رواية "رحلت الطفلة"
ضحى عبدالرؤوف المل
بدأ الغلاف متشابكاً في حيرة تحت دائرة الحياة التي تغلق أهدابها علينا أحياناً. والبداية جاءت مع مقدمة بدأت فيها المؤلفة بلغة واثقة، أنها قدمت لها ما لم يقدمه رجل من قبل، وكأنها تريد القول إنها لن تنساه. فخط يدها المتعرج بدأ حين أقلعت الطائرة في الثانية هجيراً، ليتكرر الهجير أكثر من ستين مرة في الرواية، وكأن درجة حرارة الحكاية ترتفع إلى أكثر من درجة حرارة الصحراء وتحت الصفر في القطب الجنوبي. ليبدأ اللقاء في حر آب وينتهي في حر آب، لتحمل حرارة حب بقي بين الأسطر ذكرى.
بدت الحكاية كأنها حكاية من حكايات الحب الطويلة بأسلوب فني وموضوعي، يمتلىء بالعاطفة التي تنمو في الغربة. حيث كانت لعبة الأرقام في الحب تتكرر في لمحات باختصار، تشير إلى محطات الحب في قلوب البشر، رجال ونساء، والصمت الأخرس يلف الحكاية أحياناً، وكأنه الفراغ الذي يجعلنا نفقد الإمساك في الخيوط الفنية للبناء في العمل الروائي، ونحن في إطناب كلامي يتكرر غالباً بين الصفحات.
غاب عن وعي الكاتبة شد القارئ إليها في هجير محطاتها الروائية، وكأنني أمام نص أدبي حميم لم يتوافق مع السرد القوي والمتين. وغياب جوهر العمل الإبداعي إلا من خلال رسم ملامح المرأة التي تخاف سطوة العلاقة مع رجل متزوج، وتنسحب من حياته بهدوء، كي يبقى العطر الجميل في حياتها.
بعد قراءة هذه الكلمات، وضعت خيالي في فراغ كبير كي يستعيد توازنه، وكأنني كنت في رحلة لا هدف لها سوى أن أستمع إلى موسيقى قلوب عاشقة في مواقف حميمة أحياناً، ليتحرك الخيال في اتجاهين: الأول زمني يتوقف عند عتبات الرحيل، والثاني مكاني في ماضي يحمل الحرب التي استطاعت نقلها في نهاية القصة. وهذا ما أعطى الحدث في النهاية لوناً يتصاعد مع جملها السردية البسيطة، مع فقدان للحبكة الروائية القوية، ولم أستطع معرفة المعنى الذي أرادته الكاتبة ليصل إلى فكري. هي لم تلغِ الواقع في شخوصها التي لم تتحرك إلا من خلال الكشف عن نفسية الأصدقاء في الغربة وبعض المودة المفقودة من رفاق الجامعة في السكن الخاص بهم. الفكرة ينقصها الحركة، رغم أن العنوان بدأ بفعل الرحيل، لكنه لم يستقر في ذهن القارئ، ذاك الرحيل، رغم أنها استطاعت إبقاء الرحيل في ذهن شخوصها وفي ذهن القارئ.
إنه عالم الأنثى الخاص التي تفهم العلاقة بعقلانية، فتكون قادرة على بناء توازن قادر على الخروج من أحداث بسيطة إلى حل بسيط. أما النهاية فجاءت مرتبطة بالذكريات وبمدلول فسيولوجي جميل؛ أن الإنسان في عمر الأربعين يشعر بالنضوج ويدرك قيمة الحب، ويعرف مشاعره الحقيقية أكثر، ويستفيق من غفلة الحياة والأعمال الحياتية ليبحث عن القلب فيجد أنه ابتعد عنه بعد أن ارتبط عائلياً مع أفراد هو مسؤول عنهم. وقد نجحت الكاتبة في تصوير هذا نفسياً في وصف عملي بسيط، واعتماد عبارات سهلة في سرد جميل.
برؤية أخرى تعتبر رواية "رحلت الطفلة" للكاتبة ناديا ظافر شعبان نصًا أدبيًا يحمل في طياته عمقًا إنسانيًا وفنيًا، يستعرض تجارب الحب والخسارة في سياق اجتماعي متشابك. من خلال أسلوبها السردي، تنجح الكاتبة في تسليط الضوء على جوانب متعددة من العلاقات الإنسانية، ما يعكس التوترات التي تعيشها الشخصيات بين التقاليد والحرية الفردية.
تتأمل الرواية في العلاقات العاطفية من منظور اجتماعي، حيث تلعب العوامل الثقافية دورًا محوريًا في تشكيل تجارب الشخصيات. تتجلى هذه العناصر في تخوف البطلة من علاقة مع رجل متزوج، مما يعكس ضغط المجتمع وما يفرضه من قيود على الأفراد. تتناول الرواية تعقيدات الحب في إطار مجتمع قد يكون محافظًا، حيث تظل مشاعر البطلة محاصرة بين الرغبة والخوف، وبين ما يريده القلب وما يفرضه العقل.
تقدم الكاتبة من خلال سلاسة الأسلوب ورقة العواطف تصويرًا دقيقًا لمشاعر الحب، مما يجعل القارئ يتفاعل بشكل عميق مع تجارب الشخصيات. تعكس لغة الرواية تجارب الاغتراب والشعور بالانفصال، كما تقدم لمحات عن الألم والفقد، وهو ما يضفي عمقًا إنسانيًا على النص. استخدام الكاتبة للأرقام في الحب كرمز يعكس تكرار الألم ودوام الذكريات، مما يزيد من ثراء التجربة الروائية.
يظهر الهدف الروائي الذي سعت له ناديا ظافر شعبان بوضوح في محاولتها لرسم صورة عن النساء في مجتمعاتهن، وكيف يمكن لعواطفهن أن تتحدى القيود المفروضة عليهن. ترغب الكاتبة في إثارة التساؤلات حول الحرية، الهوية، والحب، ما يدفع القارئ للتفكير في تلك التحديات التي تواجهها المرأة، خاصةً في مراحل عمرية مختلفة، كعمر الأربعين الذي تبرز فيه الكاتبة التغيرات النفسية والإدراكية التي تطرأ على شخصياتها.
بإجمال، تعتبر "رحلت الطفلة" رواية غنية بالأبعاد الاجتماعية والانفعالية، تسلط الضوء على التوترات النفسية التي ترافق الحب والعلاقات. تبرز ناديا ظافر شعبان ككاتبة تتقن فن السرد، وتستطيع أن تأخذ القارئ في رحلة تتجاوز مجرد الأحداث، لتغوص في أعماق النفس البشرية. من خلال أسلوبها، تدعونا الكاتبة للتفكير في واقعنا الاجتماعي والتحديات التي تواجه الأفراد في سعيهم نحو الحب والقبول.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com