لغة غوته..
ضحى عبدالرؤوف المل
ما بين التجريبية والواقعية، قولبة روائية جديدة في تراكم فني مقيد، وغموض في تصميم البناء الروائي والتشكيلات اللغوية الخالية من التوظيف السلس في سرد فسيفسائي ملتزم بالمكان والزمان، وأزمة الوطن العربي من المحيط إلى المحيط...
يقول غوته في وصفه للغة العربية: "ربما لم يحدث في أي لغة هذا القدر من الانسجام بين الروح والكلمة والخط مثلما حدث في اللغة العربية، وإنه تناسق غريب في ظل جسد واحد." هي قدرة الشعب المأخوذ بلغات العالم، تاركًا لغته الأم التي يفتخر بها الفلاسفة القدماء، عابرًا لغات فرعية تحتضر أمام الحرف العربي.
شدتني جملة: "إن الشعب يحتاج إلى الخبز والدواء، وليس إلى عاصمة جميلة." وكأن الكتب تنتظر الأيادي لتحملها كالخبز والدواء الذي نفتقده.
تساءلت: ما معنى القوس والفراشة؟ ما هو الوجود الأمازيغي؟ السلالة؟ التمدد في الزمن؟ طالبان؟ التحرر من التاريخ؟ الخيال الأدبي؟ الرغبة؟ وفي كل منا تساؤلات يطرحها على نفسه أولًا ليبحث عن الأجوبة وفقًا لميوله ورغباته، محاولًا إخفاء بعضها. وهذا ما فعله محمد الأشعري في روايته "القوس والفراشة"، وكأنه يتخبط بين الغرب والشرق في حركة بطيئة لم تحمل الإبداع الروائي، وإما حكاية مرت في سراديب اللغة، وعبر انفعالات لم تروِ ظمأ القارئ لتنير له تلك "الورقة المعلقة في الفراغ" حين ينفصل الإنسان عن مساره. فيوتيبا انتحرت حين شعرت باليأس من البحث عن كنز جدها الألماني في أرض المغرب.
يقول سانت بوف: "ليس هناك ذوق، أو عادة، أو عمل إنساني إلا وهو موح." أفكار ضبابية معلقة بين العنوان والموضوع، لم يستطع محمد أن يمسكها في خيوط روائية قوية ومتينة حين دخل في متاهات متعددة لم يستطع الخروج منها إلا حين أدرك أن حبه لليلى هو الحقيقي. "الحب هو فقط أن تكون قرب امرأة في الوقت المناسب." وياسين ما هو إلا ضحية خلاف الأسرة التي نشأ فيها وترعرع ليُدرك أن القوس حلم، والفيرسوي حجر زاوية، ليجعلنا ننتظر حرائر الأدارسة كما ننتظر عزل المدينة رسميًا وإغلاق الكانتينا، لنحتاج للظل فجأة. "الظل يا عزيزتي... الظل!.. أو الوهم الروائي..."
ربما السبب الدماء الألمانية التي في عروقه، أو الفرسوي، وهو من مارس "الحب بنوع من المسافة والصرامة والحرص على الإحكام والإتقان والدقة، مما يجعله منبعًا لملذات ملتبسة لا مكان فيها للعب أو للإغراء أو المجاذفة، ملذات مزلزلة تكاد تشبه ما يحدث في غرام المحارم!" وربما هذا ما جعله يمسك كلمة أحبك عن امرأة أحبها، ملتزمًا بشخصية جده العربي الذي عاش في ألمانيا سنوات، وحتى أمه الألمانية كانت جد مقتصدة، ولمسة يدها سريعة، لكن هذا التباعد الحسي لم يصاحبه أبدًا شعور بالتخلي أو الإهمال. وهذا عزز شعوره أنها أم استثنائية، ولا أدري ما الاستثناء في هذا؟ حبكة روائية اختصرها في جملته: "ماذا جرى لكم لتعتقدوا أن المستقبل يمكن أن يكون مثل عباءة المتسول، تجميعًا لقطع من ألوان وأزمنة مختلفة؟" وكأنه هنا يشير لبناء روايته، فهل يمكن للقارئ أن يعيش أوهام جيل آخر؟ أم أنها حيل ثقافة، كما يقول عن جودة الجمال في التذوق: "بينما الأطباق النيئة هي تحرر من التاريخ لفائدة المائدة. ومعها يصبح الأكل علاقة بالعناصر مستقلة عن بعضها البعض، وليس بالذوق كما نسجته قرون من الحيل الثقافية." لم يستطع ترجمة إحساس المرأة العربية وهي تقبل التعدد في الحب، لتنفلت تعابيرها بلحظة هي خارج الزمن: "أمنعك أن تفعل ذلك مع امرأة أخرى!" فهل يقوده "عبير مخزن في علبة العجائب إلى لذة خارج الزمن؟"
"أعرف، لكن الموتى لا يعرفون الأجوبة!" لنُفاجأ بسؤال الابن بعد موته: "لماذا تسأل بجدية عن القوس؟" وكأنه يبحث عن أحلام ابنه بعد أن اختفى تمامًا ولم يبق منه أي أثر في الرماد. فلو قبل بحلم ابنه، لنشأت علاقة أخرى أكثر تعقيدًا ستنشأ بينهم، ليرمي بالقوس في مزبلة التاريخ.
فهل يلد العرب أطفالهم في قندهار؟ أو في خلايا نائمة؟ "إن إرهابي الخلايا النائمة اليوم، بأحزمتهم ومتفجراتهم، لا يقضون في السجن سوى بضعة أشهر، يتمتعون خلالها عشرات المرات (بالخلوة الشرعية) أنه شيء يفجر المخ!" ليصمت عند الإسلام السياسي، ممسكًا بقميص ياسين كما أمسك يعقوب بقميص يوسف، لتظهر زليخة من قعر الذكريات، ويظهر ابن غير شرعي لم يكمل الحديث عنه، وكأن الهيمنة الأخلاقية السياحية هي السبب. لتبقى السلالة تحت رهن محمد الفرسوي الأمازيغي، ليظهر "هانس رودر"، جد ديوتيما، وكأنه يفتش عن حظ الأمازيغ في طهارة منشودة، باحثًا عن قبعة هانس وكتاب شعري، تاركًا قصيدة تكابد صمتها ديوتيما فتنتحر. "ديوتيما انتحرت بطلقة بندقية في المرتفع المطل على هذا الموقع." فهل سجنت نفسها الفسيفساء الأندلسية في مربعات هندسية عمياء بلا ملامح ولا حركة، أم إننا ما زلنا نبحث عن أسرارها حتى الآن؟
غربة عاشها المؤلف في سطور تائهة لم يحقق فيها الحركة الإبداعية الروائية، بل أغلق أرحام اللغة كما أغلق أرحام النساء، ليمنع ولادة ياسين مرة أخرى، ليسكن عرينه الألماني، وكأنه في تمدد زمني تاه فيه، لينتفض من فرض الحجاب والعمرة والتزمت من رفض الرقص والموسيقى، لنتفاجأ بمكالمة هاتفية تقول له فيها حبيبته: "ماذا ستفعل بالرجل الذي ينام في سريرها؟" ثم ينتقد الخفة الزائدة عند المراهق، ولا أدري إن كان البطل قد أتم البلوغ.
أرخى الأهداف كلها وهو يبوح أنه لا يريد "أبًا يتوجب علي أن أقتله لأعيش بسلام." وهل من يقتل يعيش بسلام؟ لتظهر الفراشة في نهاية المطاف، ويظهر معها جدارية ضخمة من فسيفساء بيزنطية اشتراها وكيل أعمال من مزاد بريطاني، وكان ما لا قيمة له في الشرق له قيمة كبرى في الغرب، وهو ما زال يبحث عن ياسين ليجده في عصام الملتحي المرتدي زي طالبان.
لم يستطع أن يتغلغل في أعماق نفسيات شخوص الرواية، بل تصرفاتهم بدت انفعالية وكأنها وهمية مركبة تختفي وتظهر مع السرد في نهايات غير مقنعة، وكأنه يضعها في دوائر ليمنعها من الخروج، لتبقى في أزمنته وأمكنته. فما هي حقيقة الفراشة؟ وما حقيقة البوكر؟ هل هي لغة غوته؟
برؤية أخرى تتناول رواية "القوس والفراشة" لمحمد الأشعري تعقيدات الهوية والانتماء، وتجسد في صفحاتها صراعًا داخليًا وخارجيًا يعكس واقع المجتمع العربي المعاصر. يسعى الروائي، من خلال أسلوبه السردي المتميز، إلى استكشاف الأبعاد الاجتماعية والثقافية التي تؤثر في الفرد، مستعرضًا الأزمات التي يعيشها الوطن العربي.
تتجلى قضية الهوية في شخصية ياسين، الذي يتنقل بين ثقافات مختلفة، متأرجحًا بين جذوره العربية وتأثيرات الحياة الغربية. هنا، يبرز الصراع بين الهوية الأصلية والاندماج في ثقافات أخرى، مما يعكس أزمة معاصرة تتعلق بالبحث عن الذات. تعكس هذه الثنائية الصراع الذي يعيشه الكثيرون في العالم العربي، حيث يشعر الأفراد بالانتماء إلى تراثهم بينما يتوقون إلى التفاعل مع العالم الحديث.
الأشعري لا يقدم صورة سطحية عن المجتمع، بل يغوص في أعماقه ليكشف عن الفجوات الاجتماعية والاقتصادية. يمثل الشعب الذي يحتاج إلى "الخبز والدواء" أكثر من "عاصمة جميلة" حقيقة مؤلمة تعبر عن أولويات المجتمعات المأزومة. تكشف الرواية عن كيف أن الأزمات اليومية، كالفقر والبطالة، تؤثر بشكل مباشر على المفاهيم الأعمق مثل الحب والانتماء.
تظهر الرواية التأثيرات الثقافية المتنوعة التي يتعرض لها ياسين، من خلال تفاعل شخصياته مع تراثهم ومع اللغة. يبرز "غوته" كمرجع ثقافي، مما يتيح للأشعري توسيع الحوار حول العلاقة بين الثقافات. يشير الاقتباس من غوته إلى أن اللغة العربية تتمتع بجمال خاص، مما يعكس فخرًا ثقافيًا، وفي الوقت نفسه يثير تساؤلات حول ما يفقده الفرد عندما يتنكر لثقافته الأصلية.
يتعرض الشخصيات في الرواية لتجارب نفسية عميقة، حيث تعكس انفعالاتهم صراعات داخلية. ياسين، الذي يناضل للتصالح مع ذاته ومع تاريخه، يعبر عن صراع الأجيال في العالم العربي. إن التوتر بين التقليدي والحديث هو جوهر هذه الصراعات، حيث يسعى الأفراد للعثور على معنى في عالم متغير.
يستهدف محمد الأشعري، من خلال هذه الرواية، تقديم رؤية نقدية للمجتمع العربي الحديث، مسلطًا الضوء على التحديات التي تواجه الأفراد في سعيهم نحو التوازن بين الهوية والانتماء. إن الأسلوب السردي المتشعب، الذي يتنقل بين الأفكار والمشاعر، يخلق تجربة غامرة للقارئ، مما يتيح له الانغماس في أعماق الشخصيات وفهم التعقيدات التي تعيشها.
رواية "القوس والفراشة" ليست مجرد سرد قصصي، بل هي دعوة للتفكير في التحديات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها الفرد في عالم معقد. من خلال تحليلها، يمكننا رؤية كيف أن الأدب يعكس واقعًا حيويًا، وكيف أن الصراع من أجل الهوية والانتماء لا يزال موضوعًا ذا أهمية كبيرة في العالم العربي اليوم.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com