العلاقة المترابطة بين المساحة والشكل المتوحد مع الخطوط

ضحى عبدالرؤوف المل

تثير الخطوط البصرية في لوحات الفنان العراقي أحمد حسن الزعيم الذهن، وتتركه في حالة استكشاف متتابعة، وكأنه وسط متاهة من الخدع البصرية الإيجابية ذات البناءات المترابطة والمتوائمة بين المساحة والشكل وفق توازنات يمنحها حركة غير مستقرة بصرياً. لأن العلاقة المترابطة بين المساحة والشكل المتوحد مع الخطوط هي بمثابة تصميم منظم، مستخدماً المفاهيم التناقضية للون والخط وفق تباينات تتعارض وتتوافق نسبياً مع بعضها البعض، ومع التدرجات الخافتة والداكنة في الألوان التي تتقارب وتتباعد وفق تصميم نفذه بصرامة فنية. قادها كقائد أوركسترا لسمفونية نسمع من خلالها تراثاً رافدينياً إبداعياً، ولكن بلغة فن تشكيلي تعددت خاماته الأولية من جلد وخشب ونحاس وألومنيوم وما إلى ذلك.

محاور رأسية وأفقية بُنيت عليها تصميماته التشكيلية المرتسمة بدقة هندسية، لم يلغ منها الدوائر والمنحنيات، وكان الهيكل البنائي للوحة هو الرؤية الأساسية التي تتشكل منها الصور والمعاني. فالمضمون الرافديني أو التراثي العراقي لما يشبه ليلة الحنة أو حتى المرأة وجمالياتها الخاصة المحتفظة بالأسس العراقية، كهوية لها، هي الجزء الفني الأساسي المتصدر لوحاته، ومفهومها الفني من معايير أسلوبية اعتمد عليها لتتناسب مع الوحدات الفنية وتوازناتها الهندسية بجمالية برزت في التكوين المرتكز على أهمية الانعكاسات للضوء والظل، وتأثيرهما على الخطوط والاتجاهات اللونية المعاكسة، فضلاً عن الظلال وتحولاتها وتغيراتها تبعاً لانعكاسات الخطوط، قصرها أو طولها، أو للأشكال الرياضية من مربعات ودوائر ومستطيلات ومثلثات إيحائية توحي بالتجاذب البصري. حيث يرى المتلقي في كل مرة ينظر إلى لوحات الفنان أحمد حسن الزعيم تصويرات مختلفة، وكأنه يمنح الجزء خاصية الكل أو التراكيب البصرية الدينامية ذات الحيوية المرتفعة وتيرةً لونية، نبضاً رياضياً تتناقض فيه الأشياء الحسية في كل لوحة.

يتحكم الفنان أحمد حسن الزعيم بتنسيق الخطوط وتوزيعاتها التصميمية العميقة التركيز، مما يضفي عمقاً، فالزوايا المؤلفة من التقاء الخطوط وتباعدها تؤثر على انسيابية الإيقاع لكل نغمة مرئية نلمسها حسياً في خط أو لون أو فراغ أو ضوء أو ظل. فاللمسات العميقة والزوايا تحقق متعة جمالية في نفس المتلقي من حيث الحس الواعي في استخدام تقنية لونية لا تنفصل عن ديناميكية الخط وتقنياته من حيث التقسيم أو التصميم أو الأبعاد الإيحائية المترائية بين التصويرات المتميزة بانخطاف بصري سريع الحركة وغير مستقر، مما يجعل المتلقي يكرر النظر إلى اللوحة أكثر من مرة، لما تتسبب به من إثارة بصرية تترابط ذهنياً بالهيكل البنائي للوحة.

يكتنف الغموض لوحات الفنان أحمد حسن الزعيم رغم الوضوح في تفاصيل أخرى حدد طبيعتها بأساليب مختلفة، اختفت فيها النقطة الأساسية التي تحدد الزمان، لأن المكان هو في لانهائية الذاكرة المدموجة في لوحة تحاكي تراثيات عراقية من اجتماعيات واحتفاليات وفلكلوريات، وما إلى ذلك من عادات وتقاليد، وأمكنة تتغلغل في مساحة لوحة منحت الأشكال مظهراً خاصاً. إن الخطوط البسيطة المختفية بين الملامح والأبعاد تثير حركة حسية يصعب التقاطها بصرياً، حيث تتغير الرؤية كلما تغيرت نقطة النظر إلى اللوحة. لأن ثنائية التصادم والالتقاء تبدو كتناقضات تتساوى وتتنافر، وتظهر مع الأشكال وبين الفراغات المرئية المرتكزة على رؤية متناهية ولا متناهية، وفي هذه الثنائيات لوحات متعددة في لوحة واحدة، أو الخداع البصري الإيجابي المبني على هندسة اندمجت مع تقنيات استخدمها في خامات مختلفة، حيث تحتضن كل لوحة هذه المفاهيم الجمالية المعقدة والبسيطة في آن.

تتوشح البنى الفنية بظلال متضادة تتلاعب فيها ضوئيات ضدية توحي بشتى الأحاسيس المتأصلة في الأشكال ذات المنظور الهندسي أو ما يقترب من لغة ضوئية تتأثر بالمساحة والشكل، وبكل ما يخبو ويعلو تبعاً للصراع المتجلي بلعبة الانعكاسات البصرية أو الخطوط من حيث الطول والقصر، وما يتشكل عن ذلك من ثيمات فنية ترتكز على مستويات تتضمن فيزيائياً العتمة والضوء والظل، والشفافية عند تلاقي المستويات المتقاطعة، واتجاهاتها المتعددة في دلالاتها الحسية المتفاوتة في مفاهيمها المعرفية والأسلوبية. فاللقطة البانورامية ذات البؤرة الضوئية تتضح عند النظرة الثابتة على الملامح الإنسانية في لوحاته التي تتسم بالأبعاد الجمالية للمفاهيم الهندسية والرياضية المندمجة مع المساحة والشكل.

تؤثر الخطوط على اتجاهات النظر حيث يتيه أحياناً، ومن ثم يسترجع في كل مرة النظرة الأساسية التي ينطلق منها لاستكشاف بواطن اللوحة، وينأى بها عبر تكنيك المزج التشكيلي لأكثر من خامة ولون، وكأنه يشير في لوحاته إلى الماضي والمستقبل تاركاً للحاضر ترجمة غامضة تتشكل في الذهن والمخيلة، فما بين المساحة والتصويرات الاجتماعية لعادات وتقاليد قديمة، والخطوط ومحاورها الرئيسية، مربعات ضوء أسقطها عبر نقاط معينة لتوحي بأهمية التقنية المحورية في الفن التشكيلي وفي جمالية الجمع ما بين القديم والجديد أو الاحتفاظ بهوية عراقية يترجم من خلالها التناقضات كالبعيد والقريب من خطوط منحها تصميمات وتكوينات خاصة به.

برؤية أخرى الإيقاع البصري في لوحات الفنان أحمد حسن الزعيم يتمثل في تنسيق الخطوط والألوان والأشكال، مما يخلق توازناً ديناميكياً يلفت انتباه المتلقي. يستخدم الفنان تباينات لونية تثير حساسية بصرية، حيث تتفاعل الألوان مع الخطوط لتنتج تناغماً يساهم في بناء تجربة بصرية غنية . كما تشير الألوان والخطوط إلى مشاعر متعددة تتراوح بين السكون والقلق، مما يعكس حالة نفسية معقدة. الإيقاع السريع للخطوط والأشكال يمنح شعوراً بالحركة المستمرة، مما يجعل المتلقي يشعر وكأنه داخل اللوحة، يعايش تجاربها ويغوص في عمق مشاعرها.

تتجلى الجمالية في توازن العناصر داخل اللوحة، حيث يتناغم الشكل مع المساحة بشكل يعكس اتقاناً فنياً. الأشكال الهندسية التي تبرز في اللوحات تعكس انضباطاً وتفانياً في التصميم، مما يجعل العمل الفني ينطق بلغة جمالية تتجاوز حدود الشكل التقليدي. كما أن التعبير عن الثقافة العراقية من خلال الرموز التراثية والإشارات البصرية يمنح اللوحات عمقاً إضافياً. تتسم الأعمال بتفاصيل دقيقة تستحضر ذكريات وتاريخاً غنياً، مما يعزز التجربة البصرية بتعابير ثقافية تتجاوز الزمن.

يظهر الإبداع في طريقة توظيف الفنان للأبعاد والتجسيد، حيث تعكس اللوحات تفاعلات معقدة بين الخطوط والألوان، مما يخلق أبعاداً جديدة. القدرة على دمج الفنون التقليدية مع أساليب عصرية تمنح العمل الفني طابعاً فريداً وتسلط الضوء على الحوار المستمر بين القديم والحديث.

إن الإيقاع البصري في أعمال أحمد حسن الزعيم هو مزيج من التقنية العالية والشعور العميق، مما يجعل كل لوحة تجربة فريدة تنقل المتلقي إلى عوالم جديدة من التأمل والانغماس في الفن. تنعكس في أعماله القيم الجمالية والنفسية، مما يجعله فناناً رائداً في تقديم تجربة بصرية متميزة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com