مسرحية "روميو وجوليت" أو "رعود المزن" برؤية بدوية عربية

ضحى عبدالرؤوف المل

هل يموت السلام بين قصص الحرب والحب عبر التاريخ، أم إن الدراما باتت في تجدد ذاتي مستمر لما هو عالمي أو مثير للجدل؟ فما بين مسرحية "روميو وجوليت" لـ"ويليام شكسبير" وما كتبته "وفاء بكر" من اقتباس أو معالجة درامية برؤية بدوية، مع الحوارات الغنية بالتفاعل الفني النشط بالشعر والغزل والحب والكره والحقد والغضب، يظهر الشر الذي أبدعت في إظهاره الجازية أو الفنانة "عبير عيسى". وهو ليس بكتابة قصة جديدة، وإنما حبكة درامية صحراوية التهبت فيها أدوار المرأة بمختلف تفاصيلها.

ما قدمته هو رؤية درامية لقصة حب ولدت في الصحراء بين حبيبين ينتمي كل منهما لقبيلة مختلفة، وهما يتصارعان. فكرتها مقتبسة من "روميو وجوليت"، إلا أن الحب يولد بدون جرس إنذار تقرعه الحروب. فهل استطاع المسلسل تقديم ما هو مفيد للمتلقي من خلال إعادة مسرحية "روميو وجوليت" للاذهان، أو "رعود المزن" برؤية بدوية عربية؟ أم إن الأداء التمثيلي المتقن استطاع خلق إثارة تفاعلية بين المشاهد والممثلين، والشعر العربي الجميل ما بين الشاعر "موسى حوامدة" وصوت "غادة عباسي"، مما أضاف نوعًا من الرومانسية المتوالفة مع الأحداث المتناقضة مع الحب؟

استطاع مسلسل "رعود المزن" كسر الروتين العربي في قصص الحب البدوية. كما استطاعت الممثلة القديرة "جوليت عواد" جذب الأنظار إليها من خلال تقمصها دور الجدة أو المرأة العربية ذات الحكمة والقدرة على فهم الأمور، وتحويلها الصبر وحسن تحليل الأمور إلى سلاح يتواءم مع كيد المرأة. حيث جسدت الجازية كيد المرأة الشريرة وكيدها في الحب أيضًا، وما تمتلكه من دهاء تستطيع به خلق حروب متواصلة. كما تستطيع أيضًا أن تكون الحكيمة والرؤوفة القلب، والقادرة على تدوير الأحداث والتفكر بالنفوس كالجدة أو الفنانة "جوليت عواد". وهذا وضع المشاهد أمام المرأة بكل صفاتها، فهي كالرجل ولا يستهان بها. فالأوجه الإنسانية المختلفة حبكتها الكاتبة وفاء في شخصياتها العربية ضمن رؤية معاصرة لا يمكن إنكارها، بداية من الجازية أو الفنانة "عبير عيسى" إلى "صيتة" أو الفنانة "هدى حمدان" وصولاً للمزن، الفنانة "ريم عبدالله" الصبورة والكتومة والقادرة على مواجهة القبيلة بحبها لرجل مشهود له بالفروسية والشهامة، وسواهن المختلفات جماليًا وفكريًا وفي اتجاهاتهن الحياتية وإيمانهن بالحب المشرف الصافي بين القلوب.

حملت اللغة الشعرية توجهات عاطفية وجدانية غنية بمعانيها ومضمونها الجمالي، كأغنية المقدمة التي كتب كلماتها الشاعر "موسى حوامدة"، ومع المتفرقات الشعرية المتسلسلة ضمن الحلقات الغنية بالأحداث العاطفية المؤثرة والتي تأثر بها المشاهد وتفاعل معها، ومع موسيقى "وليد الهيشيم" التصويرية التي استطاعت نقل الأجواء المنسجمة مع الصورة، ومع الأصوات الحسية الأخرى من صوت النار وصوت السيوف، وغيرها. ومع ما أنشدوه من شعر يحمل من المعاني الموسيقية والنغمة اللغوية ما يتناسق مع الديكور والملابس والرؤية الإخراجية.

تطرح الكاتبة "وفاء بكر" إشكالية التحليل المنطقي بكل ما يجري من حولنا، فلا يجوز التسليم بالأحداث كما هي، إشارة إلى الجدة أو "جوليت عواد"، وكيفية مراعاة هذا الحب الذي تفهم قدره وأحاسيسه مع الحفاظ على الإبقاء عليه معافى من شوائب العار وما هو متعارف عليه بين القبائل والعشائر. إلا أن النظرة الدرامية المأخوذة من مسرحية شكسبير تركت المشاهد في حالة صدمة غير متوقعة، وكأن ما رآه هو مسرحية شكسبير بكل تفاصيلها من خلال مشهد واحد اختزل كل المسرحية ومضمونها. إلا أن الحوارات المتتابعة والغنية بالتشويق والإثارة استطاعت تغطية الحدث الأخير، وما أحس به المشاهد من سلبية الموقف بين الحبيبين. لينطلق في ذاكرته بين ما تغلغل في الذهن من قدرة المرأة على الخير والشر، وعلى الحكمة والتفكر بمجريات الأحداث، كما هي قادرة على خلق الفتن بين النفوس. لتضيء بذلك على جوانب نفسية وجمالية عند المرأة العربية بالأخص، وأن تراءى الزمن بالبعد المتكرر مكانيًا، أي إمكانية تكرار ما حدث من مسرحية شكسبير وصولًا إلى "رعود المزن"، وما سيأتي بعده من أزمنة تعيد نفسها ولكن بأساليب مختلفة وطريقة عيش تختلف، بدائية أو بدوية أو معاصرة في زمن العولمة الجديد. لأن الحب هو الحب والشر هو الشر والحرب والسلام معادلة يصعب الوصول إليها في كل الأزمنة.

تصوير خارجي ذو قدرة على التحكم باتجاهات الحركة المتوقعة لكل ممثل مع الحفاظ على دينامية البداية والنهاية لكل مشهد، أظهر من خلاله "ليث النعيمات" جمالية فنية ذات معايير تتناسب مع الداخل والخارج، والفترات النهارية التي يصعب فيها التصوير المتنقل لانعكاسات الشمس على العدسة، أو حتى على خلق مقاييس ليلية تظهر تفاصيل خلفيات أو عن بُعد في كثير من المشاهد التي نجحت بنسبة جيدة في التقاط المشاهد ذات الصفاء البصري الملفت للانتباه والتباينات اللونية في كل وقت وزمان ومكان، والجاذب للحواس وللوجدان الفني. مما منح المشاهد ارتياحًا مرئيًا مع إظهار جمال الصحراء وعادات الحياة البدوية من ديكور ولباس، وحتى جمال المرأة البدوية وعاداتها العمرية مع الحفاظ على الفوارق، وأيضًا جمالية الخيل العربية. وما إلى ذلك ليستكمل المسلسل الدرامي عناصره الفنية المتماسكة مع بعضها من خلال التآلف بين عائلة المسلسل الفنية الواحدة، وقدرة الممثلين دون استثناء، مع الإشارة إلى أن الفنانة "ريم عبدالله" كانت تحتاج للمزيد من اللفظ اللغوي البدوي، وهذا ما تميز به الفنان "ياسر المصري" الذي أبدع بالأداء أو بتقمص الشخصية بنسبة عالية، مع الإشارة إلى الأدوار الأخرى التي نجحت في التعبير الفني التمثيلي، ورسم الملامح المناسبة لخلق التعاطف معها كما فعلت "صيتة" أو الفنانة "هدى حمدان"، أو الفنانة القديرة "جوليت عواد" و"جميل عواد".

إن دراما "رعود المزن" جذبت المشاهد العربي إليها. كما استطاعت الموسيقى التصويرية للموسيقي "وليد الهيشيم" ترجمة الحدث إيقاعيًا مع الحفاظ على التناغم المشهدي والموسيقي المرتبط بتغيرات وتحولات الحدث والمكان. لنقارن بين ما هو مقروء وما هو مشاهد، وما استطاعت من خلاله "وفاء بكر" معالجته والانتقال بنا من عصر يحفل بعادات غربية إلى صحراء بدوية عربية تحمل النخوة والشهامة وحتى العداوة والبغضاء بين القبائل المتناحرة.

أما عروض المشاهد الاسترجاعية، التي استرجعنا معها بعد المواقف التي كنا نتساءل عن أجوبتها في البداية، ترجمت كل إثارة انفعالية حدثت عند المشاهد، ولكن كانت تحتاج لحركة بطيئة نوعًا ما، لأنها أتت سريعة، ولم يتمكن المشاهد من استرجاعها الكلي مع الشخصية، خصوصًا بمواقف الجازية، وما كان يتراءى لها من تهيؤات نفسية أبدعت في إظهارها من المخبوء النفسي. ليقتنع المشاهد بالأداء التفاعلي المؤثر مرئيًا على الحس الدرامي لإثارة الخيال الذهني ووضعه أمام الأفق المتسع في كل مشهد اكتملت أركانه بنسبة ما. فالمسلسل استطاع تسجيل هوية حداثية في المسلسلات البدوية من خلال العديد من النقاط، ولكن من أهمها دور المرأة العربية وقدرتها على إدارة الفكر السلوكي الانعكاسي وتقلباتها المؤثرة بشكل عام على المجتمع.

برؤية أخرى تتجلى عبقرية وليم شكسبير في قدرته على معالجة القضايا الإنسانية الخالدة، مثل الحب، الحرب، والعنف. ومع مسرحية "روميو وجوليت" التي تتناول قصة حب مأساوية، تأتي "رعود المزن" لتقدم منظورًا بدويًا يعيد تشكيل هذه القصة ويضفي عليها أبعادًا ثقافية جديدة. هذه المعالجة ليست مجرد إعادة سرد، بل هي تمثيل عميق يعكس تصورات المجتمعات العربية التقليدية وقيمها.

الحب هو المحور الرئيسي، إلا أن سياقهما يختلف. "روميو وجوليت" تتمحور حول الحب الممنوع الذي يُواجه بالتقاليد والعائلية، بينما "رعود المزن" تعكس حبًا ينشأ بين حبيبين من قبيلتين مختلفتين، مما يزيد من تعقيدات العلاقة. هذا الاختلاف يُبرز الصراع بين القيم القبلية والفردية، ويجعل الحب يتحدى الأعراف الاجتماعية، مما يخلق توترًا دراميًا غنيًا.

يتميز العمل البدوي بتوظيف الشعر والغزل بطريقة تُثري النص. استخدام الشعر العربي في "رعود المزن" يضفي جمالية تعبيرية تسهم في إيصال المشاعر العميقة، مما يعكس الروح البدوية الغنية بالتصوير الشعري. بينما في مسرح شكسبير، يُستخدم الشعر أيضًا كوسيلة للتعبير عن المشاعر المعقدة، مما يخلق توازيًا في استخدام اللغة الفنية.

تجسيد الشخصيات في "رعود المزن" يبرز جماليات المرأة في المجتمع البدوي. فالشخصيات النسائية مثل الجازية تجسد الحكمة والقدرة على التأثير، مما يعكس دور المرأة كمحور في الصراع. في حين، تتمحور شخصيات شكسبير حول الحب والتضحية، مما يُظهر التعقيد النفسي الذي يواجهه الأفراد.

التحولات في "رعود المزن" تُظهر كيفية دمج الأسلوب الإخراجي المعاصر مع التقاليد البدوية، مما يخلق فضاءً بصريًا يتماشى مع جوهر القصة. الاستخدام الذكي للتصوير الخارجي، والديكورات، والأزياء يعكس التقاليد البدوية، مما يُعزز من الشعور بالواقع. بينما في مسرح شكسبير، غالبًا ما يتم تقديم المسرحيات في فضاء مغلق، مما يُركز على الأداء والحوارات، لكن يمكن استنتاج العواطف من خلال الأداء الجسدي المكثف.

عند الجمع بين مسرح شكسبير والمفهوم البدوي، نجد أن كلا العملين يتناولان موضوعات إنسانية عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان. "روميو وجوليت" و"رعود المزن" يقدم كل منهما نظرة فريدة على الحب والصراع، مما يخلق تجارب إنسانية متقاطعة تُعزز من فهمنا لعمق العلاقات الإنسانية وتعقيداتها. في النهاية، تبرز هذه الأعمال كجسر يربط بين الثقافات، ويظهر كيف يمكن للفن أن يتجاوز الفوارق ويعبر عن مشاعر إنسانية عالمية.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com