نوادر الرجال... في مسلسل "عمر"
ضحى عبدالرؤوف المل
الرغبة هي الجوهر المحرك للنفس القادرة على تطوير وظائفها الحيوية من عاطفة ومحبة حقيقية مولدة للحياة الواقعية التي تجعلنا نؤمن بوحدانية الخالق والإرادة المطلقة لمراكز العقل المتأمل والمتفكر. فلا يصاب بضيق الأمل، بل يسعى لاكتساب وعي معرفي، ليكتشف فردانية الخالق ويعي مركز الوعي الكوني في ذاته، فيتطور روحياً ويرتقي فهماً ويقيناً وإدراكاً. ليختفي الكذب والخوف وكل سلوك سيء مكتسب في حياة تناحرت فيها عناصر الخير والشر.
إن الحدود الذاتية للإنسان تقيده، فتجعله محدوداً في نطاق دائرة إمكانياته البشرية، وهو مجرد جزء من كل لروح غلفها جسد مكثف من مادة اتخذت أشكالاً وتطورت زمنياً، وهي مستمرة حتى فناء الكون. إلا أن الفكر لا حدود له وهو في حركة ضمن كتلة تستطيع توليد الطاقة النورانية، وتظهر ميول النفس وتحدد مساراتها لتلتقط نقطة البداية، فتظهر قوة الشخصية وقوة إرادتها تبعاً للنفس ولفهمها الجوهر الحقيقي. وتبدأ رسالته الإنسانية لتحقيق التوازن الكوني لإرادة إلهية. فشخصية عمر بن الخطاب تميزت بالصدق والبعد عن الغلو، والمملوءة بالعزة والعنفوان والبلاغة وقوة الحجة والإقناع. فخشوعه لسورة "طه" وإعجابه بالبيان القرآني ما كان ليستقر في قلبه لو لم يمتلك إضاءات بيانية وفراسة محمودة.
فهل أعطى مسلسل "عمر" حق رجل بهذه الصفات؟ وهل الدراما الدينية والتاريخية تحافظ على زمانها بصدق؟ كي نتوصل لحل المعادلة الصعبة قبل أن يتابع الشباب سيرة رجل صحابي من خلال عمل درامي لم ألمس فيه رؤية معاصرة! لتواكب الزمن. فالتقنية التصويرية لم تحمل أبعاد عدسة حديثة كي تبعدني عن أجواء التصوير الكلاسيكي، برغم وجود بعض الطاقات الفنية القوية والمتماسكة، والمنسجمة في عمل درامي غير متكامل لا يخاطب عقول الشباب في زمن بات الطفل الصغير يمتلك فيه كاميرا صغيرة ليصور المشاهد الطبيعية فيها.
يخطر للمشاهد أننا عدنا إلى تاريخ لا يحاكي الزمان الحاضر لأنه ماضي، لكن لكل ماضي معادلة تجعله يشعرنا بالحاجة إلى تركيب مشاهد تتعمق أكثر بالتجربة الإنسانية والمادة الفنية المرئية التي يراها الناس بكامل حواسهم من كل الأطياف والجنسيات والمذاهب. فعالم الفن فيه من السحر الجمالي على المتلقي ما لا يمتلكه الذين يخوضون في بحور التأليف، رغم أنه لولا التأليف ما تألق عمل درامي.
فالعمل المتكامل هو سمفونية يسمعها المؤلف والمخرج والممثل، ومن يقضي أياماً وليالي يتابع بشغف مسلسل تعرض لهجوم الرفض والقبول قبل رؤية المحتوى، لنحصد متعة أو فشل! أو أن نصاب بالإحباط وكأن فيلم "الرسالة" يتجدد في كل عصر. فكيف نرتقي بشخصية دينية إلى العالمية لتتابعها كل فرد؟ فعمر بن الخطاب هو شخصية تحمل تناقضاً إنسانياً مملوءاً روحانية، وفراسة تجعله متفرداً في حياة عاشها "الفاروق". وكتب عنها دكتور وليد سيف وجسدها سامر إسماعيل في أداء جميل، لكن لم يظهر فيه أي روحانية عالية يحتاجها الدور لتكتمل الصورة الفنية القادرة على اختراق ذهنية المتلقي، وخصوصاً أن من بين المتابعين أعمار تختلف من الطفولة وحتى الشيوخ، في حين أن الممثل غسان مسعود استطاع الوصول لعمق الشخصية بمحبة نقلها إلينا بأحاسيس أحببناها. كما أدهشنا مخرج المعارك شادي أبو العيون السود ومصمم القتال محمود أردلان مع موسيقى تصويرية تواءمت مع ما قدمه فهير أتاكو غلو لعمل هو تراث درامي ديني لا يستطيع المبتدئ فيه إنجازها كما أنجزها البعض في المسلسل.
يقول ثابت بن قرة: "ما أحسد هذه الأمة العربية إلا على ثلاثة أنفس... أولهم عمر بن الخطاب في سياسته ويقظته وحذره وتحفظه ودينه، وصرامته وشهامته وقيامته في صغير أمره وكبيره بنفسه، مع قريحة صافية، وعقل وافر، ولسان عضب وقلب شديد، وطوية مأمونة، وعزيمة مأمومة، وصدر منشرح، وسر طاهر، وتوفيق حاضر، ورأي مصيب، وأمر عجيب، وشأن غريب. دعم الدين وشيد بنيانه وأحكم أساسه، ورفع أركانه، وأوضح حجته، وأنار برهانه، ملك في زي مسكين... ما غض طرفه على خنا، ظهارته كالبطانة، وبطانته كالظهارة، جرح وأسا، ولان وقسا، ومنع وأعطى، كل ذلك في الله والله... لقد كان من نوادر الرجال!"
فهل وصلت إلينا هذه المفاهيم، وهل أحسسنا بنفس عمر لمسلسل حمل اسمه؟ وهل استطاعت رغبة كل منا متابعته حتى الآن؟ أم أننا بين الرفض والقبول نسينا النفس وما تحمله؟
برؤية أخرى مسلسل "عمر" هو عمل درامي يسعى لتجسيد سيرة أحد أعظم القادة في التاريخ الإسلامي، عمر بن الخطاب. يتناول المسلسل أحداثاً محورية من حياته، مما يجعله مادة غنية للفحص الفني والجمالي.
تتميز الأحداث بتصاعد درامي ملحوظ، حيث تتداخل مشاعر الخوف، الأمل، والشك في سياق عيش الشخصيات. تتجلى الصراعات الداخلية، خصوصاً في شخصية عمر، الذي يظهر كرجل عادل لكنه محاط بظروف معقدة. تُقدِّم الحوارات تفاعلات قوية تعكس صراعات القيم والمبادئ، مما يضفي عمقًا على الشخصيات. ومع ذلك، يلاحظ بعض النقاد أن الحوارات قد تكون تقليدية في بعض الأحيان، مما يقلل من تأثيرها.
الجانب الإخراجي للمسلسل يتسم بالاهتمام بالتفاصيل التاريخية، إذ تعكس الملابس، الديكورات، والإضاءة البيئة التاريخية بدقة. ومع ذلك، يمكن ملاحظة أن بعض المشاهد تبدو متكررة، مما قد يؤثر سلبًا على تجربة المشاهدة. تُستخدم زوايا الكاميرا بشكل مبتكر في بعض اللقطات، مما يعزز إحساس الانغماس في الأحداث، لكن بعض الانتقالات كانت تحتاج إلى مزيد من الانسيابية.
يُبرز المسلسل جمال اللغة العربية من خلال النصوص المستخدمة، مما يُضفي طابعاً فنيًا خاصًا. تتسم الموسيقى التصويرية بالعمق والعاطفية، حيث تدعم المشاهد العاطفية وتعزز من الإحساس بالدراما. ومع ذلك، تفتقر بعض المشاهد إلى التناغم بين الصوت والصورة، مما يُشتت انتباه المشاهد أحيانًا.
تُظهر التمثيلات البصرية مشاعر الشخصيات بشكل قوي، خاصة في المشاهد التي تتعلق بالعواطف الإنسانية. يُجسد سامر إسماعيل شخصية عمر بن الخطاب بشكل مثير، إلا أن بعض النقاد يرون أن الأداء يحتاج إلى مزيد من الروحانية ليعكس عمق الشخصية. بالمقابل، يقدم غسان مسعود أداءً مميزاً يُعزز من الصراعات الدرامية.
في المجمل، يُعد مسلسل "عمر" تجربة غنية تجمع بين العناصر الدرامية والفنية. ورغم بعض الثغرات في الكتابة والإخراج، فإن العمل يقدم رؤية فريدة لشخصية تاريخية معقدة، مُحاولًا إيجاد توازن بين تقديم الحقائق التاريخية والرؤية الفنية المعاصرة. يُعتبر المسلسل دعوة للتفكير في القيم الإنسانية والدروس المستفادة من التاريخ.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com