الفنان ايلي بورجيلي للواء :" التركيب الإبداعي هو عمل فكري جامع له علاقة بالمجتمع الإنساني.
حاورته : ضحى عبدالرؤوف المل
يمارس الفنان "إيلي أبو رجيلي" الفكر التجريبي بطلاقة فنية وإبداع نشط تفاعلياً. فالتعبير الفني في العمل الإبداعي الذي صممه هو محاكاة عملية تلامس الحدث بوجود إدراكي تحسسي لبيئة محاطة ومتأثرة بالكائنات. فالإحداثيات الناتجة عن فكرة مستقبل ذهني تصدر عنها إشارات في أماكن أخرى. هو رؤية بصرية تعصف بالحواس، وتثير التساؤل من حيث نظام التركيب الفني في هذا العمل الفني المحوري، المنظم الخاضع لنظام تكنولوجي فني يحتاج لفعل وتفاعل، وتحليل واستنتاج له مغزى تلمسه بصرياً، كأنه أداة تشكيل مرئية ذات تأثيرات فاعلة تصدر عنها انفعالات تترجم في أكثر من مكان. فالعمل التركيبي الإبداعي الذي صممه الفنان "إيلي أبو رجيلي" يحتاج للمتلقي ليدرك المؤثرات الكامنة وراءه. لهذا أجريت هذا الحوار مع الفنان "إيلي أبو رجيلي".
- تضيف إلى الحركة البصرية جموداً مادياً ينشأ من التركيب الإبداعي الفيزيائي، لماذا؟ وهل هذا التعقيد وليد الفن الإبداعي المعاصر؟
الفن الإبداعي (Installation) هو موضوع متكامل بحد ذاته، بما أن التركيب الإبداعي ليس فناً تشكيلياً. لأن كل العمل قائم على المفهوم أو بالأحرى الفكرة. هذه الفكرة أضع لها حاجاتها كي أوظف الأشياء الجامدة والمتحركة. المفهوم يحتاج لعناصر كي يكتمل العمل الفني، ولكن هذا العمل الفني يبدأ حين نتدخل نحن به. حين ندخل إلى صالة العرض ونرى علب الذخيرة الملونة وعددها 24 مع علو مرآة، وبمواصفات تتقيد مع قياس صندوق الذخيرة. ولكن تركت الصندوق الأخير، وهو آخر صندوق يصل إليه المتلقي الداخل إلى الصالة. لأن هذا الصندوق بالذات خرج من ذاكرتي من حرب لبنان سنة 1975 التي انطبعت في الذاكرة، وأنا طفل في عمر الرابعة عشر كنت أشعر بالذنب، وكأني أنا المسؤول عن هذه الأحداث. من هنا خرجت الفكرة الأساسية ببساطة، أو بتعقيد. فعلب الذخيرة متنوعة ومتلوّنة بألوان الناس في الحياة. كما أن داخل العلب كل وجه هو لون منفرد مستقل شفاف تحته الضوء مع مكبر الصوت. عند الدخول إلى المعرض، وبمرور شخص ما أمام العلبة، هناك جهاز يلتقط الحركة ويرسل الإشارة إلى علبة أخرى. وفي مكان آخر يخرج صوت ما. لأقول بكل بساطة "بمروري من هنا لم أتسبب بما حدث بالمعنى الحياتي"، أي ما حدث لست أنا المسؤول عنه. ما أريد قوله بعد كل هذا هو أن فكرة القناع هي إظهار الوجه الآخر لتنعدم المسؤولية، ولكن هناك مادة ما أتركها في كل صندوق، مثلاً الحبر الأسود على شمال الصندوق والرسائل على اليمين. لأن ما أريد أن أؤثر أنا فيه هو القرار، هو ما أريد أن أكون، أو فحم حجري أو جوهرة بمعنى أن مسؤوليتي على الحدث هي صفر، ولكن تأثير ذلك جرى لأني كنت موجوداً، أو بمعنى لو لم أكن هنا ما صار الحدث. السؤال العام هو: إلى أين تأخذني الحياة؟ هذا اختيار.
- الفنان "إيلي أبو رجيلي" والتركيب الإبداعي (Installation)، لماذا هذا الميل الفني لهذا النوع من الفن؟
اللوحة التشكيلية نهايتها معلقة على جدار في بيت أو في متحف، أي في مكان مغلق يتأثر بها الشخص الذي امتلكها. فنهاية اللوحة في المكان المغلق يحد من تفاعلنا معها، بما أننا لا نمتلك متاحف في لبنان، بينما التركيب الإبداعي هو عمل فكري جامع له علاقة بالمجتمع الإنساني، حيث يمثل الإنسان العنصر المهم في هذا العمل، أو بالأحرى المتلقي. لأن المتلقي هو محرك العمل، وهو من يخلقه ويمنحه الدينامية. لهذا التركيب الإبداعي هو عمل عام يمنح المتلقي لذة اكتشاف العمل. ليعيد له حركته، ففتحريك العمل يعتمد على الناس بالدرجة الأولى، فهذا العمل الفني يعتمد على حركة الآخر.
- بعض أعمالك الفنية تضفي عليها تأثيرات تقنية أخرى، وكأنك تمارس حرفة يدوية أحياناً وأحياناً أخرى اختراعات، ماذا تقصد بذلك؟
البداية كانت أثناء الحرب، وما انطبع في ذهني عن صندوق الذخيرة. فحين كنت في الجامعة رأيت صندوق ذخيرة حقيقي بلونه الأخضر. انطلقت الفكرة من هذا الصندوق الذي أعاد لي ذكرياتي حينها، استنسخت عنه نماذج فنية بالقياس والحجم ونفسه، وتجددت صياغته بألوان مختلفة كي لا يبقى بلونه العسكري. لمنح الصندوق التنوع الإنساني. في فرنسا مثلاً، أجد كل الأماكن متشابهة بتفاصيل ما، بينما في لبنان لكل مكان تنوعه الخاص. لهذا منحت الصندوق الذي يمثل الموت صناديق أخرى تمثل الحياة، ومنهم انطلقت لأمثل هذا المفهوم وأقول إن مسؤوليتنا فقط هي أننا كنا متواجدين. وهي ربما تفاجئ البعض بالنظرة التفاؤلية التي تمثل عدم قدرتنا على معرفة ما يحدث، لأن القدرة هي معرفة: أنا ماذا أريد أن أكون في حياتي؟
- إيلي أبو رجيلي والفنون بشكل عام، كيف ترى هذا الفن من التركيب الإبداعي؟
هل من جمهور له؟ تكلفة المعرض باهظة وما من مردود مادي يغطي هذه الكلفة، والكل من حولي يسأل: لماذا هذا المعرض أو هذا العمل الفني الإبداعي؟ أقول لأنه عمل ثقافي ونحن نحتاج للأعمال الثقافية. أنا مدرس في الجامعة اللبنانية، أنظر إلى طلابي وأتساءل: ما الذي يدفعهم إلى دراسة الفنون؟ ولا نتملك المتاحف وما من معارض مفتوحة على مدار السنة. أقول لك بكل صراحة، طلاب الجامعة اللبنانية هم فقراء لبنان، لهذا أنا أريد منحهم كل ما عندي من فكر، أهديهم هذا الحدث الثقافي. فالفن أكبر من عمل فني، هو بمثابة محفز حقيقي للفكر، هو بصيرة الوجود كله.
يختلف فن التركيب الإبداعي من حيث التنظيم على مساحة ما، هل تعتبر المساحة هي الفضاء الحيوي للعمل الفني؟ طبعاً، هي التجهيز بحد ذاته. إن فن التركيب الإبداعي هو الفنون مع بعضها البعض. هو أكبر من فضاء منحوتة، ففضاء اللوحة مداها هو تعليقها على الجدار لفترة زمنية محددة. المنحوتة ذات الأبعاد الثلاثية ندور حولها لنلتقط أبعادها. أما التركيب الإبداعي، مداه فضاء متكامل بحد ذاته. حين غطى كريستو الجسر في فرنسا بالقماش، استيقظ الفرنسيون ليجدوا الجسر غير جسرهم المعتادين عليه، فالإنسان متعلق بمرحلة أو بتقليد ما، لهذا حين ترى العين بطريقة مختلفة تختلف قيمة وجود الأشياء.
- ما الذي يشد بصرك أكثر في الطبيعة: الحركة أم السكون؟
الحركة والسكون توأم، أو بالأحرى كل منهما يكمل الآخر. فالسكون الذي يأتي بعد الموسيقى يحرك الأشياء فيما بعد والعكس صحيح.
إيلي أبو رجيلي، عن ماذا تبحث في تصميماتك الإبداعية؟
بكاسو يقول بما معناه: "أنا لا أبحث، أنا أجد". السؤال عن ماذا أبحث؟ كامو يقول: "السؤال الفلسفي الوحيد هو الموت". أنا أبحث عن الأجوبة لهذا السؤال: ما معنى وجودي؟
- ماذا تخبرنا عن معرضك هذا في المركز الثقافي الفرنسي؟
أتمنى أن يشارك المتلقي في هذا المعرض، لأن الحركة الأساسية لعملي الإبداعي هي تواجده ليسحب منه بعض الأحاسيس التي لم يتوقعها. فهذا المعرض يطرح الأسئلة غير التقليدية بأسلوب معاصر لم نتعود عليه، خصوصاً (لشو أنا نافع)، أو بمعنى إذا لم أتجدد ذاتياً وأتطور، لا أنفع. إذا لم أطرح الأسئلة على الأشياء الجوهرية بشكل نهائي، لا أنفع لشيء.
- التركيب الإبداعي يحتاج أحياناً لعناصر متعددة، ألا يتعبك هذا التأليف بكل هذه العناصر؟
بل يصيبني بالهلاك، خاصة وأنني بحثت عن 46 عنصر ليكونوا العنصر الأساسي لوجود العمل الفني مع ما تبقى من إلكترونيات وفيديو ومونتاج، ولوحة عرضها 12 متراً، وهي كتلة واحدة. وكل هذا بالطبع متعب وبدون أي مردود مادي رغم التمويل له. فهو مكلف ومتعب، ولكننا بحاجة لحدث ثقافي، خصوصاً للشباب، كي ننظر بشكل مختلف للأشياء من حولنا.
- هل من عمل مفضل لديك أكثر من الأعمال الأخرى، ولماذا؟
المعرض كله فكرة واحدة، أو بالأحرى عمل إبداعي واحد، حتى الفيديو فيه يبدأ بحركة ركض رتيبة، ومن ثم تتدرج فيه النغمات. وبالأعمال الإبداعية عادة أعتمد على التجريد، لأني أعمل على المواد، ولكن كل عمل مرتبط بما قبله وبما بعده. فالعمل الفني هو مسيرة حياة، لهذا لا أستطيع تفضيل عمل عن آخر، لأن كل عمل يكمل الآخر.
- رسم... فن تشكيلي... قص... لصق... تركيب إبداعي. هل الرؤية الفنية واحدة في ذلك؟
طبعاً، لأن الفن هو شيء كلي. ذلك هو الفن. الفن لا تقنية له، هو حالة يمكن أن أصل إليها وأنا أرسم أو وأنا أقص والصق، ولكن كل ذلك يؤدي إلى تساؤل: كيف أنظر إلى الأشياء بأعين أخرى؟ الفن لا يعطي الأجوبة، هو لطرح الأسئلة.
- كلمة للقارئ تهديها له عن عمل فني من أعمالك؟
انظر بفكرك وليس بقلبك، وتأمل بالبصر والبصيرة الأشياء من حولك.
- ماذا تعني لك كلمة الخيال (Imagination)؟
كل شيء في الحياة من تكنولوجيا وعلم وأدب وما إلى ذلك يحتاج إلى الخيال. الخيال هو الهدف، هو كلما اقتربنا منه ابتعد. أنشتاين يقول: "الخيال أهم بكثير من العلم".
برؤية أخرى في تحليل لحواري معه يستكشف القارىء أن الفنان اللبناني إيلي أبو رجيلي يُعتبر من الأسماء البارزة في عالم التركيب الإبداعي (Installation Art)، حيث يدمج بين الفن والتكنولوجيا ليخلق تجارب بصرية فريدة تعكس تجارب إنسانية عميقة. يعتمد أبو رجيلي في أعماله على توظيف المفاهيم الفكرية والذهنية ليشكل أعمالاً فنية تتجاوز الشكل التقليدي، محققاً بذلك تفاعلاً حياً مع المتلقي.
كما يمكن اعتبار أعمال إيلي أبو رجيلي تجسيدًا للإيقاع البصري، حيث يستخدم الألوان، الأشكال، والمواد بطريقة تنسجم مع أفكاره. الإيقاع في تركيباته يتشكل من تفاعل العناصر المتعددة: الأضواء، الأصوات، والأشكال الملموسة. هذا الإيقاع يخلق تجربة حسية تدعو المتلقي للتفاعل والبحث عن معاني أعمق، مما يجعله جزءًا من العمل الفني.
تعكس أعمال أبو رجيلي التجارب الإنسانية والصراعات النفسية التي عاشها، وخاصة تأثير الحرب اللبنانية. من خلال إعادة تشكيل الذكريات والأحاسيس، يدعو المتلقي لاستكشاف مشاعره الخاصة. هذا التعبير النفسي يتجلى في استخدامه للمواد، مثل علب الذخيرة، التي تحمل دلالات عميقة عن الفقدان والذاكرة.
يعتمد أبو رجيلي على رؤية فنية جمالية تستند إلى مفهوم التفاعل. فهو لا يعتبر المتلقي مجرد مشاهد، بل جزءًا من العمل الفني نفسه. من خلال تصاميمه، يخلق بيئة فنية تفاعلية تتيح للمتلقي استكشاف ذاته وتجربته الشخصية. الجمالية في أعماله لا تأتي فقط من المظهر، بل من القدرة على إثارة الأسئلة والتأمل.
يتجاوز الجمال في أعمال إيلي أبو رجيلي السطحية. فهو يستخدم الأشكال والألوان لخلق إحساس بالعمق والواقع، مما يدفع المتلقي للتفكير في الرسائل المخبأة وراء كل عنصر. هذا التعبير الجمالي يعكس حالة من الوعي والاحتجاج على الواقع، حيث يربط بين الجمال والألم.
إيلي أبو رجيلي يمثل مثالًا فنيًا يجمع بين الجمال، العاطفة، والفكر. من خلال أعماله، يستطيع المتلقي تجربة الإيقاع البصري الذي يعبر عن النفس البشرية وتجاربها المتنوعة. تظل أعماله محفزات للتفكير والتأمل، مما يجعلها تتجاوز حدود الفن التقليدي إلى آفاق جديدة من الإبداع.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com