محفورات متوازنة تجمع بين القديم والحديث برؤية معاصرة.

ضحى عبدالرؤوف المل

تتوازن الخطوط في لوحات الفنان "جميل ملاعب" وفق رؤية منظمة تشكيليًا على خشب مارس عليه محفورات زخرفية ذات حركة إيقاعية، انضبطت لونيًا وجماليًا مع الفكرة الفنية. والتصويرات المحفورة بدقة جمالية، فالأسطح الطباعية تتلون تبعًا للعتمة والضوء، وعمق الخطوط وهشاشتها أو قوتها وضعفها. وكأن الخربشات هي جغرافيا تشكيلية مركبة بصريًا على الألواح الخشبية التي منحها الفنان "جميل ملاعب" مؤثرات بصرية. فالخدش الكلاسيكي في الفن التشكيلي استطاع تحويله إلى محاكاة بصرية تهدف إلى خلق تحولات معاصرة ملتزمة بالقديم، ولكن بأسلوب الفنان "جميل ملاعب" وقدرته على مراعاة قوانين اللوحة التشكيلية. ليقدم في معرضه محفورات متوازنة تجمع بين القديم والحديث برؤية معاصرة.

مساحات تخيلية منحها النبض اللوني والخشبي، فروحانية المادة الخشبية تبث الاتزان في الألوان. إن من ناحية العتمة أو من ناحية الضوء، أو من ناحية رقة الخط الرفيع وقساوة الخط العريض والطويل، تتناقض الحركة بين عامودي وأفقي. وخربشات ذات سمفونية عميقة الصدى تكمن جماليتها في الأبعاد والإيقاعات والتناغمات، والتضاد المبني على الأسود الواعي الذي يمتص الضوء وفق خصائص ترتفع وتنخفض مع الأحمر والأصفر، والتعتيق، أو بالأحرى تنشيط الألوان وتحرير الفراغات من القياسات. لتتغلغل وسط الفواصل الفنية المدروسة جماليًا والمحصورة ضمن أطر الصورة أو الشكل التصويري الذي يحاكي من خلاله فعلًا أو قصة هي جزء من عمله الفني المتجدد في كل مرة من خلال أساليبه المختلفة من حيث الرشاقة البصرية والوعي التشكيلي، متحديًا بذلك الكلاسيكية التشكيلية لمحفورات الخشب القديمة العهد فنيًا.

ينظر الفنان "جميل ملاعب" إلى الأشياء بحسية فنية ينتج عنها ثراء تشكيلي يتجدد تبعًا للأسلوب الخصب المساعد في خلق صورة تصاعدية تتشح بجذور زخرفية متأصلة، كحفر أو خدش أو خربشات أو مشاكسات خطوطية مشبعة باللون، وتنطوي على هندسة تتضافر فيها الحركية الرياضية المتمتعة بذائقة طباعية أو جرافيكية شديدة الظل، ولكن ضمن معايير كلاسيكية متجددة نوعًا ما. إلا أنها حافظت على الانطباعات الأولية لهذا الفن المتنافر والمتوافق مع الريشة أو التشكيل بشكل عام، ولكن لخدمة الفكرة الجمالية وتوأمتها مع خصائص الضوء، والعتمة والظل، والأشكال، والأحجام، والفراغات، أو الوقفات الموسيقية ذات الاستراحات المتناغمة مع الحركة السريعة وتأثيراتها الشديدة العمق في اللوحة.

تتخذ لوحات الفنان "جميل ملاعب" من الطابع الزخرفي منحًى لها، لتحيط الألوان رشاقة الصورة بسيمترية تتفاعل معها الحواس. كما في لوحة الديوك، وما تعنيه من صراعات تراها العيون، وتصمت عنها الأفواه المختفية في لوحة انعكس فيها الأبيض مرئيًا بثنائية مع الأسود العميق، والواعي ذاتيًا ضمن الحالة الانفعالية المتجسدة بالخدوش ذات الاتجاهات المختلفة، والمنظور الانعكاسي للخطوط التكوينية. لصورة تستمد من الصراع الرمزي وجودها، فالخطوط المتباعدة والمتنافرة هي جزء من الحالة النفسية التي انطبعت على الخشب بروحانية فنية تتحد مع الجمالية الداخلية النابضة بالحياة. فالتكوينات المرنة للعصافير المتوسطة بصريًا، خطوط الطول وخطوط العرض المتناسقة مع عشوائية التكسرات اللونية أو المربعات الحمراء والمستطيلات الصغيرة والكبيرة، والشبيهة بالتمزيق اللوني أو بالأحرى الفسيفسائي، ولكن باللون والخطوط المحفورة بعمق على سطوح مرئية تحيط بها المدلولات التي ترتكز على مضمون ينتشي في معناه البصري المتأثر بالانفعالات الرافضة للصراعات، والهاربة إلى شدو العصافير، ونغمات الطبيعة وألوانها الباعثة إلى الجمال والسلام.

صبغة تشكيلية زخرفها بحفر انطبع تصويريًا على الأسطح التي تتسم بتضاد تناغمي يثير الحس الفني في نفس المتأمل لوحات الفنان "جميل ملاعب" الغارقة بالاستبصار المشبع بالفهم المعرفي للصراع الحياتي المتأصل في كينونة تستأثر فنيًا جوانب مختلفة من الانطباعات السلبية أو الإيجابية هندسيًا، والحارة والباردة لونيًا، التي تمجد اللون ونسبته الضئيلة، والكثافة ذات المضمار التقني الميال إلى الدراما القصصية ذات المعنى المتشكل تعبيرًا من الخطوط، والألوان، والمساحة التي تستهدف في ضيقها واتساعها توليد الحس الموضوعي في تأمل تفاصيل الخربشات العشوائية منها، والمتزنة فراغيًا مع الامتلاءات اللونية.

فلسفة جمالية مغايرة في زخرفيات تم تشكيلها بانضباط حسي وفني، يستمتع المتلقي بها إن بلوحة العيون الغامضة أو بلوحة العصافير أو غيرها. فهو اهتم بالتفاعلات التي تتسم بالطابع القصصي المبني على بصريات حركية سيمترية، تتماثل فيها العناصر المتآزرة مع الخشب، والتي تنطوي على دلالة حقق من خلالها تصويراته الكلاسيكية التي تتراوح بين خدش وخربشة، وحفر بثلاثية تكونت من خلالها الأشكال المتداخلة مع بعضها البعض، والمستقلة لونيًا عن الكتل المنفصلة بتناسق وانسجام إيجابي ملائم لفكرة الصراع أو الثورة أو التناقض والسلام. فالرؤى المرتكزة على مفهوم الحفر أو الطباعة أو مؤثرات الخدش على الأسطح الخشبية هي بمثابة تشكيلات جزئية منسجمة مع الكل، ومتيقظة حسًا مع الأسود والأبيض، والأحمر، والأصفر، ومشحونة بدينامية تكتسب صفة حيوية مستمدة من مادة الخشب والمادة اللونية معًا.

برؤية أخرى يتجلى الإيقاع البصري في أعمال الفنان "جميل ملاعب" من خلال توازن العناصر التشكيلية في لوحاته. الخطوط المتنوعة، سواء كانت عمودية أو أفقية، تنشئ حركة متدفقة تخلق شعورًا بالانسجام. كما أن وجود الخربشات والزخارف يمثل تداخلًا في الإيقاع، مما يؤدي إلى تشكيل علاقة ديناميكية بين الأشكال والألوان.

تتسم الأعمال بعمق نفسي يمكن أن يثير استجابات عاطفية مختلفة لدى المتلقي. فالخطوط المتباينة والألوان القوية تجسد الصراعات الداخلية والتوترات، مما يدعو المشاهد للتفاعل مع التجربة الفنية بطريقة شخصية. الإحساس بالعتمة والضوء يعكس حالة من التوتر والراحة، مما يعمق من تأثير العمل. تتميز الأعمال بجمالية فريدة تجمع بين القديم والحديث. استخدام الخطوط المتنوعة والألوان الغنية يخلق تأثيرًا بصريًا قويًا. التنوع في الأساليب والتقنيات يعكس قدرة الفنان على الابتكار، حيث يجمع بين عناصر تقليدية وأخرى معاصرة، مما يمنح الأعمال طابعًا متميزًا. كل لوحة تحمل فكرة تعبيرية تحمل في طياتها قصة أو رسالة. فعلى سبيل المثال، لوحة "الديوك" تعكس صراعات متعددة تعيشها الشخصيات، بينما الخربشات تمثل التحولات النفسية. الأشكال المتداخلة تعكس تفاعل القوى المختلفة، مما يخلق حالة من الدهشة والتأمل.

التفاعل مع العمل الفني يتطلب من المشاهد الغوص في تفاصيل الخربشات والألوان. هذا الانغماس يعكس أسلوب الفنان في جعل المتلقي جزءًا من العمل، حيث يشعر بأنه يتمتع بتجربة فريدة، مليئة بالإيحاءات والتعابير الجمالية. يمكن القول إن أعمال "جميل ملاعب" تمثل تجربة فنية متكاملة من حيث الإيقاع البصري، إذ تثير تفاعلات نفسية وجمالية تعكس قدرة الفن على التعبير عن المشاعر الإنسانية وتعقيداتها. كل لوحة هي دعوة للاستكشاف والتأمل، حيث يجتمع الشكل والمحتوى في تناغم يجسد الروح الفنية المعاصرة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com.