أحياء شعبية عراقية أرشفتها عدسة الفنان الفوتوغرافي "مراد الداغستاني"
ضحى عبد الرؤوف المل
بيروت - لبنان
تأملت صور الفنان الفوتوغرافي "مراد الداغستاني" بدهشة طالت، تركتني أمام حركة تصويرية هي بمثابة مدرسة فوتوغرافية، ربما! قد يقول البعض إن هذه مبالغة، وربما يعتبرها البعض مجاملة. وحين بدأت بالمقارنة بين أسلوبه وأساليب عدد من الفنانين العالميين، رأيت نفسي أمام مصور فوتوغرافي عالمي، حملت عدسته القديمة قيمة ضوئية انسجمت مع خطوطه البصرية التي يرسمها باتقان داخل الصورة، حيث أظهر صورًا مبهرة فنياً، توازنات هندسية وتجريدية وسريالية وما إلى ذلك. فالصورة الفوتوغرافية الملتقطة بعدسة قديمة مختلفة وغنية بأنواع وأجناس فنية فوتوغرافية. إن من حيث التوزيع الضوئي المتناسق مع الخطوط البارزة لصور الأبيض والأسود، أو من حيث هندسة الالتقاط السريع للمشاهد التي التقطها من أحياء شعبية عراقية، أرشفتها عدسة الفنان الفوتوغرافي "مراد الداغستاني" بتميز جمالي لا يمكن للمرء إلا أن يتأملها آلاف المرات من حيث الاتزان والسيمترية. وحتى الالتفاف بين الخطوط العمودية والأفقية، لو جردنا بعض الصور من التفاصيل، وحاولنا رسم الخطوط الأساسية للمعالم التي التقطها، بالإضافة إلى جمالية البورتريه المتميز بعدسة ذات معايير خاصة، ولحظة مناسبة لتكوين فن البورتريه الفوتوغرافي الذي كان معروفاً ببساطته آنذاك. إلا أنه ترك إرثه المتميز في هذا الفن للرائي ليكتشف قيمة عدسة استطاعت إظهار جمالية الأماكن لزمن ما زال حاضراً في صورة.
ومن حيث القدرة على إظهار تفاصيل مهمة في الوجه والعناصر الأخرى دون اللجوء، كما اليوم، إلى كاميرات رقمية أو برامج أخرى مثل الفوتوشوب وغيرها. خلق إبداعي مثير للبصر وللذهن، ولجمالية الفن الفوتوغرافي بتنوعه من تجريد مأخوذ من الواقع كصورة الجرار والتكرار الإيقاعي المتناسق في صورة تحمل من المعاني ما هو قابل لتأويلات مختلفة، منها التمسك بالأصالة والتراث الشعبي الاجتماعي مع الاهتمام بالتقاط الخطوط الأساسية لفن الفوتوغراف، كخطوط مائلة تؤلف خطوطًا مائلة بمعنى خطوط انعكاسية في اتجاهاتها المتناغمة والمتنافرة. لتنعكس كمربع انعكاسي يتناغم معه الظل، ذات الحس الفني العازف على رؤية عدسة استطاعت تأليف صورة موسيقية ببساطة لا تخلو من تعقيد بصري تميز بالانحناءات أيضًا، والتي برزت من الخطوط الجانبية للجرار، ومن التقاط لحظات هي بمثابة جزء من ثانية تلتقطها عدسته بمرونة هندسية تجريدية. لم يتوقف عندها، بل استطاع وضع رأس لهيكل عظمي بسريالية على كم من النقود، وهي صورة ذات معنى فكري بصري ثلاثي الرؤية. كما تؤكد هذه الصورة على احترافية عدسته في بناء الموضوع المترابط مع الفكرة والقدرة على تنفيذها بجمالية فوتوغرافية لم تتعرض إلى محسنات رقمية أو أي لمسة فوتوشوب.
يفاجئك الفنان "مراد الداغستاني" بهذا التنوع الفوتوغرافي المتميز بتجريدية الخطوط أحيانًا، كأنه يبني هندسيًا بسرعة قصوى داخل عدسة لا تمنحه إلا قيمة اللحظة التي يتم فيها التقاط الصورة، فتلك الكراسي التي تؤلف الخط الأساسي أو الإطار العميق لتواجد الفراغ والممتلئ، وفكرة السلام المفقود. إذ ترك الكراسي فارغة بينما بقيت حمامة السلام على الأرض في نقطة محورية للبصر، وضمن إطار مفتوح تتسع رؤاه تبعًا للفكرة التي يطرحها من خلال صورة فوتوغرافية ذات جمال فني هندسي وبصري، وتعبير يمنح الرائي قدرة على التحليل بسبب الفراغات التي يتركها بين الخطوط، والظل، واللون الفاتح والداكن الذي يتلاعب به من خلال فتحة العدسة، والقدرة على تسرب الضوء تبعًا للوقت النهاري أو الليلي أو للضوء المسلط على الصورة من قبله. لتتوازن الصورة بعد تظهيرها كما يراها هو في أعماقه، وضمن معايير فنية جيومترية أو ضوئية، أو حتى لفراغ يفتحه نحو مخيلة تستنتج ما يريد إيصاله لها من خلال الرسم بالضوء أو التأثيرات الليلية والنهارية مع انعكاسات ينتظرها لتخرج، كأنه يصطاد الصورة بمخيلة ترى الواقع بعين عدسة فوتوغرافية ذات بؤرة محورية محسوبة بدقة عند الفنان الفوتوغرافي "مراد الداغستاني".
نظرة ثلاثية الأبعاد في عدسة أحادية معاكسة، استطاعت إظهار الخطوط والزوايا بتقارب وتباين، وترابط ما بين العدسة والعين الإنسانية. لتتشارك الصورة تلك العملية الحوارية ما بين اليد، والعين، والعدسة، والمعادلة الفوتوغرافية التي أنتجت صورًا فوتوغرافية هي بمثابة أرشيف فني للعراق، وهو مؤرشف فوتوغرافيًا من قبل فنان استطاع الوصول إلى داخل العدسة بفكره وموضوعيته، والعين التي تنتظر اللحظة المناسبة للالتقاط المتوازن. لنرى المواضيع المختلفة في صوره الفوتوغرافية القادرة على المنافسة العالمية في التصوير الفوتوغرافي.
مفاهيم رياضية ذات بعد مفهومي يتراوح ما بين قريب وبعيد. أي ما هو قريب للعدسة وما هو بعيد عن العين، ليجمع بينهما واقعيًا في صورة نلمس فيها جمالية القريب والبعيد بتوازن ضوئي أو بفروقات وأضاد جيومترية هي بمثابة خلق مساحات تترك تساؤلاتها السلبية والإيجابية على الصورة. كالتجريد أو كواقع أو كعتمة وضوء وظل، أو بتوسيع المسافة أو تقصيرها تبعًا للحس الفني، وجمالية القياسات والمعايير الضوئية المحسوبة بدقة شديدة، وبنظرة حاسمة عبرت من فتحة عدسة واستقرت في صورة نراها الآن بجمالية الماضي والحاضر وحتى المستقبل.
عدسة لم تعزل الخلفيات إلا بنسبة ضئيلة جدًا حتى ضمن البورتريه. ليمسك بالحركة ما بين أمام وخلف ووسط وزوايا. ليبرز السكون مع الفراغ كخليط تصويري يجمع المشهد برمته ضمن الفكرة الواحدة التي يترجمها الفنان "مراد الداغستاني" بشتى اللقطات الفوتوغرافية المنسجمة مع الجزء والكل، ومع المساحة والمسافات الفاصلة والمتشابكة أو المتلاحمة مع العناصر والموتيفات الفنية التي يراها وتثير أحاسيسه الوجدانية أو الفنية أو تلك التي يؤلفها لتكون عناوين لمواضيع يطرحها فوتوغرافيًا كالجُمجمة على النقود للإمساك بلحظته الخاصة التي تركها في أرشيف فوتوغرافي يحاكي عراقياً العالم.
برؤية أخرى المقدمة تعتبر الصورة الفوتوغرافية تجسيدًا لزاوية نظر الفنان، حيث تجمع بين التقنية والفن، مما يمنحها قدرة فريدة على توصيل المشاعر والأفكار. في هذا التحليل، سأستعرض صورة فوتوغرافية معينة، موضحًا العناصر الفنية والتقنية التي تساهم في تأثيرها البصري. يلعب التكوين دورًا محوريًا في أي صورة فوتوغرافية. يتمثل في توزيع العناصر داخل الإطار بطريقة توازن بين الفوضى والتنظيم. استخدام قاعدة الأثلاث، حيث تُقسم الصورة إلى ثلاثة أقسام أفقية ورأسية، يساعد في توجيه عين المشاهد نحو النقاط الأكثر أهمية، مما يمنح الصورة تناغمًا بصريًا.
تعتبر الإضاءة من العناصر الأساسية التي تساهم في تشكيل الأجواء والمشاعر في الصورة. استخدام الإضاءة الطبيعية، سواء كانت ضوء الشمس المباشر أو الظلال الناعمة، يمكن أن يُبرز التفاصيل الدقيقة ويعزز العمق. الضوء المنعكس أو الخلفي يخلق تأثيرات مثيرة، مما يمنح الصورة بُعدًا إضافيًا. تؤثر الألوان بشكل كبير على الانطباع العام للصورة. الألوان الزاهية يمكن أن تنقل الحيوية والفرح، بينما الألوان الداكنة تثير الغموض أو الحزن. تدرجات الألوان وتناسقها يُسهمان في خلق مزاج معين، ويستطيع الفنان استخدام تباين الألوان لإبراز بعض العناصر تلتقط العدسة اللحظات الدقيقة والتفاصيل الصغيرة التي قد تمر دون انتباه في الحياة اليومية. التفاصيل مثل نسيج الملابس، ملامح الوجه، أو حتى الزخارف المعمارية تُضفي عمقًا على الصورة. قدرة المصور على تجسيد هذه التفاصيل تعكس فهمه العميق لموضوعه. كل صورة تحمل رسالة أو فكرة، وقد تكون اجتماعية، سياسية، أو عاطفية. من خلال اختيار الموضوع والعناصر المكونة للصورة، يستطيع المصور توصيل أفكاره ومشاعره. يُعد استخدام الرموز والإيحاءات من الأساليب الفعالة لتعزيز المعاني.
تلعب الصور الفوتوغرافية دورًا كبيرًا في إثارة المشاعر. الصورة القادرة على توصيل الإحساس، سواء كان فرحًا، حزنًا، أو تأملًا، تترك أثرًا دائمًا في نفس المشاهد. يُعد الربط بين الشخصيات والأحداث داخل الصورة وسيلة قوية لتوليد التعاطف.
تمثل الصورة الفوتوغرافية أكثر من مجرد تجميد للحظة؛ إنها تجسيد لفكر ورؤية فنية. من خلال التكوين، الإضاءة، الألوان، التفاصيل، الرسالة، والتأثير العاطفي، يُمكن للمصور أن يخلق تجربة بصرية غنية ومعقدة. يظل التصوير الفوتوغرافي وسيلة قوية للتعبير عن الذات، وتوثيق اللحظات، واستكشاف العالم من حولنا بطرق جديدة ومبتكرة.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com