مهارات فنية إبداعية ترمز إلى الوجود والقدرة على التفاعل.

ضحى عبدالرؤوف المل

تعتمد أعمال الفنان "إيلي أبو رجيلي" الإبداعية على الرؤية الحركية ذات التفاعلات البصرية المبنية على الوجود الحسي والملموس للإنسان أو لأي كائن متحرك، كي تلتقط الحركة منها وتوزعها على العناصر الأخرى من صوت وضوء وشكل، والوسائط المختلفة من مهارات فنية إبداعية ترمز إلى الوجود والقدرة على التفاعل مع هذا الوجود الذي يترجمه الآخر. فكل جماد في الكون يحتاج لمحرك موجود مرئي أو غير مرئي، لأن التضاد والتناقض والانسجام هم إدراكات حسية استنتاجية تقودنا إلى حدس يقيني نترجمه بجمالية، وبحركة لا إرادية منا لا نعرف أسبابها، وربما هي وعي كوني يتميز بانعكاسات فكرية تقودنا إلى حيث نحن، وبقدرية لا ندرك أسبابها. إلا أننا في المكان الذي نحن فيه ضمن زمنية معينة، وهذا ما يترجمه الفنان "إيلي بورجيلي" في معرض فني إبداعي يعتمد بتفاعلاته على المتلقي، كمحرك فاعل للعناصر المؤلفة من صناديق ذخيرة ملونة، وواحد فقط بلونه الأساسي الأخضر العسكري، تاركًا للفكرة حرية الانطلاق مع كل متلقٍ يختبر، يكتشف، يحلل، يستنتج، يدرك المعنى الموضوعي الذي يتحسسه من عمل إبداعي هو بمثابة فكرة وجودية ذات جمال فكري وثقافي.

عمل إبداعي يتصف بنوع من الفن يثبر الذهن، ويعصف بالحواس ويدفع بالمتلقي نحو التذوق البصري الذي يعصف بالحواس بشكل عام. إذ ينتج عن الارتداد الحركي في مكان ما حركة معاكسة في مكان آخر، فاسترجاع الذاكرة لقيمة مكان تأثرنا به هي زمنية مكان ترك بصمته فينا بدينامية نبحث عنها أو تساؤل يجعلنا دائمًا في حالة بحث عن أجوبة منطقية نحتاج إلى اختبارها في معظم الأحيان، فالتركيب الإبداعي يرتبط بالحس الفكري والجمالي معًا. لأن الومضات الضوئية التي تمر سريعًا عند الوقوف أمام مرآة رفعها من صندوق ذخيرة هي نتيجة قدرية حدثت بفجائية تركت رمزيتها أو إشاراتها التي اندفعت حركيًا، كصوت أو ضوء أو موسيقى أو حتى حركة ظل اندمجت مع المخيلة الحسية الملموسة من فكرة يشعر بها المتلقي.

تأثيرات صوتية وضوئية أضافها ميكانيكيًا كعناصر زمنية تعيد الشكل مرئيًا إلى الذاكرة. لتترابط الملامح الناتجة عن الحركة التي يقوم بها المتلقي إلى الفعل المساوي لحركات مماثلة أو متشابهة بتناظر يساوي ناتج المعادلة التي صممها ونفذها "إيلي بورجيلي" لتكون بمثابة عمل فكري ثقافي يعمل على إثارة التساؤل وطرح ألف سؤال لجواب واحد، فالفعل الواحد ينتج عنه الأفعال الأخرى المختلفة في تأثرها وتأثيرها من حيث الحجم، والشكل، واللون، والصوت، والصورة، والحدث الفعلي بشكل عام.

تحليلات لا نهائية لعمل فني ذي تركيب إبداعي لا يخلو من الأبعاد البصرية، ومن ألوان، وضوء، وظل، ومؤثرات سمعية منظومة بدقة بل محبوكة فنيًا. لتترك أثرها الفلسفي والفكري في نفس المتلقي قبل الأثر الجمالي، حيث تعتمد بالدرجة الأولى على اختبارات المتلقي لهذه الصناديق التي يمر أمامها بفاعلية يترجمها بحركة تلتقط حركة أخرى أو امتيازات حسية تتسبب بالدهشة، حيث يثير كل صندوق ملون حسًا مختلفًا بالشكل والمعنى والأسلوب. فالحجوم القياسية من علو وانخفاض وانعكاس، ومرئيات حركية ذات منشأ فيزيائي معتمد على حركة الإنسان الفاعلة في الحدث، وما ينتج عنه من وجود آخر في مكان ما هو تركيب إبداعي مرتبط بالفكر والفلسفة والفيزياء الحركية لضوء أو لشكل أو لحجم أو حتى لمساحة ترتبط عناصرها ببعضها البعض.

رؤية فنية استبصارية ذات منحى فكري تطوري تعتمد على ما قبلها وما بعدها. لتتكون التوليفات الديناميكية بزمنية الماضي والمستقبل، تاركة لوجود الحاضر رمزيته التفاعلية مع الحدث. فالمنطق الرياضي والهندسي في عمله الإبداعي متعلق بتكنولوجيات معاصرة تتسم بالمحاكاة الوجودية للمرئي والغير مرئي، الموجود وغير الموجود، المحسوس وغير المحسوس، بتضاد حسي وإدراكات يقينية تحتاج لتجارب وأحداث. لتقود المتلقي نحو حدسية الوجود والمسببات التي تعطي السبب أهمية لحدوثه في كل زمان ومكان. كالفكرة التي انطلقت من صندوق ذخيرة خرج من جعبة ذاكرة حرب تواجد فيها الفنان "إيلي أبو رجيلي" وتركت آثارها في فكره ووجدانه، ومنحته ذهنية حركية تحتاج لسبب ومسبب. لتتفاعل مع الكل الذي بناه في عمل فني إبداعي يحاكي به زمنية الذاكرة الخامدة والناشطة والتي تحتاج لرؤية كي تتفاعل معها.

محور فني استنسخ منه الفنان "إيلي أبو رجيلي" الأشكال المتشابهة بالصورة أو بالكينونة الذاتية، والمختلفة بالفعل الصادر منها، حيث يختلف مرور المتلقي أمام كل علبة توحي بمصير مختلف من حيث حدوث المؤثرات الناتجة منها فيزيائيًا ورياضيًا. فالمهارات المعرفية والسلوكية تتولد من الفكرة نفسها التي تتطور مرئيًا بانعكاساتها وأبعادها، وقدرتها على توليد الأفكار القابلة للتطور الفكري والثقافي للإنسان، وكأن وجوده من العدم يعتمد على تفاعله الحاضر عبر الزمن الموجود فيه في مكان ما. فالتحفيز الذهني الذي يتأثر به المتلقي الذي يختبر وجوده في المكان نفسه الموجود فيه صناديق الذخيرة ذات المفهوم المنطقي والعملي هو بحد ذاته اكتشاف لحظة جمالية تستقر في الذهن، ويحتفظ بها الوجدان وتتمسك بها الذاكرة الفنية.

برؤية أخرى تمتاز اعمال بورجيلي بإيقاع بصري قوي يتجلى في وصف العناصر المختلفة المستخدمة في الأعمال الفنية. الفنان "إيلي أبو رجيلي" يستخدم الألوان، والأشكال، والحركة لتوليد تفاعل بصري يلفت الانتباه ويثير فضول المتلقي. الإيقاع هنا يعكس التنوع والتفاعل بين العناصر، مما يمنح العمل حيوية خاصة. تتفاعل الأعمال الفنية مع المشاهد على مستويات نفسية متعددة. المقال يبرز كيف أن كل عنصر بصري يُمكن أن يثير مشاعر معينة، مثل الدهشة أو التأمل. وجود صناديق الذخيرة الملونة، وبالأخص اللون الأخضر العسكري، يحمل دلالات عميقة تتعلق بالذاكرة الجماعية والتجارب الإنسانية، مما يؤدي إلى تحفيز استجابات عاطفية متعددة.

تمتاز الأعمال التي يتناولها بورجيلي بجمالية معقدة، حيث تجمع بين العناصر الحسية والفكرية. الإيقاع البصري لا يقتصر على جمال الشكل، بل يتعدى إلى التأثير العاطفي الذي تتركه هذه الأعمال في نفوس المتلقين. الجمالية هنا ليست مجرد مظهر، بل هي تجربة شاملة تستفز الحواس والعقل. التعبير عن الوجود من خلال الحركة والتفاعل هو محور رئيسي في أعمال "أبو رجيلي". المقال يُظهر كيف أن الفنان يستعمل العناصر الفنية لخلق تجربة فنية تعبر عن الأفكار والمواضيع العميقة. الحركة، سواء كانت في الأشكال أو الألوان، تُعبر عن ديناميكية الحياة، مما يجعل العمل يعكس تجربة إنسانية حقيقية.

تناولت أيضًا السياق الثقافي والاجتماعي الذي يحيط بالفنان. يتمحور التركيز حول الفكرة وجودية، حيث يعكس العمل الإبداعي تجارب إنسانية مشتركة. هذا الجانب الموضوعي يُعزز فهم المشاهد للأعمال من خلال ربطها بالسياقات الثقافية والتاريخية، مما يضيف عمقًا لتجربة التلقي. بشكل عام، يُظهر المقال كيف أن أعمال "إيلي أبو رجيلي" ليست مجرد تعبيرات بصرية، بل هي تجارب متكاملة تمزج بين الإيقاع البصري والمشاعر الإنسانية. الفن هنا يُعتبر وسيلة للتفاعل مع الوجود، مُثيرًا تساؤلات عميقة حول الهوية والذاكرة والوجود، مما يجعل التجربة الفنية تجربة غنية ومعقدة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com