هدوء يا دمشق في عدسة ساكنة تسجل حركة الزمن المتباطئة ...
ضحى عبدالرؤوف المل
تنادي ألوان الفنان السوري "نصوح زغلولة" ازدواجية السكون والحركة في الصور ذوات اللونين الأبيض والأسود "هدوء يا دمشق"، حيث الوعي الأسود المتناقض مع الأبيض، والمعنى المتوحد داخل الصورة الفوتوغرافية ومنظورها الفني للحرب الأهلية الدائرة في سوريا، وتأثيراتها من كافة النواحي على الإنسان بشكل عام. وما تسببت به هذه الحرب من تفكك اجتماعي داخل النسيج العربي، وهذا ما نلمسه في تصويرات الفنان "نصوح زغلولة" وما تمثله من محاكاة صامتة بصريًا، ولكنها جدلية المبنى والمعنى والحس الفوتوغرافي، لفكرة انطلق منها لتتكون نظرة فنية بمعناها الخاص من حيث الحرب والسلام، والعودة لجمال دمشق ومعالمها وتقاليدها، وما تمثله كبؤرة ضوئية مغطاة بظلال الحرب الثقيلة.
ليعود إلى ترجمة المعالم الحياتية في دمشق من تقاليد أزياء أو الأزقة والحارات القديمة، وما تجسده من لمسة وجود يحن إليها حسياً أو تجريدها من المحسوسات الحياتية أحيانًا، ولكن بجمالية عدسة تلفها الغربة في الأماكن المضيئة، وكأنه يؤطر الضوء بغربة يلتقطها الآن حيث اختفت معالم هذه الأماكن أو ما زالت، لكنها فقدت روحانية الزمن وما يمثله من نبض حياتي سلبته منها الأحداث الأخيرة، وما تمثله أيضًا من تآلف الحجر مع البشر أو تماسك المكان بالزمان. لتؤلف العدسة كل هذه المعاني قبل أن يترجم الفنان "نصوح زغلولة" هدوء دمشق من خلال تجريد المساحات ومنحها المنظور الفوتوغرافي الواقعي الخاص بها. لتوحي بهدوء أصطنعته الأحداث التي تجري في سوريا، والتي أخذت معها أغلب معاني الأماكن الجوهرية.
عدسة ساكنة تسجل حركة الزمن المتباطئة، والتي تركت الربيع في فصول تتعاقب على المدن السورية التي تتغير معالمها العمرانية والبشرية، فهو يؤرخ فوتوغرافيًا لمرحلة لا يريد زوالها من ذاكرته، كمسرح طفولي أو جذور وطنية ينتمي إليها، ويحفظها في عدسته ذات المفتاح الضوئي الذي يدخل المتلقي به هاربًا من عتمة ذهنية تسببت بها الحرب التي استفزت عدسة "نصوح زغلولة" ليلتقط هذه الصور الفوتوغرافية المختزلة التي تدمج الظل والضوء والعتمة في الشكل الظاهر، والإيهامي كمرادفات للماضي والحاضر والمستقبل، كنوع من التمسك بهوية دمشق أو هوية سوريا الجمالية بشكل خاص.
تجريد ضوئي معتم يفتح من خلاله المصور الفوتوغرافي "نصوح زغلولة" ثغرات الوجود الزمني عبر زوايا الأماكن، ومنظورها الفوتوغرافي المتشكل بالمعنى والأسلوب في الحركة والسكون، والأبعاد غير المباشرة المرسومة بالضوء. لتتناقض الرؤية المتشكلة مع هندسة بصرية تنسجم مع الفراغات التي يتركها خالية بخلو ذاتي مؤطر بموضوعية فنية تثير الحركة البصرية عند المتلقي. ليبحث في كل صورة عن الإنسان وعن المكان والزمان، وشمولية الحياة التي يبحث عنها في ذاكرة صورة تحاكي القديم والجديد، وكل الأحداث التي تجري في الأماكن التراثية التي تحمل ثقل شعب احتفظ بهوية وطن تكلل بجذوره العربية، حيث تظهر المرأة بلباسها الشرقي أو الدمشقي، كعنوان لصرخة تركها في معرضه "هدوء يا دمشق".
بنية فوتوغرافية ذات جمالية تميزت بها عدسة بصرية تمزج بتضاد بين عنصرين فقط. لتولد العناصر الأخرى بشكل تلقائي وعفوي. لزمن انتشل منه الصورة بجزء من ثانية، بمثابة واقع اقتطع منه صرخة صامتة متألمة من كل الفراغات التي حولتها إلى معتم ومضيء أو عتمة وضوء والظل، وما يمثله من ترجمة وجودية للمكان والزمان، ولفتحة الضوء المغلقة في وجه اللاوجود من خلال قراءة ما يراه من عدسة ضيقة، وتتسع فيه المخيلة وتمثله الصورة الفوتوغرافية الدينامية بمنظورها وأبعادها، وما تؤلفه بصريًا من إيقاعات معمارية لأشكال تتخذ صفة التجريد الضوئي المتوازن مع الرؤية، ومع ما يريد إيصالها من خلال صورة اكتملت أركانها الفوتوغرافية من حيث جمالية المضمون والأسلوب، وفنية الرؤية البصرية المثيرة للذهن والحواس وأيضًا للوجدان.
حارات دمشقية وأزقة متداخلة مع الرؤية التشكيلية من حيث القدرة على رسم الخطوط الداخلية بهندسة بصرية ضوئية تعتمد على مرونة اليد، وخفة النظر، وحدّتها المشبعة بالجمال التكويني، فالترابط بين الضوء والعتمة أو بين الأبيض والأسود هو نغمة وجودية يبحث من خلالها عن صورة يتحدى بها كل الاختزالات والتغيرات والتحولات التي حدثت في سوريا، أو يؤرخ لمرحلة بصرية تحاكي الزمن الآتي بجمالية فوتوغرافية لا تقل أهمية عن النص المقروء أو اللوحة التشكيلية بكل أبعادها أو المنحوتة الثلاثية الأبعاد. لأن في صور الفنان الفوتوغرافي "نصوح زغلولة" حركة بصرية تسجل المعنى، كما أن الصورة داخل صورة التي يظهر منها المستطيل الضوئي، كإطار لحمائم طائرة أو ربما لطيور مهاجرة. كما تظهر في المستطيل الخطوط المائلة بسيمترية تثير البصر وتترك المثلث في حالة توافق بصري يثير الدهشة.
لوحات فوتوغرافية تثير البصر والحس الإدراكي المبني على التفكر الرياضي المتناقض ببنائية هندسية يؤطرها بتداخل وترابط وتماسك يوحي بتجريد الحياة من كل ما يعكر صفوها، فالضوء هو حقيقة العتمة والأبيض هو مجموع الألوان التي ينفر منها الأسود، حيث الظل الساكن يتزواج مع العدسة. لتظهر المعاني الفوتوغرافية بجمالية بصرية ذات أهمية فنية، فالصورة هي العدسة الأساسية للوجود المعنوي الذي يتجسد كخط، وشكل وفراغ، الهدوء الانطباعي المثير لاكتشاف المزيد في معرض حمل عنوان "هدوء يا دمشق".
يمثل العمل الفوتوغرافي للفنان "نصوح زغلولة" تجسيدًا لعمق الإحساس بالأماكن والتجارب الإنسانية. يبرز في أعماله كيف يمكن للصور أن تلتقط لحظات صامتة تعبر عن الأنين والمعاناة، مما يضفي على تلك اللحظات طابعًا جماليًا وعبقريًا. الانطباع الأولي من العمل يدعو المشاهد للتأمل والتفكير في عمق المشاعر التي تثيرها الصور. تظهر الأعمال وكأنها قصائد بصرية، حيث يُمكن للشكل والظل والضوء أن يتحدثوا بلغة خاصة تعبر عن صراع الإنسان مع محيطه.
تتناول الصور قضايا الحرب والوجود، ما يعكس حالة من التوتر والصراع. لكن زغلولة لا يقدم فقط صراعًا ظاهريًا، بل ينقل إحساسًا بالحنين والافتقاد. يمزج بين الأمل واليأس، مما يعكس تجربة إنسانية معقدة.
تتجلى في الصور مشاعر الاغتراب والفقد، مما يثير التعاطف لدى المشاهد. تعكس الألوان والأشكال والمشاهد استجابة نفسية للواقع المؤلم، معبرة عن الحاجة إلى البحث عن الهوية والأمان. تأمل الصور يمكن أن يكون تجربة شبيهة بالشفاء، حيث يتفاعل المشاهد مع آلام الآخرين.
الجانب الجمالي في العمل يأتي من الاستخدام الذكي للضوء والظل. التباين بين الأبيض والأسود يعزز الإحساس بالدرامية ويخلق تأثيرات بصرية غنية. يتجلى الإيقاع البصري في توزيع العناصر داخل الإطار، مما يوجه نظر المشاهد بطريقة تنقل مشاعر معينة، سواء من السكون أو الحركة.
يعتبر استخدام "نصوح زغلولة" للعناصر البصرية تعبيرًا عن تجربته الشخصية وتجربة شعبه. تعكس الصور قصة متداخلة من الألم والجمال، حيث يبرز كل إطار كحكاية مستقلة. هذا التعبير الفني يسمح للمشاهد بالاتصال عاطفيًا مع العمل، مما يخلق تجربة تفاعلية.
تتسم الأعمال بإيقاع بصري يتراوح بين الهدوء والضجيج البصري. تساهم العناصر المرئية في تشكيل تدفق بصري، حيث تتداخل الأشكال والألوان بطريقة تحفز الحواس. هذه الحركة، وإن كانت أحيانًا خفية، تمنح العمل حياة وتجعل المشاهد يستمر في اكتشاف التفاصيل.
عمل "نصوح زغلولة" هو تجسيد لتجربة إنسانية عميقة، تمزج بين الفن والجمال والعمق النفسي. يقدم لنا دعوة للتأمل في المعاناة والأمل، مما يجعل كل صورة نافذة على عالم مليء بالتعقيدات. إن الإيقاع البصري هو ما يجعل هذه الأعمال لا تُنسى، حيث تمتزج فيها العناصر لتخلق تجارب حسية تترك أثرًا عميقًا في النفوس.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com