مخيلة تجريدية توحي بالمفاهيم الإنسانية...

ضحى عبدالرؤوف المل

تتشكل الرؤية الفنية في أعمال الفنان "برهان حسون" برهافة حسية، تحقق جمالية تكوينية ذات تحولات منطقية تستمر فيها الحركة البصرية وفق تغيرات ضوئية ناتجة عن المعايير اللونية المتأرجحة بين الخفوت والشدة، المرتبطة بالتشابه، والتماثل، والتناظر، وخواص الكتلة اللونية وبانوراميتها الديناميكية من حيث الحجم واتساع المساحة، والتكوينات الجزئية لكل لون ذي خاصية صياغية ذات مخيلة تجريدية توحي بالمفاهيم الإنسانية، وبالصراعات الحياتية بكل أنواعها من طبيعة تتميز بدلالة تناقضية تستند على حيادية يمنحها الوعي المفاجئ، كالمربع الأسود ذي النقطة الحمراء أو الكتلة الدائرية الحمراء التي تحاكي حرارة الألوان الباردة التي تحيط باللوحة.

غموض تجريدي يستند على اتساق اللون وتضاده، فالدلالات الحركية في الألوان الباردة والحارة تلعب دورها السلبي والإيجابي في إظهار الانعكاس الواقعي. لكتل لونية تجريدية تتماسك ضمن مربع أو مستطيل يتفكك بصريًا مع الألوان المتداخلة والمتنافرة مع بعضها البعض، ليرمز إلى الوجود الإنساني ضمن طبيعة الألوان التي منحها شتى أنواع المسارات الضوئية، والدمج البانورامي النابض بموسيقى اللون داخل بنية اللوحة وتشكيلاتها الديناميكية المتلاحمة مع الإنسان والطبيعة، والتفاعل البصري النابع من المؤثرات الجوهرية. لكل شكل تجريدي إيحائي ممتلئ بالاستقلالية الرؤيوية، وبطابع سيمائي ترميذي يشير في قسم منه إلى الألوان التراثية العراقية، وحراراتها التراثية التي تجمع الماضي والحاضر أو الأسطورة والواقع في قلب تجريدي يتميز بأسلوب اختزالي مبسط ممسك بتأملات المتلقي.

تشكيلات لا نهائية تندمج مع المعنى، وتمنحه بدايات بصرية يلتقطها المتلقي بجمالية حسية مثقلة بتصورات تخيلية ناتجة عن تجريديات كل لون من حيث المزج المتوافق مع الخربشات العشوائية الأكثر عاطفة من الوعي العقلاني المرتبط باللون الأسود، ونوعًا ما باللون الأبيض الباعث إلى موسيقى بصرية خاصة ذات تطورات حركية تمسك بالأسود، وتنتقل برماديتها الحيادية نحو الأحمر مع توشيحات نسجها في أشكال رياضية، وبؤرة دائرية تمتص الألوان من الأزرق، والأبيض، والأصفر توحي بالتغيرات الإنسانية العاصفة بحضارات جمعها في لوحة إيحائية شبحية المضمون، والشكل الإنساني المخفي بمربع أسود، ونقطة حمراء أو العين الغاضية المحسوسة ضمن كتلة دراماتيكية ذات جمالية تتوافق مع تصوراتها الحسية، وألوانها التعبيرية ذات التجريد المحفز للمخيلة.

ما بين عوالم الفنان "برهان حسون" العقلانية وخربشاته العاطفية، بنية تصاعدية ملموسة حسيًا من حيث تراكم الألوان، والخطوط، ومن حيث شفافية الضوء ونسبة الظل، ونمطية العلاقات بين الأشكال اللونية ككل، واللون المستقل بكل مقاييسه الطولية المتعاظمة أحيانًا بوصفها تشكل عنصرًا مبهما، يتركه الفنان "برهان حسون" كعلامة استفهام تعصف بذهن المتلقي، وتثير في نفسه التساؤلات الجوهرية عن أهمية اللون في التشكيلات المحيطة بالفراغ النسبي الملتصق بمفهوم كل لون ارتبط بالضوء أو تناقض معه. فما بين الشكل والمضمون مساحة إيحائية ذات وحدة داخلية مجموعة بصورة تجريدية تحررت من قيود الفن التشكيلي ومقاييسه، والتزمت بالرؤية المتناسقة والمنسجمة مع إيقاعات الضوء والفراغ المتصف بطبيعة هندسية فطرية تنتج عن الرؤية الجمالية، وتشكيلاتها المطلقة الخاضعة لمقياس ريشة تتوازن في حركتها الطويلة والقصيرة وفي خربشاتها الرفيعة حتى بخطوطها المتعرجة.

فوضوية نظمها ضمن مسارات اختلفت فيها ثنائية اللوحات بين عقلانية وعاطفة سردية تنتمي بتمرد على الأشكال التقليدية أو الحياة البسيطة المستسلمة لمشيئة الخط واتجاهاته. فالتقنية اللونية حملت هدوءًا بصريًا يضج بالمعاني الجمالية والفوضوية في آن. إلا أنه ترك للتجريد تعبيراته الخاصة من حيث انسياب المربع أو المستطيل أو تكسرات الخطوط، وتعرجاتها القصيرة والطويلة ليحافظ على الرؤية الجمالية أو الخطاب البصري المتحاور مع اللون، والمتجاور مع كل ثنايا اللوحة اللونية والنفسية حيث الإيحاءات المبهمة تميل نحو مخيلة تجمع المفردات والعناصر وتعيد تشكيل الموتيفات بصريًا. لتتكون بازدواجية حسية التصويرات التي غمرها بغموضه الفوضوي التجريدي المحلق في فضاءات فراغية لا نهائية تظهر من خلالها المشاعر الفنية بجمالية تحافظ على المعاني الإنسانية الخالية من الصراعات، وكأنه ينظر بعين الريشة من نافذة اللون نحو الحياة ومتناقضاتها المبهمة بالأسود، والأبيض، والأحمر، والأزرق، والرمادي المركب بتدرجات متفاوتة تميل نحو الفواتح، والشفافية في الأسلوب والانفعالات الموسيقية المنسجمة مع الخربشات الفوضوية المتماسكة، ككتلة واحدة امتزجت مع المساحة.

تنجذب بصريًا وفكريًا نحو لوحات الفنان "برهان حسون" لفك شيفراتها الإيحائية، وقضاياها الإنسانية المزخرفة ضمن تأثيرات البيئة العراقية الصارخة بتوهجات اللون والمضمون التراثي، ولكن بلغة تجريدية لم تلغ تعبيرات كل لون خاص، ومستقل بديناميكية حركية وبضوء متوازن وبفراغات توضيحية ذات زمكانية اتجه بها مع الأبعاد نحو الماضي والحاضر المتمثل بالأشكال الرياضية كالمربع والمستطيل وما إلى ذلك، مما يوحي بأهمية المكان في نفسه حيث العودة إلى التراث، وإلى إنسانية الإنسان والجمال الطفولي العفوي العشوائي أو الفوضوي في بعض منه. لأن العوالم الإنسانية في لوحاته ما هي إلا النوافذ التي يطل منها إلى عالمه التشكيلي المتساوي مع الجمال والحياة.

برؤية أخرى في أعمال برهان حسون، يتجلى الإيقاع البصري من خلال تفاعل الألوان والأشكال بطريقة تُحاكي الحركة والحياة. الألوان المتباينة، مثل الأحمر والأزرق، تتداخل وتنطلق في تشكيلات ديناميكية، مما يُعزز الإحساس بالحركة المستمرة. استخدامه للأشكال الهندسية كالمربعات والدوائر يُضفي عمقًا بصريًا، حيث يتجلى الإيقاع في تكرار الأشكال مع اختلافات دقيقة تُعطي شعورًا بالتناغم والتوتر في آن واحد.

تتناول أعماله موضوعات إنسانية عميقة، تعكس الصراعات الداخلية والتجارب الإنسانية. يظهر من خلال لوحاته كيفية تجسيد مشاعر التناقض بين الهدوء والاضطراب، ويمزج بين العناصر الطبيعية والحياة اليومية. إن الأشكال المتشابكة والألوان المتداخلة تعبر عن الصراع بين الفرد ومحيطه، مما يُعطي العمل بعدًا فلسفيًا عميقًا.

تثير أعمال برهان حسون استجابات نفسية قوية. الألوان الدافئة تُشعر المتلقي بالحماس والتوتر، بينما الألوان الباردة تخلق جوًا من السكون والتأمل. الإيقاع في تشكيلاته يُعزز من تأثير الحالة النفسية على المتلقي، مما يجعله يتفاعل مع العمل بشكل أكثر عمقًا، كأنه جزء من التجربة الإنسانية التي يعكسها. تتقاطع تقنيات برهان حسون بين التجريدي والواقعي، حيث يُدمج بين الطراز التقليدي والحديث. يستخدم تقنيات متنوعة مثل الكولاج والرسم، مما يُثري العمل بتجارب بصرية متعددة. أسلوبه الفريد في استخدام الخطوط والألوان يُعطي عمقًا إضافيًا للأعمال، ويُبرز تباين العناصر بشكل يجعلها نابضة بالحياة. تتمتع أعماله بجمالية تعكس تعقيدات الحياة، حيث يتجاوز الجمال فيها التناسق البصري إلى تجسيد التجارب الإنسانية. تتداخل الألوان لتخلق تناغمًا بصريًا ينعكس في حالة فنية قوية، مما يُتيح للمتلقي استكشاف جماليات جديدة من خلال تفاعله مع العمل. تعكس الأعمال التعبيرية لبرهان حسون مشاعر الفنان وأفكاره. يُعبر من خلال الألوان القوية والأشكال الديناميكية عن تجارب شخصية وعامة، مما يمنح المتلقي فرصة للتفاعل مع العمل على مستوى عاطفي عميق. التعبير عن الصراع الإنساني والمشاعر الداخلية يُعطي أعماله بعدًا إنسانيًا واضحًا.

تُظهر أعمال برهان حسون تفاعلًا غنيًا بين الإيقاع البصري والمشاعر الإنسانية. من خلال دمج الألوان والأشكال بطريقة تعكس الحركة والصراع، يُقدم تجربة فنية متعددة الأبعاد تستدعي التأمل والتفكير. إن فنه ليس مجرد تمثيل بصري، بل هو رحلة داخل النفس الإنسانية، مُعبرة عن التوتر والتعقيد الذي يعيشه الأفراد في سياقاتهم المختلفة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com