تصميم فني تشكيلي متعدد الوجوه التصويرية
ضحى عبدالرؤوف المل
تتكون تصميمات الفنانة "داليا بعاصيري" وفق نظرة غرائبية تلامس بسرياليتها ما هو محبب للنفس، خصوصًا تلك التي ترسمها على خامات مستحدثة دون أطر مشدودة الأطراف، والتي لا تختلف في رؤيتها الفنية عن اللوحات إلا بما يختص بتقنية كل منهما من حيث اللغة الفنية، كتصميم وتنفيذ وتنوع في الأشكال والأحجام والألوان، والصياغة التشكيلية التي ترتكز على مهارات بصرية تجذب البصر وتثير بمعاني ألوانها المرئية شفافية حسية تؤثر على إثراء المخيلة، وتمنح الرائي لذة اكتشاف ماهية رسوماتها وتأثيراتها الجمالية على الوجدان الفني بشكل عام.
تصميم فني متعدد الوجوه التصويرية، من حيث الأبعاد والألوان أو من حيث الفراغات والمساحة. إلا أنها لا تخلو من خربشات انفعالية تحاكي بها طفولة مختبئة في كل منا مع تكرار إيقاعي مزركش بخطوط رفيعة وقصيرة، فهي تضع تصميماتها الفنية ضمن خانة بصرية يمكن أن تراها في كل مكان: في قصة، في رواية، على قميص، أو إعلان، أو حتى على غلاف مجلة. فهي تتناسب مع المخيلة، وتخدم الفكرة الفنية المدمجة في عفوية الخطوط واتزانها، وفي الألوان وموجاتها القصيرة والطويلة، لأنها تشاكس التناقضات الرياضية من خلال الخطوط والألوان والمساحة المحدودة وغير المحدودة، حتى إن بعض الأطر الفنية قد تختفي من أعمالها لتشعر وكأن ما تتخيله متواجد في كل مكان.
رؤية عشوائية تخرج من مخيلة غنية برسومات مملوءة بالتلاشي اللوني أو ما يشبه الأحبار المتسربة إلى القماش، وبأسلوب تصويري هو أقرب إلى رسومات الخيال أو الشخصيات الكاريكاتورية الغريبة، والتي تخرج من حكايا أسطورية. لتمثل الواقع بتفاصيل خطوطها الاختزالية ذات البساطة الفنية، وكأنها معتقة أو مأخوذة عن جدار كهف قديم. فهل تحاول "داليا بعاصيري" محاكاة شخوصها عبر حوارات لون توحدت مع العتمة والظل، وتركت للضوء ثغراته الخاصة خوفًا من الفراغ الكامن في اللاوعي؟ أم إنها تقدم تصميماتها الفنية من خلال شخوصها والعناصر المبهمة في تفاصيل لوحاتها، وفواصلها المختزلة جدًا؟ إذ يبدو موضوع لوحاتها هو شخوص من عوالم تجردهم بموضوعية من ذاتية دلالية تتركها ضمن اللون في لوحاتها المعروضة في غاليري "جانين ربيز"، فتترك علامات استفهام في رؤيتها ليستكمل المتلقي معها الرؤية الفنية من خلال ما يتطابق أو يتنافر مع رسوماتها الميثولوجية نوعًا ما.
تتواصل "داليا بعاصيري" مع الوجوه برمزية دينامية متأثرة بما تراه في الأشخاص من تغيرات تلتقطها من تعبيرات وملامح من حولها، لتدمجها في رسوماتها الانفرادية، تاركة الذهن يعصف بالفراغ الذي تحيط به أشخاصها، وكأنها تعزلهم عن التكوينات الأخرى. ليستقل كل منهم في لوحة واحدة أو تصميم يتماشى مع المعنى الداخلي للحركة اللونية الفاتحة والداكنة، وما يتوسط ذلك من إيحاءات تنبعث من الألوان الأخرى. إلا أن لوحتها المتداخلة مع بعضها في شخصية هي مجموعة شخوص ذكرتني برواية "الأمير الصغير"، فهي ترمز إلى زمان مختلف وتواصل اجتماعي تشابك مع بعضه البعض. ففي هذه اللوحة أو الصورة التشكيلية، ترتبك الخطوط العمودية وتتزن الخطوط القصيرة، وبمختلف الاتجاهات حيث تتشكل كتصميم تكويني مصغر للحياة الكونية التي نعيشها بمختلف ألوانها، والمحاطة بهالة ضبابية هي نوع من السريالية المعنوية التي يصعب اكتشافها. لأنها متغلغلة في النفس كما هي متغلغلة في لوحة الفنانة "داليا بعاصيري" ذات المفاتيح المضمونية المتعددة تشكيليًا.
رؤية فنية معاصرة مصقولة بفكرة واحدة، عولمتها فنيًا "داليا بعاصيري" في لوحاتها، محافظة على المحاكاة التشكيلية، والمضمون المتحرر من القياسات والأبعاد والمعايير المقيدة. إنما الحيرة واضحة في الخطوط العمودية التي تنفصل وتختلف في ألوانها ما بين الفاتح والداكن، فهل ما زالت داليا تحدد هويتها الفنية؟ أم إن شخوصها الفنية هم الشاهد على جمالية مخيلتها الإبداعية القادرة على امتلاك ريشة تخاطب بها المتلقي، لتندمج مع عوالمها المبتكرة لما تحمله الأشكال والأحجام من حركة شبيهة بالكرتونية وبالمحاكاة المتعددة الوجوه الفنية؟
ما بين الحبر والورق، جملة ألوان معنوية انطلقت مع جرافيكية شعورية ذات مسميات مختلفة. إلا أنها تجذب الحس البصري نحوها، لما تمتلكه من إيحاءات جمالية، أو بالأحرى مفردات تتناقض وتتوافق تبعًا لكل متلق يقرأها بصريًا بفكر اجتماعي أو فلسفي أو فني أو قصصي أو حتى كرتوني. فالمعاني في المفردات التشكيلية الكامنة في رسوماتها ضمن معرض "جانين ربيز" هي جزء من شخصية ريشة أو قلم لم يستكمل رؤاه، إنما يمتلك القدرة الإبداعية على خلق الإيحاءات التي تحاكي الحس الجمالي، والقادرة على بث الحركة في الفراغات الاستثنائية التي تبثق فجأة بين الخطوط، كفجوات فجائية تضع المتلقي مرئيًا أمام علامات استفهام ليستكمل رؤية رسوماتها بالكامل. فهل من معرض قادم لشخوص فنية جرافيكية جديدة نراها ضمن عالم "داليا بعاصيري"؟
برؤية أخرى تعتبر أعمال الفنانة "داليا بعاصيري" تجسيدًا للغرائبية والسريالية، حيث تمزج بين العناصر الفنية المختلفة بطريقة تعكس إيقاعًا بصريًا متنوعًا. يسعى هذا التحليل إلى استكشاف الأبعاد النفسية والجمالية في أعمالها، وكيف تؤثر على المتلقي.
يظهر الإيقاع في أعمال "بعاصيري" من خلال تداخل الألوان والأشكال، حيث تنتج كل لوحة إيقاعها الخاص الذي يخلق تفاعلًا ديناميكيًا مع المشاهد. الألوان المتباينة، سواء كانت فاتحة أو داكنة، تشكل تناغمًا متناقضًا يجذب العين ويسمح بالتنقل بين العناصر المختلفة في العمل.
تظهر الأعمال جانبًا نفسيًا عميقًا، حيث تعكس مشاعر مختلطة من الفرح والحزن، الطفولة والنضج. الخربشات الانفعالية والخطوط الحرة تعبر عن تجربة شخصية قد تكون متجذرة في ذكريات الفنانة. هذا يخلق رابطًا بين العمل والمشاهد، مما يسمح له بالانغماس في عالم من المشاعر المتباينة.
من الناحية الفنية، تعتمد "بعاصيري" على تقنيات مختلطة ومبتكرة، حيث تستخدم خامات مستحدثة وأسلوبًا غير تقليدي. توازن الأشكال والألوان يعكس تحكمها الدقيق في الأدوات، مما يعطي انطباعًا بعمق العمل وتعقيده. تصاميمها تُظهر خبرتها في الفنون التشكيلية، مع وجود بعد تعبيرى قوي في كل لوحة.
الجمالية في أعمال "بعاصيري" تنبع من قدرتها على خلق فضاءات بصرية تثير الإعجاب. التصميمات متناهية التفاصيل، تتنوع بين الواقعية والتجريد، مما يتيح لكل مشاهد أن يجد معاني مختلفة. اللوحات ليست فقط أعمالًا فنية، بل هي تجارب جمالية تتفاعل مع الذهن والروح.
من خلال منظور الإيقاع البصري، يمكن القول إن أعمال "داليا بعاصيري" تعكس توازنًا بين العناصر البصرية والمشاعر الإنسانية. تُعد هذه الأعمال بمثابة دعوة للتأمل والاستكشاف، مما يجعل كل لوحة تجربة فريدة من نوعها تحمل في طياتها الكثير من العمق والدلالات النفسية والجمالية.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com