مفاهيم البناء الإنساني في منحوتات ألبرتو جيوكوماتي
ضحى عبدالرؤوف المل
يخرج الفنان والنحات "ألبرتو جيوكوماتي" Alberto Giacometti من ظله ذاتياً ، مستخرجاً من ذلك الأبعاد التخيلية لازدواجية الجسد ومرونته بين المادي والحسي، وإشكالية الوجود والعبث أو البحث عن حقيقة المادة الإنسانية ومعاييرها التي تمنحه القوة في استمرارية الحياة وتتابعها ، وإن بدا ذلك من خلال فلسفة استنطق منها منحوتاته التي يضعها في الفن الإنساني المقارن بين الأنا والتلاشي أو بين حقيقة وجودية ووجودية الآخر الذي استمد منه قوة البقاء. أو ما يترجم رؤيتي أي رؤيته الذاتية الخاصة. ولهذا تبدو منحوتاته آحادية في ظاهرها وثنائية الأبعاد في واقعها ومتخيلها. إلا أنه يستبدلها بالثنائية في أخرى، وبين نقطتين ترتكز كل نقطة على مفهوم الوجود الدائم للأنسان في الحياة من خلال روحه وجماليتها. أو فكرته الوجودية، وهيكله الذي يساعده على الحركة، ويبقى كالظل معه، ويرافقه حيث المبتدأ والمنتهى والعودة والرحيل . ربما من يقرأ مقالي هذا يشعر بالخيال المفرط أو فلسفة الرؤية الجمالية في منحوتات "البرتو جيوكوماتي". إلا أنه وضع نفسه في الحياة بشكل مستمر من خلال أشكال منحوتاته التي تجسد ظله الفني ووجوده كإنسان على الأرض عبر المادة، والروح التي تركت هذه الجسد وقدراته عبر نظريات تؤدي لدراستها واستخراج ما هو ذاتي وما هو فلسفي موضوعي، ليستكشف الرائي نقاط القوة والضعف في الإنسان أو بالأحرى بين ما هو قوي وصلب وتقوم عليه حياة الإنسان، وبين ما يفنى ويبقى. فهل قدم "البرتو جيوكوماتي" أعمالا فنية هي مفاهيم البناء الإنساني أو إعادة رؤيته من خلال الظل بعد رحيل المادة ؟
تشفير في الحركة الفيزيائية التي يعتمدها في بناء الأشكال المثيرة للغموض برغم الوضوح النسبي الذي يتركه لإثارة الغموض بشكل أكبر. إلا أنه يوحي بوجود الإنسان الدائم فكرياً. أو بالاحرى أهمية الإنسان فيزيائيا من خلال ابتكاراته أو من خلال وجوده الأثيري ووجوده كفكرة انبثقت من منظومة الوجود بشكل عام.فلعبة التوازن التي يحوطها غالبا بالكرة أو بدائرية تحتاج لخط مستقيم أو خط منحنى لجعل التوازن إيقاعا،والعقلانية هي حقيقة وجود الإنسان الذي يستخرج من حياته مفاتيح بقاء سواه .وما التسلسل الهرمي أو الزمني للإنسان إلا رؤية تجعله أكثر خبرة وثباتاً لمفاهيم استنتجها وأبقاها قيد الدرس من بعده، معتمداًعلى مقاييس الطول غالباً أو ما يثيره الظل من امتداد للأشياء من حولنا. وربما هذا منحه رؤية تحتاج للظل والنور وللشكل الذي يرسمه الظل. فيتشكل في مخيلة "البرتو جيوكوماتي" بانسيابية ذات معادلات ما تزال قائمة في منحوتاته التي لو رأينا ظلها عدة مرات متتالية لتلاشت ظلالها كما الإنسان، بمعنى امتصاص الضوء للمادة من حيث قدرته على التضخيم أو التلاشي، وفي الحالتين المادة موجودة نسبيا بمقاييسها التي أنتجها العقل البشري المهووس بالبقاء، والذي يريد نفي الموت أو الغياب الكلي من الحياة . فهل حاول جيوكوماتي إنتاج منحوتات رغم غرابتها إلا أنها تحاكي الوجود الاثيري للإنسان على الأرض، وعوامل الضوء المؤثر على خلق الظل ومعنى الوجود دون فناء الأشياء من حولنا .
هي الأنا والوجود والآخر وعوامل الطبيعة من حولنا في أعمال تشير إلى أهمية التفكر بالمحيط ومؤثراته، والسؤال الأهم الظل وما ينتج عنه من أهمية ذات معاني لا يمكن إهمالها حتى من حيث النسب الذهبية التي يظهرها في الكثير من منحوتاته، إن لم نقل كلها، تبعا لكل شكل ينبثق عنه المقاييس الخاصة التي تسمح بإنتاج آخر، وبأحجام مختلفة ترتبط بالضوء والظل والاختزال الذي تركه في لغة نحتية تشفيرية تستدعي اكتشافها، وإن ضمن الدراسات النحتية لأعماله الموجود فيها فكره أو تفكره بظل الإنسان على الأرض، وبالوعي الحضاري للإنسان المرتبط بعموده الفقري، أو بالجينة وتسلسلاتها، وإن تركها في رمزية الطول والدائرة ومقاييس الظل في أعماله .
Doha El Mol