زواج ليوم واحد في الفيلم الإيراني (Temporary)
ضحى عبدالرؤوف المل
تلعب المثل الدينية دورًا رئيسيًا في الفيلم الإيراني المشارك في مهرجان طرابلس 2014، حيث تؤدي زهرة دور المرأة المغلوب على أمرها اجتماعيًا، والتي تعاني من الحاجة المادية والفقر الاجتماعي المؤدي إلى الحزن الحياتي المرتبط بكيفية تربية ابنتها الوحيدة، التي تعجز عن تلبية احتياجاتها اليومية. فالمخرج "بهزاد آزادي" (Behzad Azadi) توحد مع البنى الإخراجية لرؤية الفيلم التراجيدي، ومدته 15 دقيقة، التي كانت بمثابة لمحة على مشهد يتكرر حياتيًا في أكثر من زاوية واقعية، ليقول للمتلقي: "إلى أي مدى يمكن أن تذهب أم عزباء لتتمكن من تأمين العيش لنفسها ولطفلها الوحيد؟" زهرة، أرملة مع ابنتها الوحيدة، استسلمت لزواج ليوم واحد بناءً على عرض أحد جيرانها، من أجل أن تتمكن من تأمين عيشها وعيش طفلتها الوحيدة. فهل الزواج ليوم واحد هو السبيل لهذا؟ أم هو مبرر لحالة اجتماعية تحاول الخروج منها بأسهل الطرق، مما يجعلها مقيدة ليوم واحد فقط كي تعود بعدها لابنتها وتلاعبها بكل عواطف الأم ومحبتها؟
يطرح الفيلم موضوعات اجتماعية ذات أهمية للمرأة تحديدًا. فنقطة البداية هي نفسها نقطة النهاية، وربما في هذا بعض التخفيف من كاهل الفقر، ولكن بقالب اجتماعي مقبول يعالجه المخرج "بهزاد آزادي" بمشاهد اختزالية تؤدي دورها في إبراز المضمون بلمحات مرئية، استطاعت فيها زهرة إظهار المشاعر العاطفية والأمنيات المكبوتة، خصوصًا حين وقفت أمام الواجهات الزجاجية التي تلفت انتباه أي امرأة تتمنى أن تتزين، وتبدو بأجمل طلة، خصوصًا في يوم زفاف غامض يبدأ وينتهي بزمن محدد، وكأنه مرحلة عابرة لإشباع عاطفي واجتماعي من نوع آخر، ولفك أزمة مالية تتعرض لها امرأة تحافظ على مرآتها الاجتماعية بقالب مقبول، وهو زواج لمدة محدودة. وربما هذا أقنع المتلقي بهذا النوع من الزواج، رغم سلبياته غير المرئية، والتي أظهرها في المشهد الأخير حين لاعبت زهرة طفلها بالماء، وكان كأنه التعويض النفسي لها الذي يجعلها متفائلة لتستمر في الحياة، ولو أنها لجأت لزواج غير مكتمل ولكن بقالب ديني معين.
مشاهد تصويرية التقطت فيها تفاصيل الحياة اليومية في منزل تحسسته عين العدسة، لتتسرب المعاني التصويرية لعين المشاهد، ويدرك بؤس الحالة الاجتماعية التي تعيش فيها هذه المرأة في منزلها الشبيه بالعشوائيات، مع الموسيقى التصويرية التي تحاكي المشهد بإيقاعات حسية تؤثر على التفاعلات العاطفية التي ينشدها المخرج. لتؤثر على المتلقي بمختلف عناصرها، فالاختزال البصري الذي حبكه "بهزاد آزادي" أثار حواس المتلقي، واستفزه بدهشة إخراجية استطاع من خلالها المخرج بث المفاهيم العامة عن زواج المتعة وتأثيراته الاجتماعية والنفسية على المرأة والطفل، ولم يظهره على الرجل، إلا بلقطات سريعة ظهرت فيها الأساليب الرسمية لإعدادات هذا الزواج، وفي هذا نكوص دراماتيكي للرجل في المشاهد الغنية بالعاطفة، والمؤثرات البصرية والموسيقية، ولقطات الكاميرا المتوازنة حسّيًا مع النص البصري المراد إيصال مفاهيمه للمتلقي.
نجح المخرج "بهزاد آزادي" في حبك فيلمه القصير بمدة جمع فيها المشاهد الجمالية الملتقطة من الحياة العامة، وبمشاهد خارجية استطاع من خلالها المصور فتح عدسته على المحيط البيئي المتنوع في الأحياء والشوارع والعادات والتقاليد، والحيثيات التي تختلف في انطباعاتها بين متلقٍ وآخر من حيث البناء الدرامي، وبانورامية الحركة المرئية سينمائيًا ليمسك بالمتلقي مدة ربع ساعة، ويمنحه مضامين تتعرض للنقد بشكل دائم ومستمر، ألا وهي زواج المتعة وما يترتب عليه من تأثيرات سلبية وإيجابية. فهل استطاع المخرج أن ينجح في ذلك؟ أم أنه ترك بغموض تأثيرات ذلك على الرجل في فيلمه (Temporary)؟
استطاع المخرج "بهزاد آزادي" تسخير أدواته السينمائية لخدمة النص البصري، لتتكامل المفاهيم السينمائية بكامل عناصرها من تصوير وموسيقى وضوء ومشاهد داخلية وخارجية، وما إلى ذلك من مونتاج وسواه. إلا أن النص البصري لهذا الفيلم افتقد وجود الرجل الحسي، بمعنى: ما هي تأثيرات هذا الزواج على الرجل اجتماعيًا ونفسيًا، خصوصًا أنه هو من أنفق على هذا الزواج المؤقت وهو من دفع المبلغ المالي. فالفيلم القصير هو معالجة دراماتيكية لنص مرئي مفتوح على عدة تأويلات سينمائية تطرح المواضيع بجرأة فنية وبحبكة حركية مكتملة، ليستمتع المتلقي بالمشاهدة الهادفة وبث الأفكار وطرحها بفنية أمام الرأي العام.
رؤية درامية إيرانية تعاطفت مع المرأة بشكل عام، لخدمة الطفل وبناء المجتمع ضمن معايير دينية محددة، ومشهدية حملت في طياتها سيناريو بصري مرن استطاعت زهرة بتعابيرها الأدائية أن تؤثر عاطفيًا على المشاهد من حيث عفويتها، والتأثيرات المرسومة على وجهها وحركتها وتأملاتها ونظراتها، وحتى طموحها في تحقيق خدمة ابنتها. إلا أن ذلك لم يخفي الأضرار النفسية والفوائد الاجتماعية لهذا الزواج، لأنها جمعت بين عاطفة الأمومة المتمسكة بالولد، وبين أحلام المرأة عند الزواج برجل لم تستطع حتى شراء الثوب المناسب لهذه المناسبة التي ارتدت فيها ثوبها اليومي وعادت به، وكأنها في حلم يومي.
برؤية أخرى يستعرض الفيلم الإيراني "Temporary" لمخرج "بهزاد آزادي" قصة إنسانية عميقة تتمحور حول حياة امرأة تعاني من ظروف اجتماعية صعبة. من خلال شخصية زهرة، يقدم الفيلم لمحة عن واقع النساء في مجتمعات تواجه تحديات مادية واجتماعية، ويطرح تساؤلات حول خياراتهن وكرامتهن.
الفيلم يتناول موضوع الزواج المؤقت، مركزًا على الضغوط التي تواجهها المرأة في البحث عن الأمن والاستقرار في عالم غير عادل. زهرة، الأرملة، تتعرض لخيارات صعبة تؤكد عمق الصراع الداخلي الذي تعيشه، حيث يجسد زواجها ليوم واحد محاولة للنجاة في مواجهة الفقر، مما يدفع المشاهد للتفكير في معنى الأسرة والكرامة الإنسانية.
تتبع الحبكة هيكلًا بسيطًا يبدأ بمشكلة كبيرة - الحاجة المادية - وينتهي بتفكير عميق حول العواطف والخيارات. يتسم الفيلم بتوازن دقيق بين العرض الدرامي والمشاعر المعقدة، حيث تتكرر مشاهد زهرة وهي تتأمل في حياتها، مما يمنح المشاهد فرصة للتفاعل مع حالتها.
"بهزاد آزادي" يستخدم أسلوبًا بصريًا قويًا يعكس التوتر العاطفي في القصة. يعتمد المخرج على زوايا كاميرا دقيقة وأسلوب تصوير يجعل المشاهد يشعر بعمق الحزن والأمل في نفس الوقت. الموسيقى التصويرية تلعب دورًا كبيرًا في تعزيز المشاعر، حيث تساهم في خلق أجواء تعكس الحالة النفسية لشخصية زهرة.
الفيلم يمتاز بلغة بصرية غنية، حيث تتداخل الصور مع المشاعر. المشاهد التي تُظهر زهرة أمام الواجهات الزجاجية تعكس أحلامها المفقودة، بينما مشاهد اللعب مع ابنتها تظهر الجوانب الحميمية لعاطفتها كأم. تعبيرات الوجه وحركات الجسم تجسد المعاناة والآمال، مما يجعل المشاهد متعاطفًا مع شخصيتها.
يتجاوز الفيلم مجرد تقديم قصة عابرة، فهو يحمل رسالة اجتماعية قوية حول زواج المتعة وتأثيراته على الأفراد والمجتمع. الفيلم يدعو المشاهدين للتفكير في القضايا المرتبطة بالمرأة، ويعكس صراعًا أكبر يمثل تجارب كثيرة تعيشها النساء في مختلف الثقافات.
يُعد "Temporary" عملًا فنيًا متكاملًا يوازن بين الجوانب الجمالية والموضوعية. عبر أسلوبه الإخراجي المميز، يتناول قضايا عميقة بطريقة تتجاوز السطح، مما يضمن تأثيره العاطفي على الجمهور. يُظهر الفيلم أن الجمال الفني يمكن أن يكون أداة فعالة لنقل رسائل اجتماعية هامة، ويترك أثرًا دائمًا في ذاكرة المشاهد.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com