لتقرأ الأجيال من خلال الفن التشكيلي حكاية فلسطين

ضحى عبدالرؤوف المل

تتلاشى الحدود في أعمال الفنان التشكيلي "محمود أبو صبح"، فتندمج الأوطان مع بعضها لتصبح الوطن الواحد الممتد مع خط الأفق في الفنون التشكيلية عامة. إلا أن لكل جزء من الأرض العربية في لوحاته نكهة خاصة، وللأرض الفلسطينية قداسة ارتبطت بالأماكن المقدسة، وما تحمل معانيها من رمزيات ورؤى، هي بمثابة تاريخ يحكي قصة شعب وعذاباته، وجراحات لم تلتئم. تناولها الفنان التشكيلي الفلسطيني "محمود أبو صبح" بمختلف الأساليب والمفاهيم، لتبقى ضمن ذاكرة الشعوب كنقش على حجارة لا تمحوها الأيام، فالفن التشكيلي الفلسطيني بات هوية تتشكل، لتصبح بمتناول العالم كطابع بصري مرئي يجمع الفنون كلها في لوحات هي كالجسور المعلقة في مخيلة العالم، ونقطة عبور واتصال مرئية تتلون بألوان الدماء النقية أحيانًا، وكأنها شعلة تضئ التاريخ لتقرأ الأجيال من خلال الفن التشكيلي حكاية فلسطين.

أفقيات متراصة تتكاثر تبعًا لكل شكل امتد مع بيت أو أصابع أو حتى مع الثوب الفلسطيني المزخرف. كما البيوت المحتضنة، والمسجد المستقر بين أنامل امرأة بثوبها الفلكلوري، تاركًا للضوء المنخفض نسبته في التعتيم. فما بين الأصفر والألوان الترابية شحوب تناسقت معه الألوان الأخرى، ليبدو المسجد كالحزين بين كفي امرأة تنظر مباشرة إلى المتلقي. إن رمزية المرأة والوطن في الأعمال الفنية التشكيلية هي بمثابة الكيان الواحد الذي يحفظ سمات فلسطين بالمعنى الجوهري، المحسوس بالعمق الفلسفي المترابط بين المرأة والوطن والمعنى الفني بشكل عام.

تتباين المعالم الفلسطينية في لوحات الفنان "محمود أبو صبح"، فالخطوط الأفقية المنظمة هي الأرض المنبسطة التي يقتفيها في لا وعيه الفني، حيث تتجسد في كل خط أفقي انفصل أو اتصل أو تركه ضمن البيوت أو الأنامل أو الآثار الأخرى التي يتأملها البصر بتفكر يثير العاطفة الوطنية التي يبثها أبو صبح في لوحاته من خلال الأشكال والأحجام المختلفة في تكوينها. فالتكرار هو إيقاع واحد، ولغة واحدة تمتلك خاصية الإصرار على المناداة بالحقوق، لضم فلسطين التائهة أو المسجد الأقصى بكل حدوده التي تضمها فلسطين في ثناياه. فاللوحة عميقة المضمون من حيث المعنى النفسي، ومن حيث جمالية الألوان ذات الغالبية الصفراء، وفي هذا روحانية وحرارة لفها بترابية غامقة، ليمزج بين الداكن والفاتح، وليخلق توازنات عاطفية من خلال الألوان، وتكنيك السرد العاطفي المعتمد على المرأة، والمعنى الأمومي المحتضن المسجد الأقصى، وعلى الزخرفة التراثية للمدينة القديمة بكل تراثياتها، وتعتيقها المذهب من حيث الشكل والحجم، والأشكال الرياضية المبهمة ضمن الداخل الممزوج بالجغرافيا لبلد ضم المسجد الأقصى.

أبعاد انفعالية تشكلت تبعًا للنفس التواقة إلى التحرر من القيود التي تلف المسجد أو بالمعنى المجازي فلسطين. فمدى التواصل البصري بين اللوحة والمتلقي يخلق رؤية ذهنية تثير العاطفة الإيجابية. فالثيمات الفنية والمعايير اللونية ذات تلقائية واقعية، فالتصويرات الزخرفية المترابطة بين الثوب الفلسطيني وتراثيات المسجد الأقصى وما حوله تبدو كوحدة متراصة تكررت فيها إيقاعات الخطوط الأفقية الشبيهة بطيات الأرض الفلسطينية المتماهية مع الجزئيات الفراغية غير المحبوكة مع اللون، حيث تتشكل الصورة تبعًا للمخيلة، والمعنى الرمزي المهيمن على حجم المرأة وحجم المسجد والبيوت بفوارق بصرية تؤدي إلى خلق المزيد من التناقضات بين الأحجام والخطوط، وبين الواقع والحلم أو بين فلسطين القديمة المطمئنة بين يدي امرأة ترتدي الزي التراثي الفلكلوري مع الطرحة البيضاء، وبين فلسطين جديدة ذات الأسوار الزرقاء الداكنة والانعكاسية بإحاطتها. فما بين الأصفر والأزرق الغامق والأبيض تضاد منسجم مع الماضي الحر والحاضر المقيد دون أن يمنح المستقبل تخيلات، لأنه يميل إلى الماضي بكل حواسه الفنية التشكيلية.

زخرفيات تراثية، وقبة مذهبة، وفلسطين حكاية جيل تتوارثها الأجيال في لوحة تحاكي حلم مدينة لفها بأنامل الأم الحنون. ليسجل رؤية حقيقية للتاريخ، لتبقى كلغة بصرية تعبيرية تحكي بمخيلتها للواقع الأوجاع الفلسطينية، والشوق لاسترجاع الحق المغتصب لتبقى فلسطين، كالأم المشرقة الحنونة، الأم الفلسطينية بكل قدرتها على الاحتفاظ بأبنائها وبالتمسك بتراثها. فالخطوط الأفقية المتناغمة مع الخط العمودي الإيهامي الرئيسي في شكل الأم تجمع بين الانفصال والاتصال، والحاجة إلى الأرض المفقودة. فما تجسده الخطوط الأفقية برمزيتها أو بالأحرى بتحليلاتها النفسية يعتمد على إنشاء تكوينات مصغرة تشدد على الرسالة التي يريد إيصالها الفنان "محمود أبو صبح" إلى العالم.

لون، حركة، ضوء، فراغات، زخرفات يدوية، معالم فلسطينية، مفردات فنية طغى عليها البساطة والجمال الفلكلوري المرتبط بالوحدات الفنية التشكيلية التي شبكها بالمعنى. فالخصائص اللونية ارتبطت بالقبة المذهبة وبخيوط التطريز ليزركش اللوحة بأشكال مختلفة. لتبقى هي الأم التي يبحث عنها "محمود أبو صبح" أو نقطة الجذب الحسية التي يحاكي بها الموضوع الأساسي المؤثر على ذاتية لوحة تتميز بالبساطة الفنية القادرة على التأثير العاطفي والوجداني. إن من ناحية اللون أو من ناحية رمزية المعنى أو من ناحية خواص الألوان ودرجة تأثيرها لتتناغم مع الأشكال بحبك بانورامي جمالي.

برؤية أخرى تتجاوز أعمال الفنان محمود أبو صبح مجرد تمثيل بصري، إذ تشكل تجربة متكاملة تعكس واقعًا ثقافيًا وتاريخيًا عميقًا. تستخدم اللوحات إيقاعًا بصريًا يعكس الأبعاد النفسية والجمالية للفن التشكيلي الفلسطيني. إذ تستحضر أعمال أبو صبح مشاعر الفخر والحنين، حيث تمزج بين الألوان الترابية والذهبية لتعكس روح الأرض الفلسطينية. يتجلى الانطباع الأول في استخدام الألوان، حيث تعبر الألوان الدافئة عن عاطفة متجذرة في الذاكرة الجمعية، ما يثير في النفس شعورًا بالحزن والأمل في آن واحد.

تدور مواضيع لوحات أبو صبح حول الهوية الفلسطينية والمكان، حيث تظهر الرموز الثقافية كالبيوت القديمة والثوب الفلسطيني. هذه العناصر تُبرز المعاناة والتاريخ، وتدعو المتلقي للتأمل في القضايا المعاصرة. يستخدم الفنان الخطوط الأفقية والعمودية لتجسيد التوازن بين الانفصال والاتصال، مما يعكس حالة فلسطين كأرض متصلة بتاريخها. تعكس الأشكال والألوان في اللوحات حالة نفسية عميقة، حيث ينقل الفنان مشاعر الفقد والاشتياق. تعكس الرموز النسائية، مثل الأم أو المرأة التي تحتضن المسجد الأقصى، العلاقة الوثيقة بين المرأة والوطن، مما يعكس قوة الهوية والتمسك بها. هذا الارتباط النفسي يعزز من قدرة العمل الفني على التأثير في المتلقي، إذ يدعوه للتفكر في تجارب الشعوب المعذبة.

تتسم تقنيات أبو صبح بالتنوع، حيث يمزج بين الأساليب التقليدية والحديثة. استخدامه للزخارف التراثية يضيف عمقًا جماليًا للعمل، في حين أن التكرار في الأشكال يخلق إيقاعًا بصريًا يدعو العين للترحال عبر اللوحة. تتفاعل الألوان والأشكال بانسجام، مما يعزز من جمالية العمل ويُظهِر توازنًا فنيًا دقيقًا. من خلال الإيقاع البصري، يُظهر أبو صبح قدرة على التعبير عن المشاعر الإنسانية العميقة. تبرز الألوان والتكوينات في لوحاته انفعالات قوية، حيث تتناغم الأشكال والألوان لخلق تجربة بصرية تحمل طابعًا قصصيًا. المشاهد يشعر وكأنه يعيش تجربة الفنان، مما يجعله جزءًا من العمل الفني.

تجمع أعمال محمود أبو صبح بين الجمال الفني والعمق النفسي، حيث يتجلى الإيقاع البصري كوسيلة قوية لنقل الرسائل. تظل لوحاته شاهدًا على الهوية الفلسطينية، مذكِّرة العالم بعمق المعاناة والجمال الذي يميز هذه الثقافة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com