فيلم "الهيكل الأحمر" والعنف العنصري الأيديولوجي المرتبط بالحالة النفسية

ضحى عبدالرؤوف المل

يعيش جورجيوس بمفرده، وهو يعاني من العنف العنصري والأيديولوجي المرتبط بالحالة النفسية التي أظهرت سببها في نهاية الفيلم، المخرجة "اسمينة برويدرو"، وهو العنف الأبوي أو الأسري المسبب للعنف في الحالات الكبرى، الذي ينتقل عبر التربية من الأسرة إلى الأبناء، لينتشر في المجتمع ويتجلى في الأفعال الشاذة المؤذية للإنسان.

الفيلم يحاكي هيكلية الإنسان والبناء النفسي من خلال الأدوار التمثيلية التي تعتمد على الإيحاء والإيماء والفعل الدرامي والموسيقى التصويرية أكثر من الكلام. وقد ميزت الاختزالات الفيلم من حيث حركية المشاهد ومعناها الإيحائي، بينما التجسيد التعبيري الذي أتقنه جورجيوس يضفي جماليات تمثيلية تتناسب مع الفيلم القصير. ما ينتج عنه من اختزالات في المشاهد وتوسيعات في المعاني التي تخدمها الدراما القصيرة المبنية على رؤية سيكولوجية للعنف بشكل عام.

يتعمق الفيلم ليشعر المشاهد بمعاناة القاتل من تخبط نفسي وحياتي، ويربط بين الأداء في العمل والمجتمع والحياة، والأداء العنيف في القتل. كأنه يرسم تفاصيل نتعرف من خلالها على القاتل المأجور أو القاتل المريض نفسياً مع تحليلات حياتية لكل تصرفاته الظاهرة والباطنة. وما نتج عنه حتى وهو يفكر في شراء الهدية لأخته الصغرى، يفكر في سرقتها خلسة من داخل السوبرماركت. وكأنه بهذه الأفعال ينتقم من المجتمع أو ممن حوله، ليشعر بنشوة ما ترضيه أو تجعله يشعر بنوع من الانتقام الاجتماعي بسبب الفقر والانطواء والقسوة. وهذا يؤذيه أكثر مما يرضيه، لأنه يشعر بالندم والحزن، ولا يستطيع إكمال حياته بشكل جيد. فهو "يعيش بمفرده في أثينا، ينقصه الأهداف، والثقة بالنفس، والهوية، وقبول الآخر". عبأ هذا النقص عندما أصبح "الهيكل الأحمر"، كما يعرف في مجموعة مشجعي فريق كرة القدم الذي يلعب معه. إلى أن جاء ذلك اليوم الذي وجد فيه نفسه متورطًا في أعمال عنف عنصرية، مما سيحمل له مشاكل ومعضلات جديدة.

ما من شيء قاتل للنفس سوى الفراغ الاجتماعي والعزلة التي تقود صاحبها في أغلب الأحيان إلى المساوئ وارتكاب الجرائم. هذا ما يريد الفيلم "الهيكل الأحمر" (Red Hulk) أو المخرجة اسمينة توصيله، وهو العنصرية والكراهية غير المبررة، والجماعات الإرهابية المنظمة التي تتسبب في تشويه إنسانية الإنسان أو قتل الحضارات عامة. لكن كل ذلك سببه الأسرة، وهذا ما يتضح بوضوح عند رؤية الصفات السلوكية للأب المستبد وأفعاله المسببة لكل هذا العنف في نفس جورجيوس، بطل الفيلم اليوناني القصير "الهيكل الأحمر" حين يزور بلدته وعائلته ويلتقي بأمه وأخته والأب الطاغي، الصارم والمخيف.

فهذا المشهد المميز بمشاهده الحسية يقودنا إلى الأسباب الأولية التي دفعته إلى القتل، مع التركيز على الصوت والصورة والحركة الموحية بما في النفس أكثر من ترجمتها بالكلام، خصوصًا في الدمعة التي تدحرجت بعد كبت نفسي مهيب تسرب إلى نفس المشاهد الذي تعاطف مع هذا الشاب المعنف من العائلة. لذا، يعتبر هذا الفيلم نصف صامت أو تلعب فيه الموسيقى التصويرية والحركة الدور الأكبر لإثارة شدة الانتباه عند المتفرج، وللبث الدهشة في نفسه أكثر فأكثر، خصوصًا ونحن نستدرك ما يعاني منه القاتل بعد قيامه بفعل انتهك من خلاله روح الإنسان ووجوده البشري. وكان القاتل يعاني من حيوانية بشعة يحمل أوزارها حتى النهاية.

جريمة باردة تقشعر لها الأبدان يؤديها جورجيوس بكراهية ترتسم على الوجه قبل تنفيذ جريمته، ولا شيء يبررها، وهو الشاب الطموح العامل المثابر في عمله حيث أصوات الآلات العنيفة تتعب الحواس، وقساوة المادة التي يقطعها لا تقل أهمية عن غرز سكين في معدة شاب كل ذنبه أنه ينتمي إلى غير انتماء جورجيوس. فالعنصرية في العالم كالداء للإنسانية، فهل يعقل أن تتسبب التربية بكل هذا؟ وهل يؤدي العنف الأسري الذي يتعرض له الطفل في صغره إلى ارتكاب الجرائم وما إلى ذلك؟

فيلم مدته 27 دقيقة و27 ثانية، تكتمل فيه الحبكة التصويرية من مشاهد وموسيقى وأصوات حركية تصدر من ركض ولهاث وآلات، وإضاءة تتناسب بتبايناتها مع المضمون النفسي من حيث المنزل الذي يعيش فيه جورجيوس، أي التصوير الداخلي، وما يحمله من صعوبات تنسجم مع المعنى المشهدي والتعبيري، خصوصًا وهو في المطبخ، وهو يتقيأ بعد قيامه بجريمة القتل. لنعيش أحاسيس القاتل وصعوبتها. وما يفرغه في كيس اللكم من ضربات قوية تنبعث من صمته الدائم أو حتى نومه في السرير بوضعية الجنين بعد عودته إلى منزل الطفولة. كل هذه إشارات رمزية نفسية توحي للمشاهد بتحليلات سلوكية قوية المعنى، فما يعانيه من جراء القتل لا يستهان به، وما يحاول الفيلم إيصال إليه هو هذا الفيلم القصير بمدته والطويل بالمعاني، وبجمالية الإخراج المؤدي إلى مزيد من التأثر والتأثير في نفس المشاهد. فهل الانتهاكات العنصرية هي مسؤولية أسرة ومجتمع ودولة؟ أم أن اسمينة تحاول الاحتفاظ بحقوق الإنسان المعنف والتعاطف معه لنبحث في الأسباب التي تؤدي به إلى ذلك؟

فيلم تعالج من خلاله المخرجة "اسمينة برويدرو" القتل المنظم وجرائم العنصرية، لتدفع بالمتلقي نحو الاهتمام بالقيمة الاجتماعية أو بكل ما من شأنه أن يبعد الإنسان عن ارتكاب الجرائم من خلال فيلمها "الهيكل الأحمر" أو (Red Hulk)، الذي يستحق المشاهدة والاهتمام من قبل المشاهد والناقد على السواء.

برؤية أخرى فيلم "الهيكل الأحمر" (Red Hulk) للمخرجة اسمينة برويدرو هو عمل درامي قصير يجمع بين عمق المحتوى النفسي والشعور الاجتماعي الحاد. يستعرض الفيلم قضية العنف العنصري وتأثيره على الأفراد من خلال قصة جورجيوس، الذي يمثل تجربة معقدة تنبع من العنف الأسري والعزلة الاجتماعية.

المضمون والموضوع: يتناول الفيلم قضايا إنسانية مؤلمة تتعلق بالعنف والكراهية، مستندًا إلى خلفية نفسية معقدة تتجلى في سلوكيات الشخصية الرئيسية. من خلال تصوير حياة جورجيوس، تنكشف تأثيرات التربية الأسرية السلبية، مما يؤدي إلى تكوين شخصية معذبة تبحث عن انتقام من المجتمع. تتمثل الرسالة الأساسية للفيلم في طرح تساؤلات حول مسؤولية الأسرة والمجتمع في تشكيل الهوية النفسية للأفراد.

تستخدم المخرجة أسلوبًا بصريًا قويًا يعكس الحالة النفسية لجورجيوس. تعتمد على تقنيات التصوير القريبة، حيث تركز الكاميرا على تعابير وجهه وحركاته، مما يجعل المشاهد يشعر بتوتره وعزلته. الموسيقى التصويرية تلعب دورًا محوريًا، حيث تُعزز الأجواء الدرامية من خلال مقاطع موسيقية تثير الشجن وتعمق الانفعال.

الجمالية في الفيلم تتجلى في التفاصيل البصرية والإيمائية. استخدام الإضاءة المظلمة يعكس عمق العزلة والقلق الذي يعاني منه جورجيوس. بالإضافة إلى ذلك، تمثل المشاهد الصامتة التي تعتمد على الإيماءات الجسدية عناصر فنية تعزز من تأثير القصة، مما يُظهر قوة التعبير عن المشاعر بدون الحاجة إلى الحوار.

تتسم الحبكة بالتوتر المتزايد، حيث يزداد الصراع الداخلي لجورجيوس حتى يصل إلى نقطة الانفجار. يتم تقديم المشاهد بطريقة تخلق علاقة شديدة بين المشاهد والشخصية، مما يجعله يتعاطف معها رغم أفعالها. هذا الاستخدام للتوتر يُسهم في تعزيز تجربة المشاهدة، حيث يتساءل الجمهور عن نتائج هذا العنف.

فيلم "الهيكل الأحمر" هو عمل فني يجمع بين التعقيد النفسي والدرامي، موجهًا رسائل قوية حول العنف العنصري وتأثيره على الأفراد والمجتمع. من خلال أسلوب إخراجي مبتكر وتعبير فني مؤثر، ينجح الفيلم في ترك انطباع عميق في نفوس المشاهدين، مما يدعوهم للتفكير في مسؤولياتهم الاجتماعية والإنسانية.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com