"قضية معالي الوزيرة": "هارموني" بين المشاهد والمخرج والممثلين
ضحى عبدالرؤوف المل
إن البداية هي فكرة تنمو وتكبر لتظهر بكامل وجودها الحقيقي، فنستمتع بها مكتملة في أي عمل نكمله روائيًا أو قصصيًا أو مسرحيًا. كما يبدأ العمل الجيد أو السيء من فكرة مستوحاة من الواقع الحياتي أو من الخيال الخصب، لكن كل عمل يحتاج لمجهود مضاعف كي يظهر بالمظهر اللائق للمتلقي، بدءًا من الحوار وحتى الموسيقى التصويرية وصولًا إلى العرض النهائي. فهل يحتاج الصائم كل هذا المجهود المضاعف لشهر رمضان المبارك؟ أم أن خير الكلام ما قل ودل!
إن التأليف الدرامي هو محاكاة حركية تعتمد على الخيال والواقع، وعلى دراسة التناقضات النفسية الكاملة للإنسان كي يستطيع الوصول إلى الذائقة البصرية التي تستمتع بالعناصر كلها للعمل الدرامي. فالصراع اليومي الذي يعيشه الإنسان يحتاج لحركة مرئية موزونة تخاطب همومه ومشاكله. فارتباط الدراما بالإنسان بدأ منذ هبوط آدم، لتبدأ حركاته تترجم احتياجاته وتوافقه مع الطبيعة. فيحاكي عقله الباطن، ومن ثم يروي مغامراته اليومية لأفراد عائلته أو قبيلته. فالذوق الفني يتأثر بالمجتمع وينقل تأثيره لمن يرى بالعين الفنية قيمة العمل، وهذا يحدث تلقائيًا عندما نستمتع بعمل، فننتقد المخرج أو الموسيقى أو الضوء أو الديكور أو الأداء...
لكل عمل فني انعكاسات مختلفة، وهذا ما يجب أن ننتبه له، فما يحتويه العقل الباطن يبقى ويستقر في اللاشعور، فتترجمه الانفعالات دون وعي وإدراك منا. فكل حركة تتابعها العين وكل فكرة يستقبلها الدماغ، لا بد وأن تخلق تساؤلات؛ فما من عمل فني يخلق من فراغ. فالمادة التخيلية تدخل عقل الكاتب من خبرة حياتية أو أحداث تاريخية أو أسطورة، لأن الحوار التمثيلي الذي نعيشه قد يجعلنا نكتشف الذات ونكتشف قوة الحوار وضعفه من خلالنا. لأننا نستعمل المحادثة العادية مع بعضنا البعض، لكن في العمل الفني يخلق الحوار أضواء فكرية نتحاور معها وتتحاور معنا، لنكتشف نقاط العتمة ونقاط النور ونخضعها للتحليل. فإما أن نكمل المسلسل أو نتوقف عن حضوره. فالأساليب التعبيرية تختلف من شخصية لشخصية في العمل الدرامي الواحد. فالكاتب حين يرسم شخصياته ويلقي الضوء عليها، ينير عقل المتلقي لرسالة يريدها أن تصل إليه في كل تفاصيلها.
إن "محسن الجلاد"، المخرج، استطاع الابتعاد عن شخصياته، بل لم يضف عليها من كلامه، بمعنى ما من زوائد في المشاهد يمكن قصها أو إتلافها، أو تخفيف لغة الحوار، لنشعر أننا في مجتمع تمثيلي مصغر لما نعيشه اجتماعيًا وسياسيًا مع شخصيات لعبت على إيقاع التآلف والانسجام. فالإيقاع الحواري جاء منسجمًا في اتزان وارتباط الجزء بالكل، وهذا ما جعل الحلقات العشرين التي تابعناها ممتعة، بل خلقت هارموني بين المشاهد والمخرج والممثلين، حتى أنني أحسست أن كل ممثل أخذ دوره واستطاع تأديته بصدق. وهذا ما جعلني أقول إننا بحاجة لهذا المسلسل في رمضان، فهو يجعلنا نكتشف النفس، ضعفها وقوتها، بل جعلني أدرك قوة جمال المرأة العربية في ضعفها وقوتها، وحتى توبتها وسوء فهمها للشرع والرجوع عن الخطأ. فإلهام شاهين شدّت الانتباه في جملها الحوارية التي أضافت إليها أحاسيسها لتستكمل الإيقاع السمعي وتربطه بالحواس الأخرى بقدرة كشفت للمشاهد ثمرة أبعاد شخصيتها واندماجها بشخصية المرأة الأرملة والوزيرة والأم التي تحتاج للحب في سلوكيات جعلتنا نطرح أسئلة على أنفسنا: هل هناك من يرفض كماليات حياتية هي من حق وزيرة دولة، أم أن مثل هؤلاء دائمًا نحاربهم؟
كلمات قليلة في معاني الحب والخوف والقوة، والإستهتار للفنان "تامر هجرس"، وتعبير طبيعي، وكأنه نسي فعل الأداء بل اندمج فيه وأعطى الشخصية حقها، تلك التي اكتسبت من الغرب الحرية المبتذلة، والتي يرفضها الشرقي بقوة، كما يرفض الصعيدي الحرية المطلقة التي تلغي الحدود السلوكية، لتفقد ابنته العذرية ويصاب بنكسة صحية. وكما يتقبل يوسف شعبان شخصية زوج ابنته الانتهازي، فالمؤلف استطاع الوصول لقناعة عقلية تامة لكل شخوصه، كما استطاع المخرج إبراز لغة الحوار القوية في الداخل ولم يعتمد على المناظر الخارجية كثيرًا. فمشهد استلام الوزيرة مهامها والزهور الكثيرة من حولها وطلبها بإزالتها كلها حين أعجبتها سلة ورد كانت من الحبيب السابق "تامر هجرس" من أقوى المشاهد التي أقنعتني أن الإنسان يكرر أفعاله مهما اختلفت المشاهد الحياتية والزمنية، ليرتجف مع إلهام شاهين وهي تظهر الحدث بحواسها كلها.
يعتقد "ستانسلافسكي" أن الحوار الجيد هو الذي يحتوي على مفاتيح وإرشادات تساعد الممثل على أن يقرأ دوره كما ينبغي أن يكون. وهذا ما أحسسته في مسلسل "قضية معالي الوزيرة".
برؤية أخرى يتناول المسلسل موضوعات معقدة تتعلق بالمرأة في المجتمع العربي، والصراع بين الأدوار الاجتماعية والسياسية. يسلط الضوء على شخصية الوزيرة التي تواجه تحديات مهنية وشخصية، مما يعكس تجارب النساء في المناصب القيادية وكيفية تعامل المجتمع معهن.
تم بناء القصة بشكل متقن، حيث تتصاعد الأحداث بشكل منطقي، مما يُبقي المشاهد مشدودًا. يتناول المسلسل الصراعات الداخلية والخارجية التي تعيشها الشخصيات، مما يعكس التوتر بين الرغبات الشخصية والضغوط الاجتماعية.
تتميز الشخصيات بعمقها وتنوعها. الوزيرة تجسد القوة والضعف في آنٍ واحد، ما يجعلها شخصية معقدة وقابلة للتعاطف. تفاعلات الشخصيات الأخرى، مثل "تامر هجرس" و"إلهام شاهين"، تضيف أبعادًا إنسانية للقصة، مما يعكس العلاقات الإنسانية المتشابكة.
تتجلى الرؤية الإخراجية في القدرة على خلق توازن بين عناصر السرد البصري والسمعي. اختار المخرج أسلوب تصوير يركز على تعبيرات الوجه ولغة الجسد، مما يعزز من قوة المشهد ويجعل المشاهد يشعر بالعمق العاطفي للشخصيات.
استخدام الإضاءة بشكل يتناسب مع الحالة النفسية للشخصيات يُعزز من الأجواء الدرامية. الموسيقى التصويرية كانت مميزة، حيث استخدمت لتعزيز المشاعر في اللحظات الحرجة، مما يجعل المشاهد أكثر ارتباطًا بالأحداث.
الحوار جاء طبيعيًا وواقعيًا، مما يساهم في تجسيد الشخصيات بشكل أقرب إلى الواقع. النص يحتوي على عمق فكري، حيث يحمل حوارات تعكس التوتر بين القيم التقليدية والتغيرات الاجتماعية.
كما تم استخدام الزوايا المختلفة للتصوير بشكل مدروس، مما يضيف بعدًا جماليًا للمشاهد. تكوين اللقطات يساهم في خلق تفاعلات بصرية تعكس الحالة النفسية للشخصيات.
توزيع عناصر الديكور بشكل يتناسب مع كل مشهد يعكس حالة الشخصيات. فمثلاً، استخدمت الخلفيات في مشاهد العمل السياسي لتسليط الضوء على الجدية، بينما كانت الخلفيات في المشاهد الشخصية أكثر دافئًا.
العمل يحمل رسالة قوية عن قوة المرأة وتحدياتها في المجتمع، مما يخلق حوارًا حول قضايا اجتماعية هامة. هذا التأثير الجمالي والفني يجذب المشاهد للتفكير في القضايا المطروحة.
بشكل عام، مسلسل "قضية معالي الوزيرة" يجمع بين الكتابة الجيدة والرؤية الإخراجية المبتكرة. من خلال شخصياته المتنوعة والبناء الدرامي المتقن، يتمكن المسلسل من نقل تجربة إنسانية عميقة، مما يجعله عملًا فنيًا يستحق المشاهدة والتفكير.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com