نغمة الضوء العابقة باللون الأبيض وموسيقاه البصرية
ضحى عبدالرؤوف المل
تستيقظ الألوان من كبوتها في أعمال الفنان "مارون نمر" لتتوجها الحركة التجريدية، وتتركها في حالة ضوئية تثير التأملات المفتوحة نحو فضاءات مزدانة بتجريد لوني ديناميكي محبوك برؤية تشكيلية تجمع الجمال الداخلي والخارجي في لوحة تضج بالحياة، وتطرح تساؤلات وجودية من حيث الامتداد اللوني مع خط الأفق الملامس لمادية الألوان، والأرض المفروشة بالكتل اللونية والفراغات، والضوء، والظل، والأشكال الإيهامية ذات الإيحاءات المتآلفة بين الشكل والمضمون، والتوازن والنظام التناسبي بين خصائص اللون البارد والحار.
واعتدال اللون الأبيض الممسك بصريًا بجدلية الألوان في لوحات الفنان "مارون نمر" ونظرته التجريدية إلى الجمال حيث يتجاوز حدود الإشباع الضوئي المنبعث من فواتح الألوان، وبرودتها، مستعرضًا سيكولوجية تشكيلية ذات جمالية تتميز بإحساس رومانسي عبثي في بعض منه، ومنظم في الكثير منه، وكأنه يؤازر الخطوط المخفية في طيات الألوان بالتجريدية المنسجمة مع نغمة الضوء العابقة باللون الأبيض وموسيقاه البصرية، المثيرة للحس الوجداني وللإدراك الجمالي حيث يشتت السطوع بمجازيته طبيعة المساحة، ويتركنا ما بين الأصفر والأبيض في دهشة فنية نلتقط جزئيات الألوان الأخرى ببساطة مصحوبة بجمالية ربيعية دافئة.
يقول أوسكار وايلد: "الجمال نوع من العبقرية، بل هو حقًا أرقى من العبقرية. إنه يحتاج إلى تفسير، فهو من بين الحقائق العظيمة في هذا العالم، إنه مثل شروق الشمس، أو انعكاس صدفة فضية نسميها القمر على صفحة المياه المظلمة." معاني لونية يسرد من خلالها الفنان "مارون نمر" حكاية الوجود، منطلقًا من فلسفات تجريدية أحاطها بغموض يراوغ به الخطوط. لتبدو الصورة متماسكة الظلال ومتأرجحة بين الضوئيات المنسابة بخفوت وشدة، لتتعدد المفردات الفنية التي صاغها بتعدد لوني يوحي بشاعرية تجذب الحواس نحوها، وتتركها في حالة استمتاع نفسي واستبصار يجدد النظرة الجمالية إلى اللوحة.
مهارات تخيلية يفرضها الفنان "مارون نمر" على البصر الغارق في تجريدات ذات سطوع مرن. إلا أن في كل تجريداته يحاول محاكاة الطبيعة بمختلف الأساليب الجمالية المتأصلة أو المتعشقة الجماد والنبات والأرض بكل تفاعلاتها، مع الكل المفتوح تخيليًا نحو فضاءات انفعالية نظمها على مساحات لم يتخل عن حدودها أو تداخلاتها التي تكشف عن انزياحات تأثيرية انفعالية ضبطها بمهارة تجريدية توحي بالعبثية. إلا أنها ملتزمة موسيقيًا بنغمة خاصة تثير الحواس، وتتركها في حالة انتشاء وجداني متميز بتخيلات تصاحبها إيحاءات تنبعث من الأشكال التي تتكون ذهنيًا في الداخل، وتنعكس على المعنى بذاتية فرضها على اللوحة وعلى المتلقي في آن.
يفصح الفنان "مارون نمر" في لوحاته عن لغة شاعرية لونية تندمج مع الرؤية التجريدية المتنوعة حياتيًا بين السالب والموجب أو بين الحار والبارد ليجرد الجمال من الشوائب ويتركه في حالة صفاء ضوئي يلامس به التفاصيل من خلال حس جمالي مرتبط بدينامية اللوحة، وبتصوراتها التجريدية التي تكتسب مرونة فكرية يطلقها مع شفافية اللون، وتدرجاته الطولية المجددة للمعنى بتضادها الأسلوبي بين صعود وهبوط، وحركة الاتجاهات اللونية المزدانة بضربات موسيقية. ليستوعب البصر الأشكال الإيهامية الناتجة عن كل لون منفرد بخاصية تختلف عن الآخر، وتنسجم مع حرية الريشة وانفعالاتها الخاضعة للمعالجات التجريدية التي يمنحها الفنان "مارون نمر" حسية ذات صبغة وجدانية تثير متعة جمالية خاصة في النفس حيث ترتكز على مجازات الضوء، والخطاب البصري الارتجالي الملموس في انطلاقة كل لون واندفاعاته نحو التمازج والتفرد، والأسلوب التجريدي المشتعل بألوانه المتوهجة مع الضوء، ومع الأشكال التعبيرية في إيحاءاتها التجريدية المرتكزة على الحدس الفني.
ازدواجية ذاتية وموضوعية يجمع في جنباتها الفنان "مارون نمر" فلسفة تجريدية تتناقض معها الأفكار المنسابة بين الفراغات، والفواصل الفنية المتنامية بانوراميًا، كفعل حركي درامي أو مسرحي متوشح معاييره الخاصة. ليؤكد على وحدة الأضداد في الأسلوب التجريدي المتسلسل بأشكاله التكوينية، وفضاءاته التأويلية التي تكشف عن عمق فلسفي يساعد على توليد الأفكار التي تتوارد على الذهن بعد أن يثيرها اللون، ويعصف بها المعنى المخبوء في اختزالات الزوايا الممسوحة بعاطفة وجدانية شاعرية تدفع بالمتلقي إلى المزيد من التأملات التي تتسم بزهد تشكيلي تتحرر به الخطوط المرتبطة باتجاهات الريشة، وانعكاساتها التي تفصح عن روحانية جوهرية تحاكي الواقع بتجريدية تخيلية استخدمها وفق إشارات ضوئية تجذبنا نحو التذوق الجمالي المؤطر بالأبعاد حيث الانفلات من الزمان والمكان، والانعتاق من الحدود التي تمسَّك بها وتمردت عليه من حيث الزوايا أو تعميق الشكل التجريدي في الوسط. ليبدو كسارد لوني تجريدي، يصف مفاهيم الحياة وتنوعاتها من خلال الألوان وقدرتها على خلق المحاكاة المتنوعة رؤيويًا.
انفعالات ذاتية وخصوصية في الأداء التجريدي يفرضها "مارون نمر" على لوحاته الخاضعة لفلسفة ضوئية تسيطر عليها موسيقى اللون الأبيض، وجدلية الفراغات المحبوكة مع الأبعاد التي تفصح عن مكنون ذاتي نظمه تبعًا للإيحاءات المغلفة بغموض يتأجج وجدانيًا، كلما حاول البصر فك شيفراته الجمالية التي تلعب دورًا مهمًا في خلق تنوعات تجريدية ترتبط بالمسارات والاتجاهات، والتشكيلات المفعمة بالبساطة والجمال.
برؤية أخرى تتميز أعمال "مارون نمر" بتجربة بصرية غامرة، حيث تتعانق الألوان في تناغم ديناميكي يشد المشاهد نحو تفاصيل اللوحة. الإيقاع البصري يتجلى في توازن الأشكال والفراغات، مما يمنح العمل إحساسًا بالحركة والحياة. إذ تبرز العناصر التجريدية بشكل واضح، حيث تساهم الألوان في تجسيد الأفكار الوجودية المعقدة. كل لون يحمل دلالاته، فالأصفر ينقل الإشراق والفرح، بينما الأبيض يوحي بالنقاء والتوازن. توزيع الألوان على السطح يعكس تنظيمًا دقيقًا يعزز من جمالية العمل. تُعبر الألوان والتكوينات عن مشاعر عميقة. الأشكال المنسابة والفراغات المتناغمة تخلق حالة من التأمل، تدعو المشاهد لاستكشاف المشاعر الكامنة خلف العمل. يُحتمل أن يشعر المتلقي بالانجذاب نحو الضوء، مما يحفز استجابة عاطفية قوية.
يستخدم "مارون نمر" تقنيات متقدمة في تجسيد التجريدية، حيث يتلاعب بالإضاءة والظل ليبرز العمق. الإيقاع البصري يظهر من خلال تكرار الأشكال وانسيابية الخطوط، مما يخلق تناغمًا معقدًا. هذا التلاعب يجعل العمل يُظهر توازنًا بين القوة والنعومة. يُعد العمل تجسيدًا للجمال الكامن في التنوع اللوني والتجريدي. الإيقاع البصري يحفز المتلقي على التفاعل مع العمل بشكل أعمق. الصفاء الضوئي الذي يميز اللوحة يجعل المشاهد ينغمس في تجربة جمالية فريدة، حيث تتداخل الأحاسيس بين الفرح والتأمل. يظهر التعبير الشخصي للفنان من خلال اختياراته اللونية وتنسيق الأشكال. تجسد أعماله رحلة داخلية، حيث يتم استكشاف الذات والوجود. كل لوحة هي تجسيد لمشاعر الفرح، الحزن، والحنين، مما يخلق علاقة حميمة بين العمل والفنان والمشاهد. تعد أعمال "مارون نمر" نموذجًا حيًّا للإيقاع البصري الذي يجمع بين العناصر الفنية والنفسية. تجسد التجريدية في أعماله رؤية عميقة للجمال، حيث تتناغم الألوان والأشكال لتعبر عن تجربة إنسانية معقدة، مما يجعل كل عمل فنًّا فريدًا من نوعه، يستحق التأمل والاستكشاف.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com