التناغم البصري في لوحة تميل فيها الخطوط
ضحى عبدالرؤوف المل
تتبلور العلاقات الفنية في أعمال الفنان الأمريكي "جيمس ويدل دونلي" (James Wedel Donley) من خلال الترابط الوجداني الملموس في العلاقات الإنسانية التي تظهر من خلال الفروقات والتضاد في الأشكال والألوان والأحجام، مع الحفاظ على التناغم البصري في لوحة تميل فيها الخطوط المنظومة وفق إيقاعات أسلوبية تتمثل بالواقع المتخيل، المفتوح على تأويلات وتحولات سيميائية ترفد بالتنوعات البصرية من اختلافات الملامح المرسومة على الوجوه بتعبيرية تتضمن تفاعلات حسية تتصل بالموتيفات، والاختزالات الضوئية، والظل، والفراغات، والتسطيح اللوني المؤسس لانسيابية منسجمة مع التوزيع النسبي، وجمالية المشهد الدرامي المتضمن العشاء الأخير، ولكن من منظور تشكيلي معاكس من حيث الرؤى الفلسفية والتمرس في الخطوط المتناسقة مع المضمون الدرامي، وخصوصية الأسلوب المتفرد بالأبعاد والمنظور الضوئي غير المباشر.
يحاور الفنان "جيمس ويدل دونلي" شخوصه سمفونياً ليحوّل الانشداد الإدراكي إلى مفاهيم معرفية وسلوكية يناشد من خلالها روحانية الحدث التاريخي، المسبوق بتأملات ضمنية تتوالى فيها الأبعاد من خلال الخطوط العمودية والأفقية والمائلة، المتفاوتة بصرياً من حيث الطول والعرض، والقصير، والطويل، والعريض، والرفيع. لنشعر بالهواجس التشكيلية ذات الصفة الإخراجية، لمشهد بانورامي حيوي يفصح عن مسارات فنية تتوافق مع المضمون الجمالي، المتشكل في بنية لوحة تتمحور فكرتها في العشاء الأخير، ولكن بتنفيذ فني تشكيلي ملتزم بالقواعد البصرية التي من شأنها منح اللوحة كلاسيكية ذات منظومة تتناوب فيها الإشارات النغمية التي يستسيغها البصر، وتنحصر في الألوان والأشكال والموتيفات الحسية ذات المعيار التناغمي المبسط، والمتحاور بصرياً مع الدلالات الروحانية أو الإنسانية من خلال منظور حياتي إيحائي في مرموزاته التشكيلية.
تكتسب أعمال الفنان "جيمس ويدل دونلي" صيغة التنوع الفني في القدرة على صياغة فنية ذات جمالية في الألوان المحبوكة، بتقنية تعبيرية هي بمثابة محاكاة بصرية تتخللها دينامية حركية، تتجدد من خلالها الرؤى بموضوعية متوازنة بإرهاصاتها التشكيلية والاجتماعية. لإبراز التفاعل الاجتماعي مع النص البصري المقروء مرئياً، والأكثر جدلية مع الميثولوجيا بطقوسها التقليدية ولكن بأسلوب كلاسيكي. فالألوان الأزرق، والأبيض، والأحمر، والأسود، والرمادي بكل تدرجات امتزاجاته المؤثرة ضوئياً مع الأبيض، واستراحاته البصرية المتلائمة مع الفواصل بين الخطوط، والظل المدروس جمالياً، والمنسجم مع تلقائية المشهد التصويري المأخوذ من حدث تكويني إيحائي متعدد الجوانب التحليلية. فركائز الظل وجماليته تمنح اللوحة استجابات حسية تتغلغل في نفس المتلقي. لتضعه أمام المعنى الجمالي وتوزيعاته الحركية داخل اللوحة وتفاصيلها الفنية.
إن المشهد الدرامي في لوحة الفنان "جيمس ويدل دونلي" يرتبط بدلالات وموروثات عقائدية، ولكنه منحها صفة فنية متنامية حسياً، ومصبوغة بأفكار وانفعالات لونية ذات ظل ينساب مع اللون بتماثل متمايز فنياً، وذات خاصية حركية تتدفق منها الانعكاسات البصرية، واتجاهاتها المائلة بمسطحاتها الهندسية التي تنصهر مع الكل، وكانت اللوحة هي مشهد تصويري تتدفق منه التفاصيل الفنية من ظل وضوء، وعتمة، ولون أسود وأبيض في لوحة تظللها الأبعاد والتموجات الداكنة، والفاتحة مع تموجات الضوء أيضاً من حيث الخفوت والشدة، خصوصاً عند تماثل النوافذ. لترتقي التشكيلات في لوحة رسمها ببساطة مع رؤية مزجت بهندسة امتزجت بريشة شفافة، استطاعت التقاط الحالة النفسية لشخوص رسمها بتنوع إنساني يعكس دواخل كل منهم من حيث المشاعر والانفعالات المنسجمة مع الحدث، وشاعرية الألوان في كوخ من خشب. ليبعث الطمأنينة والقلق في نفس المتلقي، ويتركه ذهنياً في حيرة من المشهد المتآلف مع الحواس والأحجام المتناسبة مع بعضها البعض.
يقول ماتيس: «إن الإبداع هو الوظيفة الحقيقية للفنان، وحيث لا يوجد إبداع، لن يوجد فن». إن الإبداع في لوحات الفنان جيمس يكمن في الألوان الخفيفة السطوع التي تضفي على الرؤية نوعاً من الارتياح النفسي، المنبعث من المعنى المؤثر وجدانياً المتسق مع السكون المتولد من لحظة نهاية ملموسة حسياً، وانطباعياً بصمت كلاسيكي يلفه غموض اللحظة الزمنية المتجردة من المكان ذات الخطوط والمستطيلات، فقد استطاع "جيمس ويدل دونلي" صبغ لوحته بحدث ديني قد يتكرر حياتياً من خلال مشهد بسيط، نراه في أغلب الأحيان بجمالية نربطها ذهنياً بدلالات روحانية تجسدت فنياً في لوحة توزعت فيها العناصر الفنية وفق قياسات دينامية متحررة من القولبة التشكيلية الجامدة، فاللوحة تنبض بالجمال والحركة والسكون، كما تمثل بألوانها الفعل السردي لأشخاص تنوعت أحوالهم النفسية.
تتوحد الحركة مع السكون في أعمال الفنان "جيمس ويدل دونلي" وفق تناقضات تلتهب معها المشاعر العاطفية، المتأثرة بالفضاءات التشكيلية التي تجسد المعنى بوضوح اندمج مع المحور التصويري، والانثيالات الزمنية المتحررة من المكان فكرياً وتشكيلياً لتقسم المساحة إلى أقسام داخلية وخارجية ذات كينونة تراجيدية تنطبع عاطفياً في الوجدان، والبعد المتجانس مع الفواصل المتألقة فنياً مع التآلف الديناميكي المرتبط بقدرة الفنان على تقسيم اللوحة جمالياً، ضمن ذاتية تناغمت مع الفكرة الموضوعية ذات الإسقاطات السيميائية التي تكشف ملامح الإنسان المغتبط والحزين بلحظة احتفال ليلية تجسدت بعشاء أخير.
برؤية أخرى يُعتبر "جيمس ويدل دونلي" فناناً معاصراً يتميز بأسلوبه الفريد الذي يجمع بين الجمالية البصرية والتعبير العاطفي العميق. تُعبر أعماله عن تجارب إنسانية متنوعة، حيث تتداخل فيها الأبعاد النفسية والاجتماعية، مما يجعلها محط اهتمام وتحليل. تتميز لوحات دونلي بألوانها القوية وتباينها الواضح، حيث يستخدم مجموعة من الألوان التي تثير مشاعر مختلفة. تخلق الألوان المتباينة تأثيرات بصرية تعزز الانطباع العام للوحة، مما يجعل المتلقي يشعر بالحيوية أو التأمل، حسب السياق الذي يُقدَّم فيه العمل.
تعكس أعمال دونلي حالة نفسية غنية، حيث تتجسد مشاعر الصراع الداخلي والأمل في شخصياته. تبرز تعبيرات الوجوه والمواقف العاطفية بشكل يجعل المتلقي يتفاعل مع تجارب تلك الشخصيات. الإيقاع بين الألوان والأشكال يعكس توتر العلاقة بين المشاعر الإنسانية وما يحيط بها من ظروف.
تُعتبر الخطوط والأشكال أدواته الرئيسية للتعبير. يستخدم الخطوط المنحنية للتعبير عن الانسيابية والحنان، بينما الخطوط الحادة تنقل مشاعر القوة أو الصراع. هذه التباينات في التعبير تعزز الرواية البصرية التي يود دونلي إخبارها، مما يمنح كل عمل عمقاً إضافياً.
يمثل الإيقاع البصري عنصراً محورياً في أعمال دونلي. فهو يستخدم التكرار والتباين بمهارة لخلق حركة بصرية تدفع المتلقي لاستكشاف اللوحة بشكل أعمق. من خلال توزيع العناصر بشكل متوازن، يُمكن للمتلقي أن يشعر بنسق موسيقي يتدفق عبر العمل، مما يزيد من تأثيره العاطفي. تتمتع أعمال دونلي بجمالية تتجاوز المظهر الخارجي. حيث تجتمع الألوان والأشكال بشكل متناغم، مما يمنح اللوحة طابعاً كلاسيكياً مع لمسة عصرية. هذا التناغم يعكس تفكيراً عميقاً في كيفية تفاعل العناصر الفنية مع بعضها، مما ينتج عنه تجربة بصرية متكاملة.
يمكن القول إن "جيمس ويدل دونلي" يجسد تجربة فنية غنية تجمع بين الجمال والتعبير النفسي. من خلال استخدامه للإيقاع البصري، يتمكن من خلق أعمال تتجاوز حدود السطح، مُساهماً في خلق حوار عميق مع المتلقي، مما يجعل فنه ليس مجرد رؤية بصرية، بل تجربة إنسانية فريدة.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com