عتمة الاستبداد في "قلب الظلام"
ضحى عبدالرؤوف المل
اتخذ المكان عند "جوزيف كونراد" موقع القلب لصفة لا تقبل أي نوع من الضوء، وهي الظلمة الأشد تناقضاً للنور. فالقلب كالمتاهة في منظومة شديدة التعقيد، لأنه يبث الحياة فيجعلها معافية أو يبث الشرور ليفسد كل ما حوله. فإما أن يحيا الحرمان، وإما أن يتذوق النعمة.
حمل العنوان خلاصة رواية تبحر بنا إلى حيث جوهر الحياة، حيث الجمال وحيث الاستبداد، حيث العاج والثروة، وحيث الموت وأكل لحوم البشر في أسلوب متماسك. استطاع كونراد تصوير أفعال حسية لا تخلو من بلاغة جميلة: "إلا أن الظلام من الجهة الغربية التي تحتضن قمة البحر قد ازداد مع مرور كل دقيقة، كما أنه استشاط غضباً عند اقتراب الضوء"، وكأنه يرسم لوحات الطبيعة في أبعاد مدروسة لنستكشف جنة داخل ظلمة استدعاها من روح الماضي. "ولكن عبر النور المعتبر للذكريات الخالدة، وفي الواقع فما من شيء أسهل على رجل لازم البحر بمودة وتقدير من استدعاء روح الماضي العظيمة فوق لسان نهر التايمز".
ترجم "محمد شاهين" رواية "قلب الظلام" بلغة مصقولة لم تسلب المعنى جماله اللوني، ومنح نسيج الرواية اللغوي ما زادها جمالاً لقراء اللغة العربية. ارتكزت الرواية على دلالات لغوية ورمزية في المعنى والمبنى، إلى جانب فلسفة عميقة وتعابير تماسكت ضمن النص بل التصقت، حيث لا تستطيع تقديمها أو تأخيرها، أو أن تضعها في البداية أو النهاية: "لقد كانوا غزاة، وعندما تكون غازياً فإن ما تحتاجه هو القوة الهمجية فقط. وما من داعٍ للتباهي أو التفاخر عندما نملكها ونحصل عليها من حادث مفاجئ، فالهمجية قد تولد من الخوف ومن الدفاع عن النفس، والتي تبين وعي الإنسان حين يقترب ويبتعد عن مفهوم بقاء النوع الإنساني". كان الفعل أبعد من أن يكون عدوانياً ولم يكن حتى دفاعياً، فقد وقع الفعل أصلاً تحت تأثير اليأس المؤدي إلى التهور، أما الجوهر فكان دفاعياً بحتاً.
إن القلب يحدد الخير والشر تبعاً لصاحبه، والبقعة الأفريقية ترتبط بالمكان الذي أبحر إليه كونراد في رحلة تشبه رحلات استكشاف الوعي الغامض في سرد حمل مفاهيم معرفية وسلوكية، وحتى مفاهيم نفسية تعتمد على الفراسة في وصف روائي لم يتعارض مع اللغة ولا مع الحدث في اكتماله التصويري الذي يشبه مراحل تكوين القمر. لنستمتع بالرواية بنهاية شهر قمري جميل: "ويعتقد بقرارة نفسه بأنه الكائن الأعظم شأناً في هذا الكون، مع أنني لم أرَ في حياتي قط رجلاً أشد منه حماقة وعصبية".
مرات كثيرة أحسست كأن الرواية نفسها هي تلك القارة التي لم يتم اكتشافها بعد! كأني من خلال ما أقرأ أكتشف عالم الظلمة والنور، الشر والخير، الجمال والقبح، الألق والهمجية، الموت والحياة، أبيض وأسود، الطمع والكرم، الحب والكراهية، الجهل والعلم. وتحت تأثير رحلة روحانية يلفها غموض ظلمة متجهة نحو النور، ولم ينس كونراد المسائل الاجتماعية التي تؤكد على صعوبة تسلق سلم الحياة الوظيفي نحو أحلام نسعى إلى تحقيقها: "وكأنه إلقاء الحقيقة على هذا الواقع بالذات"، واقع يحتاج إثارة روائية تنقلنا إلى شخصيات تحمل الواقع المر في ذاتها كعناصر دلالية رمزية بأسلوب لا يخلو من مسحة محملة باستعارات جميلة ومحببة: "اندفعت بعد ذلك تلك المرأة الرائعة تتحدث عن القناعة بتلك الملايين الدالة على الجهالة وأساليبهم المخيفة البغيضة". جوانب كثيرة أضاء عليها وكأنه يسلط الأضواء على كل ما تثيره الظلمة الفكرية في مذكرات غنية بوصف سردي يحمل الحكمة، وكأنه هو رسول القوة لمعالم جغرافية لا يمكننا الوصول إليها، لكننا عشناها بكل تفاصيلها: "إنهم رسل القوة من اليابسة حاملين قبساً من النار المقدسة، ويا لها من عظمة طغت فوق المد والجزر!".
تناسق وتركيز وسعي دائم لإبراز التناقض الإنساني في رحلة بحث عن عوالم لم يتم اكتشافها تشبه عوالم الذات التي يصعب الغوص فيها إن لم نختبر أنفسنا ونكتب خلاصة الحقيقة الداخلية التي نخفيها لنعيد الاعتراف بها في لحظات سكون نفسي: "فاكتشفت بأنني أناضل بشراهة من أجل شيء لا قيمة له، لا يستند إلى أي جوهر، ولم أستطع إلا أن أشعر باليأس والوحدة، فقد تراءى لي بأنني قد أخطأت قدري في الحياة... إنه القدر! قدري! وما الحياة إلا شيء تافه، ذلك النسق المبهم الخاص بالمنطق الظالم لأجل هدف تافه، ولعل كل ما يمكن أن تحصل عليه بعض المعرفة لنفسك والتي تأتي متأخرة".
تناقض حركي مزدوج، وصفي اعتمده في تزامن مشهدي حمل الكثير من المقارنات في كينونة غير محدودة فاتحاً أفق المخيلة عند القارئ ومستعملاً المثنى: "ولما وصلته التقيت بامرأتين: الأولى سمينة والثانية نحيلة. اتجهت المرأة الأصغر إلى الوراء لتقديمهم إلى المسؤول في الشركة، في حين كانت المرأة الأكبر تجلس على الكرسي. حزمتان إضافيتان، حادتا الزوايا... طرفي الكمين بالأبيض والأسود... بعينين جاحظتين... كانت الصغيرتان تلمعان... فقال رجل ذو شاربين... برجلين تتدليان... يتنزهان معاً... يلتصقان... خطا الإثنان... يجوبان... الخ". وكأنه يرسم لوحة في الطبيعة الحرة لنبصر بشمولية أكبر، ففعل البصر ذكره أكثر من مرة: "يمتد أمامنا لنبصر بداية لا نهاية لها... إلا ما يمكن أن نبصره على هذا الجزء من النهر... وقع بصري على شارع ضيق... وقفت جامدة ورمقت بصرها... فوقع بصري على رأس السكرتيرة... فأبصرت وجهاً قريباً من يدي... بمقدورهم أن يبصروا فقط مشهداً... وهو الواقع الذي يبهر البصر".
تتابع زمني متماسك خفيف الظل، لأنني لم أشعر بالزمن الروائي لشدة جمال عناصر النور والظلام التي استعملها بين انخفاض وانبساط وتلاشي، وتدرجات بمفردات عديدة استعملها جعلتني أسهو عن زمن الرواية واستفيق على جملة: "لقد كانوا يقطعون الوقت باغتياب بعضهم البعض بطريقة مجنونة، ويسود المقر جو من التآمر المستمر"، لأشعر بحقوق الإنسان المنتهكة في كل زمان ومكان، ليصبح أسيراً في أيدٍ قوية: "نحن البيض، وانطلاقاً من نقطة النمو والتطور التي وصلنا إليها، يتحتم علينا الظهور أمامهم ككائنات خارقة للطبيعة، وأن نتقرب إليهم عبر قدرة تتسم بقدرة إله". لينقلنا بعدها لمشهد زنوج بسلاسل حديدية: "جعلتني أستدير لأشاهد ستة زنوج يتقدمون بنسق واحد، يجتازون الممر بصعوبة بالغة... وكانوا جميعاً موثوقين بسلسلة تترنح عقدها وتتمايل بين هؤلاء الزنوج".
إن شفافية شخصية "جوزيف كونراد" استطاعت تحسس كل حركة وكل لون وكل شكل وحتى الصوت من أنين الرجل المريض، وخشخشة الزنوج، وطنين الذباب: "فالذباب يطن عليه بسكينة تامة". فالإيقاع في مفرداته الدالة على الصوت كأنها خلفية موسيقية للحدث جعلتنا نتحسس الحدث والأعصاب تتوتر وتسترخي حتى من آكلي لحوم البشر. فالأمكنة كانت تتسع وتضيق، والصدى يختفي في الأماكن الطبيعية الأكثر اتساعاً والمأهولة، كما أن الصدى يختفي في رمزية العقل العنيد: "لم يجد قولي هذا صدى، فهو أشبه بكلام موجه إلى شجرة أطلب منها ألا تنحني إزاء العاصفة". لنشعر بعدها بصوت الظلمة الصامت والمخيف، كأنها ظلمة النفس البشرية التي تخاف ذاتها، ليتركنا مع راوٍ كهدير البحر ليشارك شخوصه التفاعل الواقعي الممسوح بخيال فني يتسم بسرد خاص حمل قوة رؤية وفلسفة لم يتخللها أي حشو زائد، وكأنه يعمل على تنشيط الذاكرة لتستقبل المعلومة بشكل جيد وأساسي: "الإنسان قادر على تحقيق أي شيء، لأن كل شيء يكمن في داخله، الماضي بكل تفاصيله وكذلك المستقبل".
وعي فني وفكري له انعكاساته الاجتماعية على النفس والمجتمع وضعه في القالب الروائي، ليتأثر به المتلقي وكأنه صفة منفردة بذاتها أو كحالة أصابته بالنفور: "ففي الكذب تكمن وصمة الموت ورائحة الفناء، وذلك أمقته في هذا الكون، وهذا ما أود أن أنساه، وهو يجعلني تعيساً ومريضاً، تماماً كما لو أنني أقضم شيئاً متعفناً". فالكذب من الصفات الاجتماعية الأكثر سوءاً والأكثر تعقيداً في حياة الإنسان، فهي تفقد صاحبها هيبة الصدق، فيفقد مصداقيته الكاملة، وهذا يؤكد صدق "كونراد" في رحلته هذه، كما يؤكد احترام مشاعر الغير لمختلف الانتماءات الطبيعية أو الدينية أو غيرها، حتى مع من يأكلون لحم البشر، وهذا تلميح أننا في مجتمعاتنا قد نفتقد هذا: "فإنهم لم يأكلوا بعضهم البعض أمامي، فقد أحضروا طعاماً من لحم فرس البحر". فالغيبة والنميمة والكذب هي من المكتسبات الأشد ضرواة، فقلب الظلام هو القلب الذي يحتوي على قدرات لا حدود لها لتطور الإنسان الفردي والجماعي.
برؤية أخرى تعتبر رواية "قلب الظلام" لجوزيف كونراد من الأعمال الأدبية الخالدة التي تتناول قضايا معقدة تتعلق بالاستعمار، الإنسان، والنفس البشرية. من خلال أسلوب سردي يتسم بالعمق والبلاغة، يسلط كونراد الضوء على التوترات الإنسانية في سياق الاستبداد والاستعمار، مما يفتح المجال أمام تحليل شامل للظواهر الاجتماعية والسياسية.
يسعى كونراد في "قلب الظلام" إلى استكشاف أعماق النفس البشرية من خلال الرحلة الاستكشافية التي يقوم بها بطل الرواية، "مارلو". هذه الرحلة لا تقتصر على المسافة الجغرافية فحسب، بل تمتد إلى أعماق الوعي الإنساني. عبر تصوير التناقضات بين النور والظلام، يتمكن كونراد من خلق فضاء يسمح للقارئ بالتفكير في الآثار النفسية والاجتماعية للاستعمار.
يستخدم كونراد تقنيات سردية معقدة، منها السرد غير الخطي واستخدام الرمزية. يمثل الظلام، في الرواية، استعارةً للشر والقسوة التي يتسم بها الاستعمار. بينما يُظهر النور بوصفه رمزًا للمعرفة والحرية. هذه الثنائية تعكس التوترات الكامنة في العلاقات الاجتماعية والسياسية في تلك الفترة.
تتسم اللغة المستخدمة في الرواية بالغموض والعمق، مما يعكس طبيعة الأحداث والظروف التي تعيشها الشخصيات. من خلال الوصف التفصيلي للمشاهد، ينقل كونراد القارئ إلى عوالم غير مرئية من الألم والاضطراب، مما يعزز من إحساس القارئ بالمعاناة الإنسانية.
تشير الرواية إلى القضايا الاجتماعية العميقة التي تنشأ في ظل الاستعمار. تُظهر الشخصيات، مثل "كورتز"، الانهيار النفسي والأخلاقي الذي يتعرض له الإنسان عندما يُفصل عن القيم الإنسانية الأساسية. تُجسد "قلب الظلام" معاناة المستعمرين والمستعمرين على حد سواء، حيث أن الظلم والفساد يتجاوزان الحدود الجغرافية ليصل إلى أعماق النفس البشرية.
كما أن الرواية تعكس الهيمنة الثقافية الغربية، من خلال تصويرها للعلاقات بين المستعمرين والسكان الأصليين. تُظهر هذه الديناميات كيف أن القوة يمكن أن تؤدي إلى تدهور الأخلاق، مما يبرز الحاجة إلى النقد الذاتي والتأمل في القيم الإنسانية.
تترك "قلب الظلام" أثرًا عميقًا على القارئ، فهي ليست مجرد رواية عن الاستعمار، بل هي دعوة للتأمل في طبيعة الإنسانية. تتجلى في الصفحات مشاعر القلق والخوف، وكذلك الأمل في الفهم والتواصل. يُظهر كونراد أن الوعي الذاتي هو المفتاح للخروج من عتمة الجهل والاستبداد.
تظل رواية "قلب الظلام" لجوزيف كونراد واحدة من أبرز الأعمال الأدبية التي تتناول قضايا معقدة تعكس واقع الإنسان. من خلال رؤيته الفريدة، يتمكن كونراد من تسليط الضوء على أعماق النفس البشرية، مما يجعل القارئ يتساءل عن مفاهيم الخير والشر، الحرية والاستعباد، في عالم يسوده الظلام. تجسد الرواية تجربة إنسانية عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتبقى مرتبطة بأهمية الوعي الاجتماعي والسياسي في العالم المعاصر.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com