مؤثرات القضية الفلسطينية وتأثيرها على فن البوستر الفلسطيني
ضحى عبدالرؤوف المل
يراعي الفنان "أديب خليل" إبراز الهوية الفلسطينية في بوستراته الفنية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، والممتلئة بالرموز المضمونية الغنية بالمعاني النضالية، وبألوان مباشرة ومؤثرة بصريًا على الأبعاد الذهنية من حيث فنية تصميم البوستر، وجمالية رؤيته المباشرة التي يطرح من خلالها المواضيع المحورية التي ينادي بها الفنان "أديب خليل". هذه البوسترات تؤكد على هدف القضية الفلسطينية، والذي يحمله الفنان "أديب خليل" من خلال الأشكال والألوان والتصويرات المتوازنة بمضمونها وأسلوبها والرمزية، كما في بوستر "صبرا وشاتيلا" والخلفية المصبوغة بلون أزرق بارد شفاف مزدان بلون سلاح أسود، وكلمتي "صبرا وشاتيلا" باللون الأحمر الذي يسيل، كأنه دماء الشهداء. فالتعبيرات الرمزية في البوستر هادئة بصريًا، وصاخبة المعنى بل ومؤثرة ذهنيًا على المتلقي، حيث يعتمد على رمزيات ذات أبعاد مضمونية وتصويرية تعتمد على عناصر فنية مختزلة جدًا بالقياس إلى الفن التشكيلي.
تخوض بوسترات الفنان "أديب خليل" قضايا متنوعة ذات معنى مكلل بالسخرية المصقولة برؤية حقيقية لمفهوم النضال بكل قضاياه: فلسطين، العدل، الخير، السلام، المرأة، الطفل، الشهيد، وما إلى ذلك من مواضيع ملموسة في مجمل بوستراته. كالمظلة البيضاء لحمامة سلام أمريكية تحمل القتل والدمار، والتشرذم الاجتماعي الناتج عن حمامة السلام الأمريكية. فاللون الأبيض الهادئ يحمل الصاروخ الصامت بصريًا، والذاخر بمعنى القتل والموت. وهذا ما أراد إظهاره الفنان "أديب خليل": السلام المبطن أو ما تقوله أمريكا غير الفعل الذي تظهره في أدواتها القاتلة أو طائرات الصهاينة ذات الصوت الهادر إعلاميًا، حيث رسم الميكروفون لطائرة مدمرة برمزية معنوية منح فيها قوة الصوت الإعلامي لطائرة صهيونية هدرت إعلاميًا بينما هي مدمرة. في حين منح الكوفية صورة شمعة تحترق تضئ خارطة فلسطين التي تعكس الشمس إشراقتها في بوستر ذي عناصر فنية مختزلة: كوفية، خارطة، شمس، مقابل ألوان أصفر، أحمر، والأبيض المخطط بالأسود لكوفية ذات جذور متشابكة، والأحمر الذي يسيل مع شمعة تذوب وتضيء في انعكاس مع إشراقة الشمس.
معاني زاخرة تخدم كلها القضايا الإنسانية بشكل عام، وبصرخة بصرية قاضية تتمثل في إبراز الرموز الذهنية ومنحها أهمية تحاكي الرأي العام بجمالية فنية هادئة تحملها بلون وشكل ومعنى توثيقي للقضايا الساخنة ذات الشكل المختزل والمطروح بصريًا في صورة تحاكي الحواس، والوجدان، والعقل من خلال اختصارات فنية رمزية وتعبيرية، كقبضة اليد بالخطوط السوداء العريضة، واللون الزهري المركب التي قسمت الدبابة الصهيونية السوداء إلى فتافيت، كأنها تفجرت من ضربة يد قاضية. فالصورة جامحة بمشاعرها وبافتتان البصر بالمعنى المبسط المتسرب إلى الذهن بانسياب هادئ. فهو يستطيع إيصال الفكرة ببساطة إيحائية تنبعث من الشكل وأبعاده الفكرية، وعناصره الجرافيكية التقنية المنسجمة مع البانوراما السياسية أو الاجتماعية التي يطرحها الفنان "أديب خليل" من خلال بوستر فني جمالي يخدم الفكرة الوطنية الأساسية والقضية الإنسانية بشكل عام.
نلمس في أعمال الفنان "أديب خليل" مؤثرات القضية الفلسطينية، وتأثيرها على فن البوستر الفلسطيني بشكل خاص. فالمساحات التصميمية مُدّت بخلفيات تتناسب مع الموضوع الذي يطرحه، لما تحمله الألوان من معاني مختلفة تتناسق مع الشكل والحجم، ليجذب البصر بشكل مباشر نحو المعنى، كملصق يوم المرأة وما تمثله من رؤية جاذبة وإيقاع لوني رصين مريح للعين التي تتابع الصورة بكل تفاصيلها التصويرية ورموزها المعنوية المنسجمة مع ما تتطلبه القضية الفلسطينية لمواجهة الإعلام البصري بخطاب فني ذي جمالية متسعة الرؤية. والإشارات كالطائرات الورقية مع الخطوات على العلم الإسرائيلي المتماوج والمقسوم إلى نصفين، فالمعنى اندمج مع الأسلوب والخطاب البصري الهادف إلى ترك أثر فني لا يقل أهمية عن الكلمة أو أي وسيلة أخرى تحقق من خلالها القضية الفلسطينية خطوات تقود الفلسطيني نحو طريق التحرير.
برؤية أخرى عند النظر إلى أعمال الفنان "أديب خليل"، يمكننا استشفاف العديد من الجوانب المعبرة عن الهوية الفلسطينية، حيث تتداخل الجوانب النفسية والفنية لتخلق إيقاعًا بصريًا متنوعًا ومؤثرًا.
تدور موضوعات أعمال "أديب خليل" حول القضية الفلسطينية، حيث يتم تناولها من زوايا متعددة، مثل النضال، السلام، والشهداء. تكشف الرموز المستخدمة في بوستراته عن عمق التجربة الإنسانية والمعاناة المرتبطة بالصراع، مما يجعلها قريبة من قلوب المتلقين. الإشارة إلى "صبرا وشاتيلا" أو استخدام رموز السلام بطريقة ساخرة تعكس تناقضات الواقع وتطرح تساؤلات حول مفهوم السلام نفسه.
تستخدم الألوان والخطوط في أعماله لإحداث تأثير نفسي قوي. الألوان الحادة مثل الأحمر والأسود تثير مشاعر الألم والفقد، بينما الألوان الهادئة مثل الأزرق تخلق إحساسًا بالتفكير والتأمل. يتفاعل المتلقي مع هذه العناصر، حيث يشعر بالألم، الأمل، والسخرية في آن واحد. هذه التجارب تعكس الارتباط العميق بين الفنان وموضوعاته.
تتميز أعمال "أديب خليل" بتقنيات تصميمية متقنة وأسلوب مبتكر. توازن الأشكال والألوان يعطي انطباعًا بالانسجام، بينما تعكس الاختزالات الفنية عمق الفكر والرمزية. إيقاع الصورة يتأرجح بين الهدوء والصخب، مما يخلق حالة من التوتر الجمالي التي تشد الانتباه وتدفع المتلقي للتفاعل مع العمل.
يمكننا ملاحظة كيف ينسجم الإيقاع البصري في الأعمال مع الرسالة التي يسعى الفنان لتوصيلها. فكل عنصر، سواء كان خطًا أو لونًا، يسهم في بناء حالة تعبيرية متكاملة. مثلاً، استخدام الكوفية بشكل رمزي كشمعة مضيئة يعكس إبداعًا في التعبير عن الهوية الوطنية والتاريخ. الإيقاع الذي تنتجه هذه العناصر يتناغم ليشكل سردًا بصريًا يتفاعل مع الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني.
في نهاية المطاف، تخلق أعمال "أديب خليل" تجربة شاملة تجعل المتلقي يتفكر في معاني أعمق تتجاوز الصورة الظاهرة. هو ليس مجرد عرض فني، بل هو دعوة للتأمل في القضايا الإنسانية والنضالية التي تشغل العالم. بفضل الجمالية التعبيرية والإيقاع البصري، يصبح العمل الفني أداة للتغيير والتأثير.
يمثل عمل "أديب خليل" تجسيدًا للإبداع الفني الذي يتجاوز الأبعاد الجمالية ليصل إلى العمق النفسي والتعبيري. كل بوستر يحمل في طياته رسالة قوية، ويعكس رحلة الوجع والأمل الفلسطيني، مما يجعله جزءًا أساسيًا من التعبير الفني في زمن المعاناة.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com