حقًا هو كلام على ورق؟...
ضحى عبد الرؤوف المل - بيروت - لبنان
اعتمد المسلسل الدرامي "كلام على ورق" على نجومية الفنانة "هيفا وهبي" دون إخراج مكنونها التمثيلي ضمن تفاعل أدائي بقي على الهامش، برغم أن مسلسل "كلام على ورق" حاول الرقي بمشاهده المكثفة ليثير دهشة ممزوجة بالتأثر والتأثير. إلا أنه أخفق بذلك لأن السرد أو الفلاش باك لم يتسبب بأي انفعالات وجدانية مع المتلقي. كما أنه فشل في الإمساك بالرؤية الإخراجية الناجحة لإتمام العمل والنهوض به، ليخرج من الخاص إلى العام دون التركيز على فرد واحد في العمل، وهذا من ضمن مسؤولية فريق العمل بشكل عام والمخرج بشكل خاص. فالإطار الزمني لبعض المشاهد لم يتوازن منطقيًا تقريبًا إذا تراوح بين الطويل والقصير دون إبراز أهمية المدة الزمنية التي من شأنها الإمساك بالمشاهد من حيث التأثر والتأثير بالمؤثرات الفنية بشتى أنواعها لتبقي على دينامية المضمون في مشاهد كان يمكن اختزالها، وأخرى تحتاج لتوسيع رؤية المشهد أكثر ليستطيع ربط الأحداث التي حافظت على برودتها برغم بوليسية المسلسل، إلا في البعض منه أو بعدد مشاهد يكاد لا يُذكر، إضافة إلى اللقطات ذات الزوايا الجانبية أو المائلة بصريًا عن المحور الأساسي، والمزعجة حسياً للمشاهد إذا لم يكتفِ بلقطة تصويرية مائلة أو ذات زوايا جانبية واحدة أو أكثر قليلاً في الحلقة الواحدة. إنما عدد اللقطات تخطى ما هو منطقي بصريًا وحسيًا، مما تسبب بنفور المشاهد أحيانًا من النظر إلى الشاشة.
لعبت شارة البداية أو تتر المسلسل جمالية إذا استطاعت اختصار القصة برقصة تعبيرية ممزوجة بأغنية حققت المعنى. إضافة إلى الموسيقى التصويرية وانسجامها مع الحدث المبطن، ولكنها تنافرت حسياً مع الزوايا التصويرية المائلة إذا بدا أسلوبها الروتيني في المشاهد المحورية ذات الأسس الموضوعية في إبراز الفكرة كالفيديو كليب، إذ يمكن مشاهدة هذا النمط لدقائق وليس لساعات في حلقات متتابعة، لينفصل المشاهد بصريًا عن الصورة برغم تقنية التقاط الصورة وأركانها الأساسية في العمق، إن في الصورة ذات الزوايا الجانبية التي لم تكن لحظية، وتكررت رغم جمالية بعضها كانت تحتاج لاختزال مضاعف. ليرتاح المشاهد بصريًا ويستطيع التواصل الحسي والفكري مع مشاهد مسلسل "كلام على ورق" الذي أخرجه "محمد سامي" وقام ببطولته لفيف من الممثلين مثل ماجد المصري (ناصر الطيار)، أحمد زاهي (فرج شبل)، حسن الإمام (دودي)، أشرف زكي (مجدي أديب)، عمار شلق (نمر)، ندا أبو فرحات (كارين)، والفنان جهاد الأطرش.
رواية تؤدي بكاتبها إلى الموت وعالم دعارة تتسخ فيه الضمائر والأيادي وقتل لا يؤدي إلا إلى القتل ودوامة إخراجية لم تكتمل فيها ما قيل في المشهد التحقيقي مع حبيبة أو "هيفا وهبي"، "تعرف أن للانتقام شهوة لكنها لا تضاهي في نظرك شهوة معرفتك للحقيقة، وتعرف أن للحقيقة ثمن والانتقام كذلك" لتخرج حبيبة بريئة من ثلاثين حلقة لم تحمل فيها من المفاجآت ما يترك أثره في الذهن أو حتى في الوجدان العاصف بكل نواحي المسلسل حتى حين قالت إنها القاتلة، ولو عاد بها الزمن ستقتلهم في كل مرة. إلا أنه منح الفن الروائي أو "حمزة قصير" أحمد السعدني خيوطًا بنائية وهمية بعيدة كل البعد عن المشهد الذي قُتل فيه، حيث تناثرت أوراق روايته. فالسيناريو لم يترابط، ومشاهد القتل تصلح لأفلام الكوبوي بكادراتها الفنية. حقيقة دفع المشاهد ثمن المجهود البصري في تتبع المشاهد التصويرية، وفي تتبع البحث عن الفصل الأخير لرواية، لم نشعر إلا أنها سرديات لا تؤدي دورها الدرامي، إلا لإبراز قدرة المرأة على الانتقام. فهل "كلام على ورق" حبكة روائية ضعيفة؟ أم أن السيناريو أو ورشة الكتابة التي أشرف عليها "أحمد شوقي" لم تكتمل بعناصرها الفنية الكاملة لإنتاج عمل درامي مكتمل الأركان؟ وربما هذا الضعف في القصة أو في السيناريو لم يشد من أزر الممثلين، ليتفاعلوا مع الشخصيات في قصة لم تعالج دراميًا لتتناسب مع المشاهد وقوة تأثيرها على البصر والوجدان والنفس.
لم يشيد "محمد سامي" أسس البناء الدرامي بما يكفي لينطلق في إخراجه نحو الإبهار، وخلق دهشة تثير المشاهد الذي شعر بخيبة بعد الحلقة الأولى. إذ اعتمد على ورشة كتابة محدودة الفكرة لم ترتبط فيها القصة بالصورة، ولم تستطع الحوارات اختراق أحاسيس الممثل ليرفع من قيمة المشهد، وغض عن أمور فنية كثيرة. إذ افتقد رصانة البناء الدرامي، ولم يستطع رسم خط إخراجي متماسك وواضح التصورات أو حتى متصاعد جمالياً. لتحمل كل حلقة إثارة تشويقية إما بالموضوع أو التصوير ليكمل المشاهد بشغف الحلقة التالية. فالحدس التمثيلي انفصل عن المشاهد الذي تاه بين السرد أو الفلاش باك. لرواية ضاع فصلها الأخير، وأكملته القاتلة دون أي خطوط للرؤية تتوازى معها الخطوط الفعلية للدراما بشكل متوازن أو سيمتري. ليسلط الضوء بالكامل على حبيبة حتى في المشاهد التي غابت عنها فعليًا وتواجدت فيها حسياً، وكأنها لم ترتكب أي ذنب يعاقب عليه الوجدان الإنساني أو حتى القانوني أو حتى لتأنيب ضمير انفعالي يثير المشاهد. ليتعاطف معها أو لتقوية العلاقة بين المشاهد والمسلسل ليتبقى في الذهن الاستنتاج الاجتماعي أو السلوكي المفيد، وهذا لم يتحقق خلال حلقات مسلسل "كلام على ورق". فهل استطاع المسلسل إلقاء الضوء على هذه المافيات التي حاربها أم اكتفى بالجزء فقط؟
إن إحساس كل شخصية في مسلسل "كلام على ورق" لم يخرج من الباطن العفوي إلا بنسبة ضئيلة، وهذا ارتسم على وجوه الفنانين دون استثناء وكانوا في حالة شرود ذهني، خصوصًا المشهد الثلاثي لأفراد العصابة وهم يتناقشون بمجريات الأمور. إذا تبدو كؤوس الخمر التي كان يرتفع رنين الثلج فيها أكثر من أصواتهم، بل وكانوا يتناوبون على شرب الكؤوس بروتين ممل يصب المشاهد بالذهول من برودة مشهد يفترض أن يكون جدليًا بسخونته الحوارية، لأنه مرتبط بالحياة أو الموت.
برؤية أخرى مسلسل "كلام على ورق" يتميز بمحاولة جريئة لطرح قضايا معاصرة في إطار درامي، لكن الإخراج والكتابة لم يعكسا عمق هذه القضايا. شعرت بأن هناك تباينًا واضحًا بين طموحات العمل ونتائج تنفيذه.
على الرغم من أن القصة تحمل موضوعات مثيرة، مثل الانتقام والدعارة، إلا أن الحبكة كانت ضعيفة. الشخصيات لم تتطور بشكل كافٍ، مما أدى إلى فقدان القدرة على التعاطف معها. كان من الممكن تقديم المزيد من المفاجآت والانعطافات في الأحداث لتقوية الانغماس الدرامي.
إخراج "محمد سامي" يعكس رؤية جمالية واضحة، لكنه في كثير من الأحيان بدت الاختيارات الإخراجية تقليدية. كانت هناك محاولات لتوظيف الزوايا الجانبية والتقنيات المبتكرة، لكنها أحيانًا بدت متكررة وغير فعّالة. كان من الأفضل تحسين التنوع في الزوايا والحركات لإضفاء حيوية على المشاهد.
الكتابة، التي أشرف عليها "أحمد شوقي"، لم تنجح في توفير حوارات مؤثرة. هناك افتقار للعمق في الشخصيات والمواقف، مما جعل الحوار يبدو سطحيًا وأحيانًا مملًا. كان من الضروري إدخال عناصر درامية أكثر تعقيدًا لإبراز الصراعات الداخلية للشخصيات.
الجوانب الجمالية في المسلسل كانت لافتة، خاصة في شارة البداية والموسيقى التصويرية التي ساهمت في خلق جو درامي. ولكن، هناك تنافر بين الموسيقى والزوايا التصويرية، مما أثر على الانسجام العام للعمل.
من حيث التواصل مع الجمهور، كان هناك فشل في خلق اتصال عاطفي مع الشخصيات. المشاهد لم يشعر بالاستثمار العاطفي الكافي في مجريات القصة، وهذا أثر سلبًا على تجربة المشاهدة.
على الرغم من محاولات "كلام على ورق" لتقديم عمل درامي يلامس قضايا واقعية، إلا أن القصور في الإخراج والكتابة أدى إلى نتائج أقل من المتوقع. كان بالإمكان أن يصبح العمل أكثر تأثيرًا لو تم التركيز على عمق الشخصيات وتطوير الحبكة بشكل أفضل.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com