جومانا جمهوري والواقع المتخيل فوتوغرافيا

ضحى عبدالرؤوف المل

تتكرر الإيقاعات التصويرية بشكل تجريدي ومبهم نوعًا ما في أكثر من صورة في أعمال الفنانة "جومانا جمهوري" الفوتوغرافية، حيث تعتمد على الخطوط والأشكال البنائية. كما تعتمد على التموجات والظلال في بعضها، وهو غير مقيد بنظم تصويرية أو معايير فنية. إنما تبرز جمالياته في الإيقاع الضوئي والتكرار الموسيقي للخطوط التي تتكون من مساحات مفتوحة بصرية نحو خلق الإيحاءات المتعددة من خلال صورة واحدة، هي لشكل التقطته العدسة بأسلوبها التخيلي والانعكاسي الذي يؤلف نسيجه من العدسة، المساعدة على خلق المواضيع الفنية ذات التصاوير الهندسية أيضًا، والخطوط المتزنة في مساراتها من حيث الشكل العام.

تؤثر عدسة الفنانة "جومانا جمهوري" على إثارة البصر، فتدفعه نحو اكتشاف المزيد من التجريد الجمالي الملتقط من الواقع، لتبني نظمها الفوتوغرافية من الواقع إلى الخيال، ولتعصف بذهن المتلقي من خلال البصر، متفاديةً إرباك العين لتحافظ بذلك على توازن الصورة، ومحور أبعادها التخيلية. لنرى الصورة وفق أبعاد المخيلة أو من خلال البناء التصويري على ما هو ظاهر، وبشكل مختلف عن الفكرة المتمثلة بالتلاعب الحركي والساكن، حتى ما بين الضوء والعتمة والظل من خلال المفهوم المحوري لإعادة صياغة اللقطة الفوتوغرافية، وفق الإخراج التظهيري الإلكتروني للصورة، كتحسينات رؤيوية ولمسة فنية معاصرة مصقولة بصريًا من عدة زوايا.

إيقاعات بصرية متزنة وتضاد رياضي يوحي بالعمق الفني الفوتوغرافي للصورة التجريدية أو الواقعية المحسوسة ذات الجمالية الطبيعية. إلا أن التصوير التجريدي في أعمالها ذي مفهوم بنائي هندسي عميق الرؤية برغم التنوع في معرضها. إلا أن الغالب على الأنماط الفوتوغرافية هو التجريد البصري، وجماليته الملموسة بصريًا مع الاختزالات المؤدية إلى توطيد الفراغات وانعكاساتها. لتقارن العين حسياً ما بين ممتلئ وفارغ، وما بين التشابه والتماثل والسيمترية في أكثر من صورة تداخلت خطوطها وانسجمت مع الضوء وتدرجاته المتذبذبة بين البداية والنهاية، أو بين الأسس التصويرية للصورة الفوتوغرافية.

تتداخل التأثيرات البصرية ما بين صورة وصورة، فتزداد أو تنخفض تبعًا لنوعية الصورة وجماليتها، وارتسامها ضمن جوهرية فوتوغرافية أو لمسة فوتوشوب ذات تشكيلات تصويرية طبيعية تمنح الرؤية تباينات التقطتها العدسة وفق انبهار ضوئي. لإظهار الجمال التخيلي لعدسة تلتقط الكتل وتحولها إلى موسيقى بصرية ذات تقنيات فنية مدروسة، تنعكس جمالياً مع التجريد، ومع بنائية الخطوط واختزالات الضوء والعتمة والظل. مما يمنح صورها الفوتوغرافية تنوعات خاصة، فهي تتجه نحو الخيال من خلال الواقع، لتفتح علاقة جدلية مع العدسة وقدرتها على إنتاج تصويرات تجريدية تميل نحو الغموض مع الحفاظ على ذاتية الصورة بموضوعية جمالية ذات صياغة فنية تثير حوارات بينها وبين المتلقي، والصورة المبسطة لواقع أنتج نوعًا من وجود تخيلي آخر.

تترادف المفاهيم الحسية للمحاكاة التصويرية في أكثر من صورة تجعلُك تتأملها بعمق، لتتساءل عن معناها الإيحائي أو البنائي أو التجريدي أو حتى الرومانسي، خصوصًا في دقة الإخراج للصورة وللصفاء، والتباين العاكس للعلاقة ما بين الداخل والخارج. أو بالأحرى ما حاولت إظهاره الفنانة "جومانا جمهوري" للعين الرائية مستخدمة مصطلحات فنية متعددة، لتتواكب مع الواقع والخيال والحقيقة التي تنطوي على أسرار مجهرية قد لا تراها العين المجردة، ولكن تراها العدسة وتنقلها فنياً للعين المجردة وفق تغيرات بيولوجية للرؤية الواحدة التي ينتج عنها أكثر من صورة فوتوغرافية مشحونة بانفعالات فنية خاصة، انسجمت معها "جومانا جمهوري" وتكيفت مع المؤثرات والانعكاسات. لتضعنا أمام حقائق عدستها وما التقطته من خلال مخيلة نشطة حسياً وفنياً.

ترسم عدسة الفنانة "جومانا جمهوري" من منظور ضوئي، وبؤرة رياضية تعكس الواقع ضمن متخيلة خارج الزمن، وكل ما هو محدود حتى المكان. لتبدو الصورة ذات سمة جدلية يستطيع المتلقي رؤيتها تبعًا لفكره الخارجي عن التكوينات الهندسية أو الحسية، كهالة جمالية مقرونة بفكرة ذات أبعاد إيجابية وسلبية خادعة للبصر أحيانًا، حيث يتزاوج الجوهر والمظهر ويتنافر أحيانًا في بعض الصور. لنشعر بالتضاد والتناقض في معرض صورها الفوتوغرافية الذي يقود الحس الفني العام فيه الرؤية التجريدية، ومرآوية الضوء النسبي مع التمازج الحسي والمجرد عبر التخيل وتوافق وتضاد الجوهر والمظهر.

إن الأسلوب السهل الممتنع في تصويرها الفوتوغرافي يصعب تقييمه، لأنه يتعارض مع الواقع الذي تخلق منه تخيلات ذهنية، وحركة ساكنة في غالبها، رغم الحركة بين ما هو متضاد ومنسجم إيقاعياً. إلا أنها تتناقض مع مفهوم قريب وبعيد، بحيث يشعر المتلقي أن كل ما هو قريب وملامس العدسة هو بعيد بصريًا والعكس. مما يسمح بخلق تساؤلات عند المتلقي عن تفاصيل كل صورة وجمالية جزئياتها المحبوكة بصريًا والتفكيكية حسياً. يؤكد لوكاش أن كل فن عظيم يعكس الواقع بكيفية يذوب فيها، وبها تعارض الجوهر والمظهر، الماهية والظاهرة، الحال الفردية المتفردة والقانون العام. فهل استطاعت "جومانا جمهوري" تحديد هويتها الفوتوغرافية في هذا المعرض؟ أم أن التنوع الفني فتح أبواب تساؤلات لا تنتهي عند المتلقي؟

برؤية أخرى أعمال الفنانة "جومانا جمهوري" من منظور تصويري يبرز قدرتها على دمج الواقع مع الخيال. يُظهر كيف تخلق الصور حالة من التجريد تعكس العمق الإبداعي والرؤية الفنية التي تمتاز بها.

تتميز أعمال جومانا بتنوع الألوان والأنماط، مما يخلق تجربة بصرية فريدة. يعتمد المقال على وصف كيف تُستخدم الإضاءة والظلال لتشكيل الأبعاد وإبراز التفاصيل، مما يمنح الصور جمالًا خاصًا. الإيقاعات البصرية المتزنة تعكس تناسقًا بين العناصر، مما يعزز من الجمالية الكلية للعمل.

أبرز من خلال المقال كيفية استخدام جومانا للجوانب التجريدية لتقديم صور تحمل دلالات متعددة. تجسد أعمالها تجارب إنسانية، حيث يمزج التجريد مع العناصر الواقعية ليشكل رؤية جديدة. هذا التوازن يتيح للمشاهد رؤية الأشياء من زوايا غير مألوفة.

تحدثت عن التقنيات المختلفة التي تعتمدها جومانا، مثل التركيب الجيد والزوايا الفريدة. هذه التقنيات لا تُظهر فقط جماليات الصورة، بل تُبرز أيضًا الرسائل العميقة الكامنة فيها. يُظهر المقال كيف أن العناية بالتفاصيل تعزز من التجربة البصرية.تمكن جومانا جمهوري من استحضار مشاعر قوية من خلال أعمالها. يُظهر المقال كيف تعكس الصور مشاعر الفرح، الحزن، والتأمل، مما يعمق من تفاعل المشاهد مع العمل. هذا التفاعل يعكس قدرة الفوتوغرافيا على نقل التجارب الإنسانية بشكل مؤثر. تناقش الأعمال مواضيع مثل الهوية، الزمان، والتغير، مما يضيف بعدًا فلسفيًا للصور. الرمزية تعكس تجارب إنسانية متعددة، مما يشجع المشاهد على التفكير في الرسائل الأعمق وراء العمل. إذ تدعو جومانا المشاهدين للتفاعل، حيث تخلق فضاءً للحوار والتأمل. الصور ليست مجرد تمثيل للواقع، بل هي دعوة لاستكشاف المعاني والتفاصيل المخفية.

في الختام، يعكس المقال رؤية فنية شاملة لأعمال "جومانا جمهوري"، مما يُبرز توازنها بين الواقع والخيال. من خلال جمالياتها، تقنياتها، وموضوعاتها، تُظهر قدرتها على خلق تجربة بصرية غنية تشجع على التفكير والتفاعل. تعتبر هذه الأعمال تجسيدًا للعمق الفني الذي يمكن أن تحققه الفوتوغرافيا كوسيلة تعبيرية.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com