تنظيمات لونية ذات انعكاس مرئي متناقض مع الشكل

ضحى عبدالرؤوف المل

تكتمل دوائر الفنانة "برندا لوي" كفكرة تتبلور منها معاني الحياة الجمالية بوصفها مرتبطة بصياغات تشكيلية مختلفة ينبثق عنها رؤية طبيعية لحركة تأملية تتضمن سطوحًا تطغى عليها تنظيمات لونية ذات انعكاس مرئي متناقض مع الشكل، والخط، والمساحة التي تتشارك معها الدائرة والخطوط المرنة بكل متغيراتها وتحولاتها ذات الدلالات والمعاني الخاصة أحيانًا، كالخط الصيني والنفحة غير المألوفة واللغة الشاعرية اللونية المغمسة بالأشكال الطبيعية، والزخرفات الموسيقية والفنتازيا بأبعادها الجمالية. فالفنانة "برندا لوي" تمزج رسوماتها بمخيلة تضيف إليها من أحاسيسها ما يمنحها شكلًا فنيًا متميزًا مثيرًا للمتعة الحسية الجمالية.

تعتق "برندا لوي" رسوماتها وتتركها ترابية في بعضها، وكأنها انطبعت على جدار كهف ميثولوجي، وفي بعضها تتلون الأزهار الصينية لتبدو أبعادها ميالة للتناقض، حيث تسحب الحواس إلى وجود حسي هو بمثابة يوغا تشكيلية تريح النفس، وتترك الحواس براحة فنية يستمتع بها المتلقي. فالخربشات على الجدران في لوحات تتميز بالعقلانية الواعية المؤرخة لحركة خطوط ومسارات هي جزء من لوحات منحت اللون الأسود قيمة واعية تستند على اللغة التشكيلية التي تبثها جمالية لا تخلو من فكر رياضي أو هندسي أو حتى الأشكال العميقة، والمتآخية مع اللون، كالمستطيل، والمربع، والمثلث، والخطوط المائلة، والعامودية، والأفقية، والمنحنية أحيانًا. فالقياسات المنسجمة مع الحجوم المختلفة الأنواع والألوان تنفرد بصريًا بتأويلات ودلالات إيحائية تندمج مع الفكرة وتوحي بتاريخ اقتطعته في لوحاتها التشكيلية التي تحاكي من خلالها زخارف الصين بكل أصولها الجمالية من لون، وخط، وشكل، وصفاء، وروح، وجوهر، وإيقاع، وموسيقى، وتصوف من نوع خاص.

ضوء، وظل، وعتمة، وتخيلات سيميائية تتزاوج مع المفاهيم الفنية بشكل عام، فالتنوع البصري المزدان بحركات تشكيلية مختلفة يترك أثره في نفس المتلقي من حيث التلاعب البصري، والتأثر والتأثير الازدواجي بين مختلف التصويرات التي تمنحها صفة أثرية ذات جمالية إبداعية تداعب الخيال، وتثير الحس الفني عند المتلقي، وهذا يخلق نوعًا من الانزياحات الفكرية الموحية بتراثيات نكتشف من خلالها جمالية الأبعاد الزمانية المتعلقة بالمكان، وقدرة الفن المعاصر على تجديد ذاتيته ضمن لوحات نرى فيها الانعتاق الجمالي بتجريد وواقعية ورومانسية، وشاعرية وميثولوجية، وحتى انطباعية في جزء منها. لأنها استطاعت منح رسوماتها زخراً شعريًا تنوعت فيه الأساليب الفنية التشكيلية.

خصائص فنية تجريدية تفوح منها الألوان الجلانية، كما تنعتق فيها الألوان الداكنة حيث تحتفظ بالحرارة والبرودة، والتحاور والتجاور، والقدرة على بناء إيقاعات نغمية خاصة لكل لون إشراقي حيث الاستقراء البصري المتوج بالحركة الفسيولوجية، والبيولوجية، والفيزيائية في لوحاتها ذات الدوائر الصغيرة أو بالأحرى الخلايا الفيروسية الحركية القادرة على خلق تضاد بصري انعكاسي جمالي من حيث البنية، والفراغ، والظل، وحتى الشكل الإبداعي الذي يعتمد على عناصر وموتيفات توأمتها بديناميكية تشكيلية لا تخلو من دهشة بصرية تستفز بها حواس المتلقي.

أفكار إبداعية ذات تصويرات تنوعت حياتيًا، كما حملت المواضيع الفنية المختلفة والأساليب الهندسية، والرياضية، والتجريدية، والتعبيرية، وما إلى ذلك مع التأثيرات العميقة التي تتركها في نفس المتلقي من أحاسيس متنوعة، كما تنوعت الألوان الربيعية في غالبها رغم ترابية بعض اللوحات باللون الأسود الطاغي على التفاصيل والعناصر، والموتيفات مع جمالية الحروف الصينية، وأشكالها المثيرة للبصر، فموسيقية الحروف تداخلت وترابطت مع نسيج أغلب اللوحات الإبداعية ذات الرؤية الفنية التشكيلية النابعة من مسارات الخطوط وأهميتها.

غزارة في الألوان والعناصر والتفاصيل والحركة المبهرة للنفس الناتجة عن توازن القياسات بين المساحة، والأشكال، والفراغات، والظل، والعتمة، والضوء، وتوزيعات الألوان الداكنة والفاتحة، وما إلى ذلك من موتيفات منسجمة مع الرؤية والفكرة والإخراج الفني للوحة.

تعالج "برندا لوي" الأساليب الكلاسيكية بفن معاصر انسجم مع التراث الصيني، ونظرته إلى الجمال كلون الزهر، والشمس، والأرض، والإنسان، والفكر الملتزم جمالياً بالشكل الرياضي والمرونة البصرية الملموسة حسياً في لوحاتها النابضة بالحياة وبمعايير لونية ذات تدرجات متوازنة في تضادها وتناقضاتها من حيث درجة كل لون حدته خفوته وشدته ليبدو كنغمة طبيعة بكر تصدر من كائنات امتزجت في لوحة واحدة.

ولدت برندا لوي في مقاطعة قوانغدونغ في الصين عام 1953، ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1972 لمتابعة تعليمها. تفرغت للفن فدرست الرسم والنحت بشكل مكثف مع أساتذة أوليفر جاكسون، ويليام آلن، وروجر فيل، وجيرالد والبرغ. حقق عملها في الدراسات العليا في جامعة ولاية كاليفورنيا ساكرامنتو (CSUS) لها جائزة زمالة روبنسون وجائزة التطوير الأكاديمي للطالب. تخرجت لوي من CSUS مع درجة الماجستير في الآداب في التصوير والرسم في عام 1991.

في نفس العام، وذلك بسبب أدائها الاستثنائي في الفنون البصرية، حصلت على جائزة موندافي روبرت جوردن وهامبتون. درست الفن أيضًا في معهد الفنون في سان فرانسيسكو، وجامعة كاليفورنيا في ديفيز، وجامعة ستانفورد. مارست تدريس الرسم في جامعة ولاية كاليفورنيا، ساكرامنتو. وقالت: "... فرحة التدريس، والرغبة في التعلم، والحب المعيشة هي القوى الدافعة الرئيسية الثلاثة التي تلهم فني." قدمت محاضرات عامة حول مواضيع مثل "كيف التأثيرات الكتابة الصينية تؤثر في فني" و"النص كما يستخدم لفن المعاصر - نموذج والمحتوى" في كل من الصين والولايات المتحدة. تلقت لوي العديد من الجوائز وشهادات التقدير من المتاحف والمعارض والمجتمعات الفنية في جميع أنحاء الولايات المتحدة. تلقت جائزة المحلف المرموقة من المنافسة كروكر-كينغسلي السنوي للفنون في متحف كروكر للفنون في كل من عامي 1988 و1991.

الإيقاع البصري هو مفهوم يتجاوز مجرد توزيع الأشكال والألوان في العمل الفني؛ إنه يتعلق بتوجيه نظر المتلقي وإيصال مشاعر معينة عبر الحركة والتنقل بين عناصر اللوحة. في أعمال "برندا لوي"، يمكن ملاحظة كيف تتفاعل الألوان مع الأشكال، وكيف تخلق التكرارات في الخطوط والألوان إيقاعًا يتناغم مع المحتوى العاطفي للقطعة.

عندما يتفاعل المتلقي مع اللوحات، يبدأ في استكشاف مشاعره الداخلية. الألوان المتباينة، مثل الألوان الداكنة والفاتحة، تثير مشاعر متناقضة؛ فالألوان الداكنة قد ترتبط بالعمق والتأمل، بينما الألوان الفاتحة تعبر عن الفرح والحيوية. هذه الديناميكية تتيح للمتلقي فرصة الدخول إلى حالة من التأمل الذاتي، حيث تتجلى مشاعره من خلال التفاعل مع الأشكال والظلال.

تتسم أعمال "برندا لوي" بتوازن فني يجمع بين الجمال والتعقيد. استخدام الخطوط العضوية والمستقيمات يخلق تناقضًا بصريًا يجذب العين ويدفعها للتجول في اللوحة. الألوان المتناغمة تعزز من إحساس التناغم، بينما التباين في الأشكال يضيف عمقًا إلى التجربة البصرية. في هذا السياق، يمكن اعتبار كل لوحة كقصيدة بصرية تتحدث بلغة الألوان والأشكال، معبرة عن مشاعر وعواطف فنية معقدة.

من منظور تعبيري، يمكن القول إن الفنانة تنقل تجربة إنسانية عميقة من خلال أسلوبها الفني. تمثل الأشكال المختلفة، سواء كانت دائرية أو هندسية، تجارب حياتية متنوعة، وقد تعكس صراعات نفسية أو حالات من الفرح والسلام. هذه الأبعاد الموضوعية تجعل الأعمال الفنية ليس فقط تمثيلاً للواقع، بل تعبيرًا عن تجارب إنسانية شاملة.

في النهاية، يشكل إيقاع "برندا لوي" البصري مزيجًا غنيًا من التعبير النفسي والفني، مما يعكس القدرة على نقل مشاعر إنسانية عميقة. إن التفاعل بين الألوان والأشكال، والتنوع في الاستخدام، يخلق تجربة بصرية فريدة تجعل كل لوحة دعوة للتأمل والاستكشاف الذاتي، محققة بذلك توازنًا بين الجمال والمضمون العاطفي.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

المقال هذا تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء لهذا يوجد مقال عن أعمالها في الموقع هذا بعد عدة اعوام نشرته ايضا في جريدة اللواء لبنان