الفنان التشكيلي برهان حسون في حوار خاص :" حالة ربما تصدم المشاهد وتثير لديه متعة الاكتشاف"
حاورته : ضحى عبدالرؤوف المل
يستمتع الفنان "برهان حسون" بفوضوية خلاقة يبثها في مساحات تتسع لضيق الكتل اللونية التي يتركها سابحة في فراغ انعكاسي، يفتح فضاءاته المرنة لتخيلات ينتج عنها رؤى سالبة وموجبة، توحي بالحضارات الإنسانية أو بالأحرى بالمشاعر الإنسانية المتناقضة فيما بينها. إلا أن الأشكال الرياضية اللونية المتماسكة مع الخطوط والعناصر الأخرى، من مفردات بصرية وموتيفات فنية، هي جزء من حرية اللوحة المتزنة بجمالية الأشكال وانسجامها مع الضوء المنبعث من فواتح الألوان، ومن سطوع شحنة بتوهجات شاعرية توحي بالعمق الإنساني للوجود الموضوعي، حيث اختلاف الأجناس البشرية المشابهة للألوان البانورامية ذات المحاكاة البصرية والجدلية الكامنة في الخطوط المتعرجة التي يتركها بوعي عاطفة ترسم الاتجاهات الحياتية التي يسبكها برمزية لونية مع الأبعاد الزمكانية الغامضة والموحية بوجود إنساني. من معرضه في بيروت، لبنان، كان هذا الحوار مع الفنان التشكيلي العراقي برهان حسون.
- جذبني المربع الأسود مع النقطة الحمراء أو بالأحرى العين الواحدة؟ هل هذه قصدية المعنى التي تخاطب بها المتلقي؟
أنا ابتعد عن القصدية في النص التشكيلي، خاصة وأن تجربتي تقع في منطقة التجريد الخالص الذي يخاطب وعي وذائقة المتلقي بلغة عالمية. ولست معنيًا بالانشغال بتقديم شروحات أو معانٍ جاهزة أو مشفرة لأعمالي.
- ما بين الماضي والحاضر، استوقفتني الأشكال المنظمة بكل موازينها الفنية. هل اختزلت المفاهيم الزمنية في هذه اللوحات ذات النظم التجريدية؟
أني أركب عملي الفني من شحنات وانفعالات وعفويات بحرية تامة، وأتوسم أن يقوم المشاهد بتفكيك العمل واكتشافه بنفسه. وهنا تكمن المتعة والذائقية العالية للفن. عمومًا، أميل إلى تفكيك الأشكال المنتظمة والمتناظرة وإذابة حدود التكوينات المتجاورة. إنه الاختزال، وهو جوهر التجريد إن لم نقل مسمى آخر له. فالاختزالية العالية هي سر قوة ودليل تفوق للعمل التجريدي. فكلما قلت مفردات التعبير التجريدي لدى الفنان، كلما صعبت مهمته وتميزت أعماله، أو هكذا أرى بتواضع شديد.
- تضيق المساحات في لوحاتك غالبًا لتترك للفراغ أمكنته الخاصة، لماذا؟
ربما يظهر الفراغ في بعض أعمالي. إلا أني أشعر دائمًا أنها بحاجة إلى فراغات أوسع، لأن للفراغ وظيفته المهمة في العمل الفني. فهو حاضنة تتفاعل مع الشكل، كما أنه فسحة تنفس للمنجز الفني، وكذلك فإنه يزهد في بصر وبصيرة المتلقي ليوجهها إلى مفردات اللوحة وتكويناتها المملوءة بالأسرار.
- في الأعمال التجريدية لانهائية، حيث الفضاءات التخيلية تمتد مع اللون، هل حاولت التخفيف من ذلك في معرضك؟
لعل أجمل ما في التجريد هي تلك اللانهائيات والأجواء التخيلية وتلك التكوينات والمفردات السائبة الموحية بالأسرار والاكتشافات. أقول إن إطلاق المخيلة للتعبير دون قيود هو ما يجمع الكثير مما تبدو متناقضات أو متضادات. هذه حقًا حالة ربما تصدم المشاهد وتثير لديه متعة الاكتشاف.
- من هو الفنان برهان حسون، ولماذا المدرسة التجريدية بشكل خاص؟
أنا إنسان يجاهد للحفاظ على إنسانيته، وربما هو ديدن كل فنان وأديب مخلص يجد في الإبداع موقفًا وليس صنعة، ورسالةً وليس حرفة. انحياز دائم وواعٍ إلى قيم الحب والخير والجمال. أنا بتواضع أرسم وأكتب الشعر بعفوية وصدق، وأتنفس بما أقدمه للمتلقي. الفن رئتي والطب مهنتي. لا أبغي الكثير، ولكن يسعدني أن أقدم ما أجده جميلاً للآخرين. أما التجريد، فهو بمثابة المثابة التشكيلية التي وجدت نفسي فيها، ووجدتها فناً يرتقي ليتكلم بكل اللغات.
- ما بين القديم والجديد، ما هو الجامع المشترك في أعمالك الفنية؟
تشترك أعمالي عمومًا بنفس تتمرد ونزوع طاغي للحرية، ورغبة عارمة وربما طاغية لتجاوز الحدود التقليدية. وهناك من يهمس لي بأنها تحمل معانٍ تصوفية أو معنى الثورة أو الفضيلة المكبوتة، وتفسيرات وصفات مشتركة أخرى ليست بعيدة عن هذه الطروحات.
- فوضوية وتنظيم ورؤية سيمائية، مفاهيم تتوافق وتتعارض مع التشكيل، كيف جمعت بينهم؟
نعم، قد تجتمع السيمائية والفوضوية، وربما المفردات التي تميل إلى الانتظام وتخضع لمعايير حسابية أو هندسية لتكون مجموعة تناقضات أو تنافرات أو مضادات. ولكن، أليس الإنسان هو مجموعة تناقضات؟ وأنا أسعى الولوج إلى دواخله من نافذة افتراضية، لاسجل انفعالاته وأجد فيها نوعًا من (جماليات الفوضى)، وهو ما أطلق على أعمالي.
- أي الألوان تختار أولاً عند أي عمل فني تبدأ به؟
غالبًا ما أبدأ باللون الرمادي الفاتح.
- هل من أشكال محددة تجذب الفنان برهان حسون حول الرسم؟
لا أميل إلى شكل محدد، وإنما تجريدات غير منتظمة تأخذ أي شكل، قد يكون مربعًا أو مثلثًا مشوهًا.
- ماذا تقول للبنان بشكل عام، وماذا تهدي بيروت؟
تربطني بلبنان وشيجة حب ومصدر إلهام... البحر، الجبل، الضيعة، فيروز، الشعر، الفن. إنه رئة العرب. وبيروت، أشعرها مدينتي الحميمة، صبية بحرية العيون. قلت فيها شعرًا:
"الحب في بيروت أجمل
والموت في بيروت أجمل
للملح في بيروت طعم العسل".
عند تحليل عمل الفنان برهان حسون، يمكننا ملاحظة وجود إيقاع بصري واضح يتجلى في استخدامه للألوان، الأشكال، والتكوينات. يُظهر حسون قدرة فريدة على دمج الفوضى مع التنظيم، مما يخلق تباينًا بصريًا يدعو المشاهد إلى استكشاف اللوحة بعمق. إذ تساهم الأشكال الهندسية المختلفة في خلق إحساس بالإيقاع، حيث تتكرر بعض الأشكال بشكل يعزز حركة العين ويجذب الانتباه. إن استخدام الألوان المتناقضة والمكملة يخلق تناغمًا بصريًا، حيث تؤثر الألوان على المشاعر وتوجهها نحو تفسيرات متعددة. إن الإيقاع البصري في أعمال برهان حسون ليس مجرد عنصر جمالي، بل يحمل دلالات نفسية تعكس حالته الداخلية وتجربته كفنان.
إن استخدام الألوان والأشكال المتناقضة يُعبّر عن الصراع الداخلي والتناقضات الإنسانية، مما يتيح للمشاهد فرصة للتأمل في تجارب شخصية خاصة. الفراغ في لوحاته ليس غائبًا، بل عنصرًا مهمًا يساهم في خلق تجربة بصرية مريحة، تسمح للمشاهد بالتفكير والتفاعل مع العمل الفني. تتجاوز أعمال حسون الأشكال الجمالية التقليدية لتدخل في عالم التعبير العميق عن الوجود الإنساني. يظهر حسون انتماءً قويًا لثقافته من خلال رموز بصرية تعكس الحضارات الإنسانية، مما يمنح العمل عمقًا فلسفيًا. الإيقاع البصري يعكس تفاعل الفنان مع العالم من حوله، حيث يسعى لنقل مشاعر تتعلق بالحب، الفقد، والبحث عن المعنى. إن الإيقاع البصري في أعمال برهان حسون ليس مجرد عنصر جمالي، بل هو وسيلة تعبيرية تعكس مشاعر معقدة وتجارب إنسانية عميقة. من خلال تفاعل الأشكال والألوان، يتمكن حسون من خلق تجربة فنية مميزة تجذب المشاهد وتدعوه لاستكشاف أعماق العمل الفني. يتجاوز الإيقاع البصري الشكل ليصبح رسالة إنسانية تتحدث عن الوجود، الهوية، والتجربة الحياتية.
تتداخل الألوان والأشكال لتشكل تجارب إنسانية غنية، يقف الفنان برهان حسون كواحد من الفنانين المتمسكين بفلسفة التجريد بأسلوبه الفريد. من قلب بيروت، تلك المدينة التي تشكل مزيجًا حيًا من الثقافات والتاريخ، ينطلق حسون برؤية فنية متفردة تعكس صراعات الروح البشرية وجماليات الوجود. في هذا الحوار الخاص، نغوص في أعماق تجربته الفنية، نستكشف أفكاره حول التجريد، وكيف تعكس أعماله حكايات الإنسانية المتنوعة. دعونا نبدأ رحلةً مع برهان حسون، لنفكك ألغاز لوحاته ونستشعر إيقاع عواطفه التي تجسدها فرشاته.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com