعد الموسيقى التصويرية عنصرًا أساسيًا في إضفاء الأبعاد العاطفية، حيث تساهم في تعزيز الإحساس بالمواقف الدرامية. تنجح الأغاني المستخدمة في توصيل المشاعر، لكنها أيضًا قد تعكس بعدًا عاطفيًا غير متوازن مع الأحداث في بعض الأحيان. إذ يعكس التصميم الفني للمسلسل بيئة الحياة العربية المعاصرة، مما يضفي مصداقية على الحبكة. الديكور والأزياء تعكس الذوق والتوجهات الثقافية للشخصيات، لكن هناك أوقات يمكن أن يبدو فيها هذا الجانب متكررًا.

يقدم مسلسل "لو" تجربة درامية غنية تعكس التحديات الإنسانية والقيود الاجتماعية. رغم بعض الثغرات في التنسيق بين العناصر المختلفة، يظل العمل قادرًا على جذب المشاهدين من خلال عمق الشخصيات والإخراج البصري المتميز. في النهاية، يشكل "لو" منصة تستحق المشاهدة والتأمل، مع أهمية التأكيد على تحسين التناغم بين مختلف جوانبه لتعزيز تجربة المشاهدة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com