الإيحاءات التجريدية السابحة في فضاءات لوحة تشكيلية زمنية ذات ألوان دافئة

ضحى عبدالرؤوف المل

يستخرج "جوزيف حرب" من الألوان المتناقضات الحسية. ليمزجها بموضوعية مع الأشكال التخيلية التي توحي بتقش ذي أساليب تختلط فيها التماذج الفنية. كما أن الترابطات التشكيلية المتماثلة في لوحاته ما هي إلا تشابهات لكتل متراصة زخرفها أحيانًا بتلقائية وعفوية تجريدية، وأحيانًا أخرى بتصورات تخيلية لها تعبيراتها الإيحائية المرتبطة بالتكوين الجمالي الرمزي. فهو لا يستبعد انفعالاته الحسية عن اللون أو الشكل، بل يمنح الحواس حرية متكاملة لتتشكل الكتل والألوان تبعًا للحالة النفسية وحريتها الفنية، وليضيف إلى لوحاته متعة بصرية تزخر بالمعاني الغارقة بالغموض، وبسيميائية تتصف بحيوية ديناميكية تبرز من خلال الألوان وتضادها، وقدرتها على خلق الأبعاد وتطويعها جماليًا لتحتفظ بزمكانية خاصة لكل لوحة منحها اللون أو الفن الإبداعي أو المحايد ضوئيًا أو المتضمنة أساسيات الضوء والعتمة ومفهوم التضاد: الليل والنهار، المعتم والمضيء، كنقاط حسية أو دوائر لونية متداخلة مع بعضها البعض لتؤلف سيمفونية لونية لها خاصيتها الرؤيوية.

تبدو النظم اللونية في أعمال الفنان "جوزيف حرب" كنقش إسفنجي تتلاشى من خلاله الألوان وتمتص الضوء، لتبدو كبقع داكنة وفاتحة تتجمع من خلالها المضامين الإنسانية ذات الأسلوب التجريدي، والمضمون الذي يحتوي الأنساق الجمالية المتوازنة بصريًا. فالخطوط الانعكاسية في بعض لوحاته توحي باعتباطية الحياة، ولكنها تحدد مسارات الوعي الفكري المندمج مع الألوان واختلافاتها الحارة والباردة. فتغلغل المعاني التشكيلية في أعماق اللوحة وفق نغمة ذاتية ذات موضوعات تتنوع وفق الأزرق وضوئياته، والأحمر وقوته الزمنية في لوحة ترك الغموض فيها يوحي بسريالية اختزلت السطوح التصويرية، ودينامية الحركة المتوافقة مع الاتجاهات والوحدات البنائية، لكل لون فاتح أو غامق تبعًا لطول الموجة اللونية أو قصرها التي تساهم في تعزيز التناسب والتماثل بين الكتل والفراغات في مساحات واسعة أو ضيقة، حيث تمتد الأشكال أحيانًا وتندمج وفق الرؤية التخيلية. لواقع مبني على التجريد الديناميكي، ومفاهيمه من حيث المعنى والمبنى والجمال النابض بحيوية اللون الأحمر والأزرق بشكل خاص.

يغوص الفنان "جوزيف حرب" في الأبعاد النفسية للعمل الفني من حيث التداخل البصري المؤدي إلى خلق الأبعاد الفكرية، مستخدمًا لذلك إسقاطات ذاتية تنساب في عمق اللون المثير للحواس، وللحركة البصرية التي تعصف بالوجدان. ليعزز من خلال ذلك فكرة الترابط الإنساني وجمالية التكوين المعزز بصياغات فنية تتحاور وتتجاور فيها الألوان تبعًا للمقاييس الهندسية، والمعايير الفراغية المرتبطة بصفاء اللون ونقاوته ونسبته المتفاوتة في تغطية الفراغات وتشكيلها الحسي. حيث إن الموازين الضوئية في لوحاته تتميز بتوافقات إيقاعية تجذب البصر وتترك المتلقي في حالة تأمل عميقة وجدانية.

تتأرجح ألوان الفنان "جوزيف حرب" بين الشدة والخفوت والمنظور الضوئي المنسجم مع انعكاساته الداخلية والخارجية النابعة من الإيحاءات التجريدية السابحة في فضاءات لوحة تشكيلية زمنية ذات ألوان دافئة منحها المعنى النفسي والجمالي، حيث تلعب الأشكال دورًا مهمًا في إثارة الخيال لدى المتلقي. فالدهشة والإبهار من العناصر التي يسعى إلى امتلاكها "جوزيف حرب" ليمنحها للوحات، فتتميز حسيًا ومضمونًا تجريديًا ذي التعابير الفنية الانسيابية وجمالياتها المتماشية مع روح اللون، وكنه الشكل وماهية الخط الدرامي المتشكل، كخطوات عبثية مهيأة لتضفي عقلانية أسلوبية تتخذ من العشوائية مضمونًا لها. لأن التعبيرية في عمق لوحاته تتأجج وفق الرؤية البصرية التي يستنتجها الرائي، وتتبوأ بانوراميتها رمزية هي كناية عن حداثة فنية تنوعت من خلال الأكريليك والكولاج والأساليب البسيطة الفنية.

تحولات وتغيرات لونية دقيقة في تفاصيلها الكامنة بالأعمال الإبداعية من كولاج ولون وتركيب أو من فن يحمل رؤية إنسانية ذات عاطفة جمالية لها وعيها البارز في الخطوط والكتل المتلائمة مع الوحدات الفنية. إذاً، تتوسط الأشكال اللونية دوائر هي بمثابة نقاط تحمل في طياتها رسومات توحي بتدرجات زمنية تكشف عن حركة إيقاعات جذابة ومتناغمة. فهو يقسم الحركة بين الأسفل والأعلى بتضاد تتكامل فيه النقاط الوسطية، بحيث تشبه مرحلة انفصالية بين الوهم والحقيقة، والواقع والخيال لربط كل ما هو إنساني بالفن المحصور بتشكيلات جمالية تتجاذبها الحركة تضادات الألوان للأعلى والأسفل. فالتفاوت بين الخطوط والألوان ومتغيرات الاتجاهات التي تعتمد على قوة التجريد والإيحاء التأثيري داخل مسافات اللون الواحد.

مستويات فنية انتقالية من التعقيد إلى التبسيط المتلائم مع الضوء والظل، والخصائص التعبيرية الظاهرة على السطوح كمرئيات حسية تتصف بتوظيفات موضوعية ذات صياغات تفاعلية تتباين فيها الموتيفات البانورامية. الأسلوب يقول كازيمير ماليفيتش: "إن ظواهر العالم المرئي هي ذاتها لا معنى لها، ولكن الشيء الذي لا معنى له هو الإحساس." يعزز "جوزيف حرب" طبيعة الألوان الدينامية في أعماله الفنية حيث يترك قيمة اللون تتفاعل مع الداكن والفاتح والظل. ليغطي فراغاته بتكنيك يبرز من خلاله الحركة الانعكاسية بين صعود وهبوط، وتأثيرات بصرية تذوب فيها المعاني. لتمتلئ اللوحة بالأحاسيس الفنية وبجمالية الحركة الخاصة بكل لون امتلك من الصفات التجريدية ما يجعله عميق الارتباط بالإيقاع الهندسي الإيحائي.

برؤية أخرى يعكس العمل الفني مشهدًا غنيًا بالتفاصيل الحسية والألوان، حيث تستخدم الألوان الدافئة بشكل رئيسي لتعزيز الشعور بالحميمية والدفء. الأشكال التجريدية المستخدمة تثير الخيال، مما يدعو المتلقي للتفاعل مع اللوحة بشكل شخصي. يتضح من التركيب أن الفنان يسعى إلى نقل حالة من الانسجام بين الألوان والأشكال، مما يعكس نظرة فلسفية تجاه الفن كمادة تعبيرية.

يتجلى العمق النفسي للعمل من خلال تباين الألوان والأشكال، حيث يتم التعبير عن مشاعر مختلطة من السعادة والحنين والقلق. الألوان المتناقضة، مثل الأحمر الدافئ والأزرق البارد، تساهم في إثارة مشاعر متباينة. يستحضر العمل حالة من الاستبطان، حيث يواجه المشاهد تجاربه الداخلية من خلال الانعكاسات البصرية.

تقنيات الرسم المستخدمة، سواء كان ذلك من خلال الكولاج أو الأكريليك، تضيف بعدًا إضافيًا للعمل. يتجلى التوظيف الذكي للألوان في خلق توازن بصري، حيث تعكس الأشكال حركة ديناميكية تشد الانتباه. يُظهر الفنان قدرة فنية متميزة على دمج مختلف الأساليب، مما يجعل العمل يحمل طابعًا معاصرًا متجددًا. الجمال في هذا العمل ليس مجرد مظهر سطحي، بل هو جمال يتجلى في العمق والتعقيد. تنسجم الألوان معًا لتخلق تجربة بصرية غنية، بينما تضيف الأشكال التجريدية بُعدًا إضافيًا للجمالية. يتألق العمل بلمسة من الغموض، مما يجعله يستدعي تأمل المشاهد ويدفعه لاستكشاف معانيه الخفية.

تُعد التعبيرية جزءًا أساسيًا من العمل، حيث يتم تصوير المشاعر والأفكار بأسلوب متجدد. تحاكي الألوان المتحركة والانسيابية بين الأشكال شعورًا بالتغيير الدائم، مما يعكس الطبيعة غير الثابتة للحياة. يعكس العمل تفاعلاً عميقًا مع الذات، مما يجعل كل مشاهد يجد نفسه في تجربة فريدة. أما الإيقاع البصري يتجلى من خلال التنقل بين الألوان والأشكال، حيث يخلق تداخل الأشكال حركات بصرية تتفاعل مع العيون. يتنقل المشاهد بين العناصر المختلفة للوحة، مما يمنحه إحساسًا بالتنقل الديناميكي عبر فضاء العمل. الإيقاع هنا ليس مجرد تنسيق بصري، بل هو حوار بين الألوان والأشكال، مما يسهم في خلق تجربة متكاملة تأخذ المتلقي في رحلة بصرية فريدة.

العمل الفني يمثل تجسيدًا مثيرًا للإعجاب لمجموعة من الأفكار والمشاعر المعقدة، حيث ينجح الفنان في نقل تجربة إنسانية عميقة عبر الوسائط البصرية. يترك تأثيرًا دائمًا على المتلقي، مما يدعوه للتفكير والتأمل في معاني العمل وأبعاده المختلفة.

يقدم جوزيف حرب أعمالًا تجريدية تتناول مواضيع متنوعة، مستمدًا إلهامه من التجارب الإنسانية والطبيعة. يتميز أسلوبه باستخدام ألوان دافئة ومتباينة، مما يخلق تباينات قوية تعكس حالات نفسية مختلفة. تتضمن لوحاته أشكالًا تتسم بالحرية والتلقائية، ما يضفي طابعًا ديناميكيًا يثير الفضول.

تتسم أعمال حرب بالعمق النفسي، حيث تعكس مشاعر مركبة مثل الحزن، الفرح، والحنين. يتمكن من تجسيد تجاربه الداخلية عبر الألوان والأشكال، مما يجعل المشاهد يتفاعل مع اللوحة بشكل شخصي. هذا التفاعل يولد شعورًا بالتعاطف مع الحالة النفسية المعروضة، ويجعل المشاهد يستكشف مشاعره الخاصة.

يتميز حرب بتقنيات متعددة، تشمل الكولاج والأكريليك، حيث يستخدمها بشكل مبتكر لخلق توازن بصري. تتداخل الألوان بشكل يعكس مهارة فنية عالية، مما يساهم في تطوير أسلوب فريد يحمل بصمته الخاصة. إن قدرته على دمج العناصر المختلفة تعكس رؤيته الفنية المعاصرة، وتمنح أعماله طابعًا تجريديًا معاصرًا.

الجمال في أعمال جوزيف حرب يتجلى في التنوع والتعقيد. الألوان المتناسقة والأشكال العضوية تخلق تجربة بصرية مدهشة، حيث يثير العمل إحساسًا بالدهشة والغموض. يُظهر الفنان قدرة على تحويل مشاعر معقدة إلى تجارب جمالية، مما يجعل لوحاته ليست مجرد مشاهد، بل عوالم تتطلب استكشافًا عميقًا.

تعتبر التعبيرية عنصرًا أساسيًا في أعمال حرب، حيث تعكس الأشكال والألوان تجارب إنسانية عميقة. تستخدم اللوحات لغة بصرية تعبر عن مشاعر داخلية، مما يخلق ارتباطًا قويًا بين العمل والمتلقي. تعكس الأشكال المتحركة انسيابية الحياة والتغير الدائم، مما يضيف بعدًا إنسانيًا للأعمال.

الإيقاع البصري في أعمال حرب يتمثل في التنقل بين الأشكال والألوان، حيث يخلق تفاعلاً ديناميكيًا يجذب العين. يتيح هذا الإيقاع للمشاهد التنقل بين العناصر المختلفة للوحة، مما يخلق تجربة غامرة. تعكس حركة الألوان والأشكال تفاعلاً حيويًا، مما يزيد من عمق التجربة البصرية.

جوزيف حرب هو فنان تجريدي ينجح في خلق تجربة بصرية عميقة تتجاوز الأشكال والألوان، حيث يمزج بين الشعور واللون، بين الواقعي والتجريدي. أعماله تثير تأملات حول التجربة الإنسانية، وتقدم دعوة للمشاهد للتفاعل مع عمق المشاعر والتعبير الفني.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com