عوالم تسللت إلى كافة أشكال التعبير الإنساني
ضحى عبد الرؤوف المل
بيروت – لبنان
قراءة في كتاب تاريخ الجنون في "العصر الكلاسيكي" للمؤلف "ميشيل فوكو"
يتوغل المفكر "ميشيل فوكو" في عوالم الجنون اللانهائية، أو كما يقول: "يسلم نفسه إلى عالم اللايقين الرهيب الموجود خارج كل شيء"، وهذا ما يبتكره العقل للخروج من أزمة يطؤها بانفلات تحرري من كل شيء نحو لا شيء، حيث لعنة اللاعقل الكبرى، والامتداد المتجدد بتحولات الأوهام الممزقة إلى حقيقة مرادفة يتحكم بها. ليحيط بالهواء النفسية المنفصلة عن الذات المتمسكة بضوابطها النفسية بمعتقدات يسلكها المجنون. "فحكمة الطبيعة هي من العمق لدرجة أنها تستعمل الجنون باعتباره الدرب القصير المؤدي إلى الحكمة، متخطياً أشكاله الخاصة من خلال عناية إلهية غير مكشوفة"، ولكن بأسلوب حياتي غير محدود يستطيع من خلاله كسر كل روتين يتقيد به اجتماعياً أو إنسانياً، حيث يستطيع اختراق الوجود الإنساني بأكمله، المبني على قوانين ومعايير ومقاييس "في الحكم وخطته كأشكال "أيديولوجية" للضبط والردع وحماية الحدود". الوسط المضبوط لكي يصبح في النهاية أداة لقياس كل ما هو غير عادي ومألوف، وهذا ما يرتبط بالقبول والرفض أو بما يمارسه الآخرون من ضغوطات تتناقض مع مفاهيمه الشخصية أو الاجتماعية. فيتحرر من العقل نحو اللاعقل ليخوض رحلة في اللاوعي، حيث الفضاء التخيلي هو البحر الذي يحمله إلى ضفاف آمنة.
تتنافر الكائنات البشرية فيما بينها وتتوافق لأسباب مجهولة أو معلومة. إلا أنها "وجدت نفسها – لأسباب لا رابط بينها – خارج المجتمع وخارج معاييره في الحكم والتميز، ملقاة في مؤسسات تسهر عليها عيون الحرس والشرطة والجلادين، وتفتقر إلى الحدود الدنيا التي يتطلبها الشرط الإنساني". المضحك المبكي في كتاب ميشيل فوكو "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" هو تحديد الفترة الزمنية أو منح العصر الكلاسيكي تاريخ جنون تدشين في مرحلة جديدة، "أو بعبارة أخرى، تحول اللاعقل إلى جنون من طبيعة أخرى نحن في حاجة إليه، لأنه يعد حافزاً ضد المستحيل والمستعصي والذي لا يمكن إدراكه". ليدرك بعد عدة مقولات من ضمنها الحاجة إلى جنون الحب للحفاظ على النوع بأن "الحياة لا تعاش إلا إذا كانت جنوناً".
ربما ما يهدف إليه "ميشيل فوكو" في كتابه هو منح هوية جنونية لكل من استطاع الهروب من أوجاعه المحيطة به، والتي يتسبب بها الواقع الإنساني، وما يحمله من ضغوطات أو أفكار يتبناها، وينصدم بخيوط واقعيتها أو استحالتها. ليضعنا مباشرة أمام تجربة الأحمق، وما ينتج عنها من معادلات تركها كأراء تنتمي له فقط بمعنى أو آخر، حيث سفينة الحمقى هي صورة سريالية يرسمها بمخيلة تمس الذهن، وحساسيته المرهفة الغامضة في طبيعتها العبثية التي تميل إلى انتزاع "الصور العبثية للحماقات العمياء هي المعرفة الكبيرة للعالم". إلا أن الجنون عند فوكو يرتبط بالإنسان، وبحالات ضعفه وأحلامه وأوهامه. "فهل يستطيع الإنسان صنع نفسه من خلال تعلقه بذاته؟ أم إن الجنون هو ابتكار جديد لأسلوب حياتي، أو "المرآة التي، دون أن تعكس شيئاً واقعياً، تعكس سراً. إنها في نظر ذلك الذي يتأملها، حلم تخميني. إن الجنون لا يهتم بالحقيقة والعالم، وإنما يهتم بالإنسان وحقيقته كما يتصورها هو".
تشير لغة العيوب الإنسانية إلى عوالم الحلم وفحواها الواقعي من سلطة تافهة ونسبية مع واقع كانت له قوانينه فوق الإنسانية. إلا أن "ميشيل فوكو" يحاول الفصل بين ما هو محدود وغير محدود. فالعقل الجزئي هو نتيجة معادلة يقدمها الفلاسفة أو حتى العلماء بنسبية تعتمد على تحليلات فردية. تقدم كل منها وجهة نظر ليست إلا، قد تفتقد للصواب وربما هي الخطأ نفسه. ولكن "إن عقل الإنسان في نهائيته لا يشكل فعلاً شرارة للنور العظيم، بل هو جزئية من ظلام. فأمام ذكائه المحدود لا تنفتح الحقيقة الجزئية والعرضية للظاهر. ولا يكشف جنونه سوى عن الوجه الآخر للأشياء، وعن جوانبها المظلمة، وعن التناقض المباشر لحقيقتها". إذ يمنح فوكو الجنون قيمة ندرك من خلالها قوة العقل واندماجه مع القضايا المحورية التي تكشف عن امتيازات يربطها بصراع المعرفة والمنع، بل ويقول: "لقد أصبح الجنون شكلاً من أشكال العقل ذاته. إنه يندمج معه ليشكل إما قوى خفية، وإما لحظة من لحظات تجليه، وإما شكلاً مفارقاً يعي ذاته بذاته. وفي جميع الحالات، فإن الجنون لا يمتلك معنى وقيمة إلا داخل حقل العقل".
يبحر بنا "ميشيل فوكو" نحو أبشع أشكال الجنون الإنساني، حيث يستولي العقل سراً على الجنون، أو بالأحرى، كما يقول: "لا وجود لعقل قوي لا يغامر ضمن الجنون من أجل الوصول إلى عمله". دون أن ينفصل العقل عن الجنون، أو بالعكس، هو التحام الجنون مع العقل. ليحتفظ بمظاهر سيادته الكبرى وحضوره المألوف داخل العالم الإنساني. ولكن هل العقل هو السبب في الانحلال الأخلاقي؟ أم إن الاندماج ضمن الميثاق الأخلاقي الكبير للوجود الإنساني يتطلب تبرئة اجتماعية، أو قواعد الأخلاق ولياليها الرتيبة؟ وفي كلتا الحالتين "إن معنى الحجز يستوعب داخله غاية اجتماعية تسمح للجماعة بإقصاء العناصر الطفيلية أو الضارة"، لأن التوازن الدقيق في تحليلات فوكو يقود العقل نحو ملاحظات تتميز بطابع هادئ يستدرج من خلاله القارئ. لتنكمش تفاعلاته دون تكلف أدبي، فسلاسة الاستنتاجات الواعية تتعاكس مع الوعي الذي يقدمه، وهذا يصدم القارئ، فيحتاج لقراءة الكتاب أكثر من مرة.
تتباين نظرياته بحيوية سلبية وإيجابية، حيث ينفي ومن ثم يتقبل كل أنواع الأفكار التي نطوي على عقدة يصعب حلها ما لم يدخل عوالم الجنون والعقل وفق اجتماعيات، ودرجات التسامي عند الإقرار بدرجات الزواج المقدس الذي يمنحه العقل، والتعقل، والتفكر في رسم دائرة العقل من خلال العائلة، وما يتلاءم مع نظامها ومصلحتها باعتباره يشكل نوعاً من اللاعقل. إلا أن الأمر يتعلق "بحالة غامضة لهذا العالم الذي فقد قدسيته، وأصبح النظر إلى العنف دونما تناقض من خلال حدود المصاب بالبله أو اللاديني". فهل فعلاً بعد كل هذا الجنون حكمة؟ أم إنه يدفع بالقارئ نحو الجنون ليدرك قيمة العقل بعد الكشف عن تيار غريب من الأفكار؟ "سيضيف من خلاله بعض الأشكال الحرة في التفكير وبعض مظاهر العقل إلى عوالم اللاعقل". فهل الجنون مغرٍ لأنه معرفة كما يقول؟
من منا لا يحيا الجنون أو لا يتوهم بلحظات ما تخيلية بعوالم أخرى ينفلت فيها من قيود اجتماعية أو حتى قيود المادة الجسدية؟ ربما وهمية، وربما ما ورائية. لكن تمنحه الراحة النفسية، بل والوعي في جوانب منها مع الاحتفاظ بالخبرة الحياتية التي يتمتع بها الإنسان بشكل عام. إذ يتجه بالوعي واللاوعي إلى اختبارات نفسية تتحاور فيما بينها، لأن "أحدهما يعود إلى تجربة خاصة بالإنسان باعتباره ذاتاً للحق يمكن أن ندرس أشكالها وواجباتها، والآخر ينتمي إلى تجربة خاصة بالفرد باعتباره كائناً اجتماعياً. ففي الحالة الأولى يجب تحليل الجنون من خلال التغيرات التي يمكن أن يحدثها في نظام الواجبات، وفي الحالة الأخرى يجب التعامل معه بكل أبعاده الأخلاقية التي تبرر إقصاءه". وكل هذا للولوج إلى عالم المجنون وكيفية التعامل معه ضمن حالات تعبر عن نفسها "ولكن على شكل تساميات مخيالية"، ومن ثم يربط بين الجنون الحقيقي والخلل العقلي العابر وكأنها أكاذيب تكمل خرافات اللاعقل. فهل يمكن اعتماد هذا الشكل الإيجابي للتطور؟ أم هو تحول فلسفي إلى أنثروبولوجيا لنحترم الجنون بكافة تفاصيله؟
برؤية أخرى يسعى ميشيل فوكو في كتابه "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" إلى استكشاف مفهوم الجنون كظاهرة اجتماعية وثقافية عميقة. إن فوكو لا يعالج الجنون كحالة فردية فحسب، بل كجزء من شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، حيث يتداخل الجنون مع مفهوم العقل وتحديد الهوية الإنسانية.
في البداية، يُظهر فوكو أن الجنون ليس مجرد انحراف عن العقل أو سلوك غير عادي، بل هو منتج اجتماعي وثقافي يتم تشكيله من خلال السياقات التاريخية المختلفة. ينظر فوكو إلى الجنون كعلامة على كيفية تعريف المجتمع لما هو "عادي" و"غير عادي". بالتالي، يُستخدم الجنون كأداة للتحكم والضبط الاجتماعي، حيث يُقابل المجنون بحدود صارمة تحدد مكانته في المجتمع.
يتناول فوكو أيضاً كيف يتم استخدام الجنون كوسيلة من قبل المؤسسات السلطوية، مثل السجون والمستشفيات، لإقصاء الأفراد الذين لا يتماشون مع المعايير السائدة. يظهر الجنون كوسيلة لتحصيل القوة والسيطرة، حيث يُستبعد المجنون من المجتمع ويدخل في أنظمة علاجية تُعيد تشكيل هويته. إن هذا الطرح يشير إلى كيفية بناء الأيديولوجيات التي تعزز الهيمنة من خلال إقصاء أولئك الذين يُعتبرون خارج المعايير المقبولة.
يسلط الكتاب الضوء على علاقة الفرد بذاته، وكيفية تأثير المجتمع على تشكيل هويته. يُظهر فوكو أن المجنون لا يُعرف فقط من خلال جنونه، بل من خلال النظرة الاجتماعية التي تعكسه. الهوية، إذن، ليست ثابتة بل تتشكل من خلال تفاعل الفرد مع المجتمع. في هذا الإطار، يُطرح السؤال: هل يمكن للفرد أن يصنع ذاته خارج تلك القيود الاجتماعية؟
في النهاية، يسعى فوكو إلى تقديم الفلسفة كأداة للتحرر من القيود التي يفرضها المجتمع. يدعو القارئ للتأمل في المعاني المتعددة للجنون والعقل، وكيف يمكن أن يُفكك الفهم التقليدي لهذه الثنائيات. الجنون هنا ليس فقط حالة من الفوضى، بل يحمل في طياته إمكانيات جديدة للفهم والوجود. أثارت قراءة الكتاب لدي انطباعًا عميقًا حول طبيعة الإنسان والمجتمع. من خلال تحليل فوكو، أصبحت أكثر وعيًا بالتحديات التي تواجه الهوية الفردية في ظل ضغوطات المجتمع. إن رؤيته تعكس تداخل القوى الاجتماعية والنفسية، مما يعكس واقعًا معقدًا يتجاوز التصورات السطحية عن الجنون.
باختصار، يقدم ميشيل فوكو في "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" تحليلاً فلسفياً عميقاً يتجاوز المفاهيم التقليدية للعقل والجنون. يساهم الكتاب في فهم كيفية بناء الهويات في سياق اجتماعي معقد، مما يشجعنا على إعادة التفكير في معاني العقلانية والجنون في حياتنا اليومية. من خلال هذا العمل، يدعو فوكو كل واحد منا إلى استكشاف أعماق الذات والتأمل في العلاقات التي تشكل وجودنا.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com